محمد العزير
بعيداً عن حفلة الزجل الكيدي التي اجتاحت لبنان، منذ إعلان التوصل إلى اتفاق إطار بين الولايات المتحدة وبين الجمهورية الإسلامية، لإنهاء الحرب الثانية التي نشبت بينهما، وبمشاركة إسرائيل من جهة، وحلفاء طهران من جهة ثانية، وبصرف النظر عن كمية الأحقاد وخيبات الأمل التي تتقاذفها النخب اللبنانية المنفعلة، هناك معطىً رئيسي وجدير بالاهتمام في بلاد الأرز، وهو ببساطة ما ستؤول إليه الأمور في اليوم التالي لما بعد وقف إطلاق النار إن ثبت سريانه، وهو لا يتعلق بالعسكر ولا بالتفوق التقني، ولا بالمقدرات الهجومية أو الدفاعية لكل منهما، وإنما ينصبّ على مآلات الأمور لفئة وازنة من المجتمع اللبناني، بعدما ازدهرت (بكيفية ما) لسنوات طويلة وهي في معظمها بعيدة عن السياق الوطني المفقود بكل تلاوينه). الوطني هنا يعنى الكيان ومؤسسات الدولة وليس يتعلق بالتوصيف السياسي).
يحلو للبعض من النخب السياسية والإعلامية اللبنانية أن يبدأ في تأريخ المصيبة الوطنية الراهنة، مع بداية الصعود الناشئ لـ«حزب الله» مع انتصار الثورة الإسلامية في إيران، وكأن لبنان قبل 1979، كان في أحلى حالاته ولم تكن فيه شائبة سياسية أو طائفية أو اقتصادية أو إدارية. والحال أن لبنان منذ إعلانه الرسمي ككيان على يد الجنرال الفرنسي غورو عام 1920، كان قائماً على تعادل سلبيات لا إيجابية فيها سوى أنه يستمد تاريخه من مرويّات تاريخية مجتزأة، لا ترتبط بالضرورة بالحقائق الديموغرافية أو العرقية أو الكيانية التي أفرزت، ولا تزال، وقائعَ دموية رسمت خطوط التماس التي تتغير أسماؤها دون أن تتغير مضامينها، وتشكل الأرض الخصبة لكل محاولات الاستقواء الداخلية المستندة إلى عوامل خارجية.
كان «حزب الله» آخر الواصلين إلى حلبة الاستقواء والاستفراد بالقرار الوطني لكن تجربته اختلفت كلياً عن النماذج السابقة (الهيمنة الفلسطينية، الإدارة المدنية للحزب الإشتراكي في الجبل، سيطرة الجبهة اللبنانية ثم القوات اللبنانية على المناطق ذات الكثافة السكانية المسيحية بما فيها من مرافق ومؤسسات وقطاعات رسمية)، فانطلق متسلحاً بعقيدة واضحة، ومستنداً إلى دعم إيراني غير محدود، ليبني تجربة غير مسبوقة تحولت في ظل الزخم المعنوي النابع من وهج المقاومة، إلى كيان «دولتي» قائم بنفسه في مناطق تواجده، تتوفر فيه كل المكونات الاقتصادية والمالية والإدارية والصحية والتربوية والرعائية والإعلامية والأمنية، والتي نمت باضطراد بعد «التحرير» سنة 2000، وتكرست بعد «حرب تموز» سنة 2006.
أنتجت هذه التجربة بنية اجتماعية متجانسة وإن لم تكن متصلة، حيث تتكون جغرافياً من المناطق الشيعية في الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية لبيروت، وبعض الجيوب الصغيرة في بيروت والجبل، و تتكون ديموغرافياً مما لا يقل عن مليون ومئتي ألف نسمة (حسب التقديرات الرصينة)، وتتمحور العوامل الاقتصادية والمعيشية في هذه البنية التي يسميها الإعلام «البيئة الحاضنة» حول مؤسسات ونشاطات «حزب الله»، مع صلات متدنية كثيراً مع الدولة المركزية ومؤسساتها، حيث تحوّل الحزب إلى المحرك الأول للعجلة الاقتصادية، والمصدر الأبرز للتشغيل والتوظيف، وشريان الدخل الأكبر لعشرات آلاف العائلات، التي كانت تعاني تاريخياً من الحرمان التنموي وانعدام فرص العمل.
تشير المعطيات المتوفرة، في ظل غياب الإحصاءات الدقيقة، إلى أن لدى الحزب حوالي 50 ألف مقاتل، بين متفرغ واحتياط، ورقم مماثل من العاملين في مؤسساته المختلفة (وهذا يمثل حوالي 20 بالمئة من القوة العاملة في البيئة)، ويقدم الحزب رواتب شهرية لعائلات حوالي 10 آلاف من مقاتليه الذين قضوا في جولات الحروب المتعاقبة، وأكثر من عشرين ألف معوق أو جريح، كما يرصد مئات ملايين الدولارات لميزانيات مؤسساته الإنتاجية والتربوية والتنموية والإعلامية، وتُقدّر موازنته السنوية العادية، وفق مصادر غربية، بحوالي مليار ومئتي مليون دولار، وتستفيد من هذا الحضور الفعال، بشكل تلقائي، قطاعات واسعة توفر له المتطلبات الضرورية لنشاطه، من المحلات التجارية البسيطة إلى المصانع والمنشآت المحلية التي يتزود منها باحتياجاته كافة.
