ابتسام خنافر
في الحروب، لا يبدأ الموت حين تتوقف نبضة القلب. الموت الحقيقي يأتي بعد ذلك، في اللحظات التي يحاول فيها البيت أن يبدو طبيعياً، بينما شيء أساسي فيه قد اختفى إلى الأبد.
يبدأ حين يعود الطفل إلى البيت، فيجد السرير كما هو، والملابس كما هي، وكوب الماء في مكانه، لكن الشخص الذي كان يملأ المكان ضحكاً قد اختفى فجأة، وكأن الحياة قررت أن تمحو أحدهم دون أن تشرح لماذا. حتى رائحة البيت تتغيّر. يصبح الصمت أعلى من الأصوات، وتبدو الأشياء اليومية كأنها تذكّر الناجين بمن رحل في كل زاوية.
في جنوب لبنان، وفي كل مدينة مرّت بها الحرب، هناك أطفال يحملون إخوتهم بين أيديهم الصغيرة، يبحثون بين الركام عن وجه، أو يد، أو بقايا صوت. أطفال كانوا قبل دقائق يتشاجرون على لعبة، أو يضحكون بسبب قطعة شوكولاتة، ثم وجدوا أنفسهم فجأة أمام الموت، دون وقت كافٍ لفهم ما حدث.
الحروب لا تسرق الناس فقط، هي تسرق الطريقة التي يرى بها الطفل العالم إلى الأبد. فالطفل الذي يرى الموت مبكراً يتعلّم بسرعة أن الأمان هشّ، وأن الذين نحبهم قد يخرجون من الباب مرة واحدة فقط… ثم لا يعودون أبداً. ومنذ تلك اللحظة، يتغيّر كل شيء داخله، حتى الأشياء التي تبدو بديهية للآخرين.
في الماضي، كان هناك قنّاص يراقب الطفل جيداً قبل أن يقتله. وربما لا توجد فكرة أكثر رعباً من هذه: أن شخصاً رأى طفلاً كاملاً، بضحكته وخوفه وبراءته، ثم قرر أن يضغط الزناد.
كان أخي في الحادية عشرة من عمره. لا أتذكره كشَهيد فقط، بل كطفل كان يركض في البيت وكأن الحياة خُلقت له وحده. أتذكره وهو يسرّح شعره بسرعة أمام المرآة، كأنه مستعجل للحاق بيوم لن يكتمل.
أتذكره وهو يخبّئ الشوكولاتة، ثم يقسّمها بيننا بعدل طفولي مضحك، كأنه مسؤول فعلاً عن سعادتنا الصغيرة. أتذكر صوته وهو ينادينا من الغرفة الأخرى، وضحكته البريئة التي كانت تملأ البيت سعادة، كأن الحزن لن يستطيع إليه سبيلاً.
أتذكر رنّة ضحكته. وهذا أكثر ما يقتل الناجين بصمت: أن الذاكرة لا تحفظ الموت أولاً، بل تحفظ الحياة التي كانت هنا قبل أن تُنتزع.
ثم جاءت الرصاصة القاتلة. رصاصة واحدة فقط، لكنها لم تخرق جسده الصغير فحسب، بل البيت كله. إلى أمّ لن تنام مرتاحة بعد ذلك اليوم، وإلى إخوة سيتحوّل خوفهم على بعضهم إلى طريقة حياة.
أذكر كيف امتلأ البيت بالناس بعد الخبر، ومع ذلك بدا فارغاً بشكل مرعب. أذكر وجه أمي… ذلك الصمت الثقيل الذي يسبق البكاء، كأن الروح تحتاج لحظة لتفهم أن شخصاً كان يضحك قبل قليل… لن يعود. حتى الجدران بدت مختلفة يومها، كأن البيت نفسه كان يعرف أن أحد أركانه لن يعود.
كنت طفلة صغيرة. لكن الطفل لا ينسى. يحمل الصور داخله طوال العمر: الصوت، الضحكة، الخوف، وآخر لحظة عادية سبقت الكارثة، كأن الزمن توقّف هناك ولم يكمل طريقه.
حتى الأشياء الصغيرة تتغيّر معانيها. آخر مرة لعبنا فيها بالماء كانت قبل الفقد بقليل، وحتى اليوم يرتجف شيء عميق بداخلي إذا رشّني أحدهم بالماء مازحاً، كأن الذاكرة خبّأت الحزن في الماء نفسه. وبعض الأغاني، وبعض الروائح، وبعض التفاصيل الصغيرة تستطيع فجأة أن تعيد الإنسان إلى أكثر لحظة يحاول الهروب منها.
ثم تغيّرت الحروب. اختفى القنّاص خلف الطائرات والخوارزميات، لكن الندوب لم تتغيّر. ما زال هناك طفل يحمل أخاه تحت الركام، وأم تصرخ باسم ابنها وسط الغبار، وأطفال يكتبون أسماءهم على أجسادهم خوفاً من أن يتحولوا إلى أشلاء لا يتعرّف إليها أحد.
أتذكر تلك اللحظة جيداً. كنا نركض تحت القصف الإسرائيلي، والسماء ممتلئة بالنار، والناس يركضون في كل اتجاه، حين قالت أختي: «اكتبوا أسماءكم على أيديكم وأرجلكم… حتى إذا قُصفنا يعرفون لمن هذه اليد، ولمن هذه الرجل» أي طفولة يمكن أن تنجو بعد هذه الجملة؟ أن يكتب الطفل اسمه على جسده، لا من أجل المدرسة أو الحياة، بل كي يُعرَف بعد الموت.
من يرى الحرب طفلاً لا يعود كما كان. يكبر بسرعة مرعبة، ويتعلّم كيف يخفي خوفه داخل الضحك، وكيف يراقب الذين يحبهم بصمت، وكأن قلبه يتوقّع فقدانهم يوماً.
حتى بعد سنوات طويلة، يظلّ جزء منه متنبّهاً طوال الوقت، غير قادر على الوثوق الكامل بالأمان. قد يصبح الطفل طبيباً أو كاتباً أو معلّماً، وقد يبدو قوياً أمام الجميع، لكن لا أحد يرى الطفل المختبئ بداخله، الطفل الذي ما زال يسمع صوت الرصاصة أو القنبلة حين يغمض عينيه. وأحياناً، في أكثر اللحظات هدوءاً، يعود ذلك الطفل فجأة، خائفاً كما كان في المرة الأولى.
نحن أبناء الحروب نضحك، ونحب الحياة بشراسة. ليس لأننا شُفينا، بل لأننا رأينا الموت قريباً جداً، وعرفنا أن الذين رحلوا أخذوا معهم جزءاً منا، وتركوا لنا الجزء الذي يقاوم.
وربما هذه هي قوة الناجين: أن يحمل الإنسان كل هذا الحزن في قلبه، ثم يواصل، رغم ذلك، تعلّم الحب والحياة من جديد.







Leave a Reply