هناك لحظات لا يتغيّر فيها الحدث… وإنما يتغيّر السؤال.
قبل أكثر من ثلاثين عاماً، كان سؤال واحد يتردّد في بيوت أبناء الجالية العربية: هل يستطيع العربي الأميركي أن يصل إلى سدّة القرار؟
لم يكن سؤالاً سياسياً بقدر ما كان سؤالاً يحمل أحلام جيل كامل. جيل جاء إلى هذه البلاد وفي ذهنه أولويات أكثر إلحاحاً من السياسة، كان يبحث عن فرصة عمل وعن بيت يحتضن عائلته وعن حياة أكثر استقراراً لأبنائه. بدأ كثيرون من الصفر أو دونه، يحملون حقائبهم وقليلاً من المال وكثيراً من الأمل.
عملوا لساعات طويلة وافتتحوا متاجر صغيرة وأسّسوا أعمالاً متواضعة وآمنوا بأن ما يبنونه اليوم سيكون الطريق الذي يسلكه أبناؤهم نحو غدٍ أكثر إشراقاً. لم يكن الوصول إلى مواقع صنع القرار جزءاً من أحلامهم البعيدة، فقد كان الاستقرار هو الحلم الأكبر. ومع مرور السنوات والعقود، تغيّرت الأحلام، وكبر معها السؤال.
كبر الأبناء، وكبر معهم الحلم.
امتلأت الجامعات بأطباء ومهندسين ومحامين وأساتذة جامعيين ورجال أعمال من أبناء الجالية.
لم يعد وجودهم يلفت الانتباه، لأنه أصبح جزءاً طبيعياً من المشهد العام.
لم يعودوا مضطرين لإثبات قدرتهم على النجاح، فقد أثبتوا ذلك منذ سنوات طويلة.
ثم جاء فصل جديد من الحكاية.
إنه فصل المشاركة في صناعة القرار.
فمع انتهاء الانتخابات التمهيدية في ميشيغن الأسبوع الفائت، لم يكن الحدث الحقيقي أسماء الفائزين الذين انتقلوا إلى المرحلة النهائية من السباق الانتخابي، ولا عدد الأصوات التي حصلوا عليها.
الحدث الحقيقي كان سؤالاً تغيّر.
لم يعد السؤال: هل يستطيع العربي الأميركي أن يصل؟
أصبح السؤال: من سيصل هذه المرة؟
وعندما يتغيّر السؤال، نعرف أن الحكاية كلها تغيّرت.
فالفرق بين السؤالين ليس مجرد كلمات، وإنما رحلة جهد ومثابرة امتدت لعقود. رحلة كتبها آباء وأمهات استيقظوا قبل شروق الشمس، وعادوا إلى بيوتهم بعد ساعات طويلة من العمل. رحلة عاشتها عائلات آمنت بأن الاستثمار الحقيقي لا يكون في المال وحده، وإنما في الإنسان وفي التعليم وفي بناء سمعة طيبة وفي احترام القانون والانتماء إلى المجتمع الذي اختاروه وطناً لهم.
ولهذا، لم يكن الحضور السياسي المتنامي لجاليتنا وليد لحظة انتخابية، وإنما نتيجة طبيعية لمسيرة طويلة من العمل والثقة والمشاركة.
الجالية التي بنت شركاتها ونجحت في أعمالها وأسست مؤسساتها، وقدمت أطباءها ومهندسيها ومعلّميها وحقوقييها، وصلت اليوم إلى مرحلة جديدة أصبحت فيها المشاركة في الحياة العامة جزءاً من مسؤوليتها، لا مجرد حق تمارسه كل بضع سنوات.
ففي كل انتخابات، يقف واحدنا أمام ورقة اقتراع ترسم جزءاً من حياته ومستقبله. فيها مستقبل أطفالنا ومدارسهم وجودة العيش في مددنا… الطرق التي نسلكها إلى العمل كل يوم… فيها الشرطي والإطفائي والمسعف… فيها عامل النظافة… وفيها السياسيات الاجتماعية والاقتصادية والشؤون الخارجية…
تمرّ المواسم الانتخابية، وتمضي الأيام، ويتأكد لنا في كل مرة أن نتائج الانتخابات تمس حياتنا بشكل مباشر. ومع ذلك، يردّد المتقاعسون دائماً: صوتنا لن يصنع فرقاً!
النتائج لا تفرّق بين من صوّت ومن بقي في منزله، والقرارات عندما تسري لا تسأل الناس إن كانوا قد شاركوا في اتخاذها. فهي ستُطبّق على الجميع.
لهذا، المشاركة في الانتخابات ليست عملاً سياسياً فقط، إنما هي إعلان عن الانتماء والمسؤولية.
فالمواطن لديه فرصة المشاركة في صنع القرار من خلال صوته، فلا يكون مجرد شاهد على مآلات وطنه، وإنما شريكاً في كتابتها.
اليوم، يحق للجالية العربية أن تنظر إلى هذه المرحلة بشيء من الاعتزاز، فقد وصل أبناؤها إلى مواقع متقدمة لم تكن واردة في أحلام الآباء المهاجرين. ولكنها جاءت ثمرة رحلة طويلة من العمل والجد في مختلف الميادين.
فالنجاح الحقيقي لا يُقاس بعدد المقاعد التشريعية والمناصب التنفيذية والقضائية، وإنما بقدرة الجالية على أن تصبح جزءاً لا يتجزأ من نسيج المجتمع: تؤثر فيه، وتتحمل مسؤوليتها تجاهه، وتحافظ في الوقت نفسه على خصوصيتها وقيمها.
قبل ثلاثين عاماً، كان الوصول هو الحلم. أما اليوم، فقد أصبح الوصول بداية المسؤولية.
فعندها يصبح السؤال: «ماذا سنقدم لمجتمعنا؟».
الحكاية ليست حكاية انتخابات وانتصارات غير مسبوقة… إنها حكاية جالية آمنت وصبرت فصنعت لنفسها مكانة نفخر بها جميعاً، ولكننا نشعر معها بمسؤولية متزايدة لترك أثر يليق بمسيرتها.






Leave a Reply