هذا في المباشر والإيجابي، لكن الصورة الأكبر في مناطق نفوذه تنطوي على عوامل أخرى غير مباشرة، نتجت بشكل كبير عن هذا النفوذ الذي زاد من غياب الدولة ودورها، وهي في الأصل لم تكن ذات حضور فعّال تماماً، ومعظم هذه العوامل سلبية وتحتاج إلى عناية كبيرة لتصحيحها أو إلغائها، لأنها في صميم العلاقة البينية بين الناس وبين الدولة، ولن تختفي تلقائياً إذا نجحت الحكومة في مسعاها لاستعادة القرار السيادي وسحب السلاح. يأتي في طليعة تلك الحالات، الملف القضائي الكبير الذي يشمل عشرات آلاف من المطلوبين بقضايا جنائية ومخدرات وتهريب، وإذا كان الشق الجنائي من هذا الملف قابلاً للحل من خلال العفو العام، فإن الشق الثاني لا يقتصر على الجانب القانوني، فتصنيع وتجارة المخدرات ليسا مسألة فردية أو معزولة، لأن هذا القطاع غير الشرعي يُعتبر مصدر دخل لآلاف العائلات التي تعتاش منه منذ سنوات طويلة. كذلك هناك الملف القانوني المتشعب والذي يطال شريحة واسعة جداً من الناس في المناطق الثلاث، وتعود المسؤولية فيه إلى أكثر من جهة رسمية من البلديات إلى المحافظات والوزارات. يتمثل القسم الأول من هذا الملف في مخالفات البناء الشائعة والتي ستشكل تسويتها بالطرق التقليدية عبئاً مالياً هائلاً لا قدرة لمعظم المعنيين به على تأمينه. وهناك التعديات المزمنة على الأملاك العامة وأملاك الغير، والتي سيزيد من تعقيداتها وجود فئات متضررة غير مستعدة للانتظار طويلاً لإتمام المعالجة، وقد يلجأ البعض منها إلى إثارة الموضوع بطريقة كيدية لا تتورع عن استخدام التجييش الطائفي.
كذلك، هناك في هذا الملف، مسألة السيارات غير المسجلة وغير الخاضعة لفحوص الميكانيك أو غير الصالحة للسير حسب المواصفات الحكومية، وهناك آلاف المؤسسات التجارية التي تعمل بلا تراخيص أو تتواجد في أبنية غير مطابقة أو في مناطق غير مصنفة تجارياً، وفي القطاع الزراعي هناك الكثير من المشاريع التي لا تلتزم بالمتطلبات التي يمليها القانون، ومزارع تستخدم مياه الصرف الصحي للري، أو تستخدم السماد الكيماوي اعتباطياً، وهناك آلاف الآبار المحفورة عشوائياً، وقنوات الري الموصولة بمجاري الأنهار والجداول. ولعل الشق الأقل تعقيداً في المخالفات هو التعديات على شبكة الكهرباء، لكن الحل ليس بسيطاً لأن نسبة كبيرة من البيوت والمحلات والمؤسسات ليس لديها عدادات.
بصرف النظر عن مآلات المفاوضات سواء في إسلام آباد أو جنيف بين أميركا وإيران، أو في واشنطن بين لبنان وإسرائيل، من المسلّم به أن الأمور في مناطق نفوذ الحزب لن يعود إلى ما كان عليه قبل أكتوبر 2023، وإذا لم يتفجر الوضع داخلياً وتغرق البلاد في فوضى عارمة مفتوحة على احتمالات بائسة، لا يمكن للعهد والحكومة إلّا مواصلة المسار الجديد الذي أتى بهما مع انتخاب العماد جوزيف عون وتكليف القاضي نواف سلام، وهذا يعني قبل كل شيء استعادة الدولة لحضورها والذي لا يقتصر على حصر السلاح وبند السيادة، بل يتطلب عودة الدولة لتكون المسؤول الوحيد أمنياً واقتصادياً وإدارياً ومعيشياً، وهذا يعني عملياً إنهاء الحالة الكيانية للحزب بشكل من الأشكال.
هذا الواقع المستجد والمفترض سيؤدي إلى معضلة مزدوجة. ضمور الحزب مؤسسياً وتناقص موارده المالية وبالتالي اضطراره إلى تسريح واسع للعاملين فيه ما سيخلق بطالة فورية ضاغطة، ووقف المساعدات الاجتماعية والمادية، ما يعني زيادة معدلات الفقر والعوز، وإذا أُضيف ذلك إلى المتطلبات المستجدة لتسوية المخالفات والتعديات، سيكون من الوارد بالتأكيد أن تتحول البيئة إلى قنبلة موقوتة قابلة للانفجار، في ظل الانقسام الحاصل في البلاد، ومسؤولية الدولة إزاء ذلك أن تكون جاهزة لتفادي الوقوع في المحظور.






Leave a Reply