د. حكم أمهز
تحمل التطورات السياسة الخارجية الأميركية ملامح واضحة تشي بتحول يمكن وصفه بالتدريجي في نظرة واشنطن إلى الشرق الأوسط، إذ أن المنطقة لم تعد تمثل مركز الثقل الاستراتيجي كما كانت خلال العقود السابقة، من الحرب الباردة مروراً بحرب الخليج فغزو أفغاسنتان ثم العراق، وصولاً إلى تراجع الاعتماد الأميركي على نفط المنطقة وانتهاء بالواقع الحالي الذي أثبت أن كلفة البقاء الأميركي في الشرق الأوسط أكبر بكثير من فوائده.
غير أن هذا التحول لا يعني انسحاباً كاملاً، بل إعادة تعريف لطبيعة الانخراط الأميركي، بحيث تصبح الكلفة أقل والتدخل أكثر محدودية وارتباطاً بالمصالح المباشرة.
والسبب في ذلك يعود إلى الاخفاقات الاستراتيجية الأميركية وتراجع العائد السياسي والمصلحي. فخلال العقود الماضية، أنفقت الولايات المتحدة موارد عسكرية وسياسية ضخمة في الشرق الأوسط إضافة إلى تريليونات الدولارات، سعت من خلالها إلى تحقيق أهداف كبرى شملت دعم حل سياسي للقضية الفلسطينية (حلّ الدولتين)، إعادة بناء العراق من خلال غزوه، توسيع «نموذج» الديمقراطية الأميركية في المنطقة، واحتواء إيران عبر سياسات الضغوط القصوى.
إلا أن معظم هذه المشاريع الأميركية فشلت في تحقيق نتائج مستقرة أو مستدامة، ما دفع الإدارة الأميركية إلى إعادة تقييم جدوى الانخراط العميق في المنطقة.
هذا الإخفاق المتكرر عزّز قناعة داخل دوائر صنع القرار الأميركية بأن التدخلات الكبرى لا تتناسب مع العائد الاستراتيجي المتحقق، بل تتحول في كثير من الأحيان إلى أعباء طويلة الأمد.
على سبيل المثال، التحولات الطاقوية وتغير الأولويات العالمية، كانت عامل آخر أساسياً في هذا التحول، وقد تمثل ذلك في التغير الجذري في سوق الطاقة العالمية. فمع السعي العالمي إلى التحول نحو الطاقة البديلة تحولت الولايات المتحدة نفسها إلى أحد أكبر منتجي النفط والغاز في العالم، تراجع اعتمادها على نفط الشرق الأوسط، الذي كان لعقود أحد أهم مبررات الانخراط الأميركي في المنطقة.
،بالتوازي مع ذلك، كانت الولايات المتحدة تعيد ترتيب أولوياتها الاستراتيجية، مركزة بشكل أكبر على «المنافسة الوجودية على مستوى النفوذ الاقتصادي» مع الصين، والتوترات في أوروبا الشرقية (أوكرانيا)، والتنافس التكنولوجي العالمي. ويبدو واضحاً أن الإدارة الأميركية مع الرئيس ترامب، تنحو نحو الاهتمام بالقسم الغربي من الأرض، مستعيدة العمل بـ«عقيدة مونرو» القائمة على منع الصين وروسيا وأوروبا من التدخل في العالم الجديد وفق الرؤية التي انتهجها الرئيس الأميركي الأسبق جوزيف مونرو عام 1823. وقد ظهر ذلك جلياً، خلال العام الأول من عهد ترامب الثاني في محاولات السيطرة على كندا وغرينلاند وصولاً إلى اختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته وتهديد كوبا والمكسيك.
أيضاً ساهمت التحولات الداخلية في الولايات المتحدة في تقليص «شهية» التدخل الخارجي، إذ اصبح الرأي العام أكثر تحفظا تجاه الحروب الطويلة والتدخلات المكلفة، خصوصاً بعد ان تلطخت «سمعة» أميركا عالمياً جراء دعمها للإبادة الإسرائيلية الجماعية في غزة، وخوضها حرباً عدوانية ضد إيران لمصلحة الكيان الإسرائيلي أدت إلى انقسام عمودي في الولايات المتحدة حتى وصل الأمر بالكونغرس بفرعيه الشيوخ والنواب (وبتعاون غير مسبوق بين الجمهوريين للديمقراطيين)، إلى التصويت على قرارين يقيدان صلاحيات ترامب العسكرية ويدعوانه إلى سحب القوات الأميركية من هذه الحرب.
ونتيجة لذلك، اتجهت السياسة الأميركية إلى نموذج يمكن وصفه بالجديد يقوم على تقليل الانتشار العسكري المباشر(بحسب التصريحات الأميركية مؤخراً على لسان ترامب ووزير حربه بيت هيغسيث، ناهيك عن الاتفاق الإطاري الذي تم في مذكرة التفاهم الأميركية الإيرانية)، والاعتماد بدلاً من ذلك على قواعد محدودة، وقوات مرنة، وشبكات شراكة إقليمية.
ومع هذا النموذج يمكن القول إن هناك انتقالاً من «الهيمنة المباشرة» إلى «إدارة الوضع عن بعد» للمصالح الاستراتيجية في الشرق الأوسط.
لكن على الرغم من هذا التراجع النسبي، لا تزال للولايات المتحدة مصالح أساسية في الشرق الأوسط، تشمل تأمين الممرات البحرية (بدليل مضيق هرمز)، ومنع ظهور قوة إقليمية مهيمنة (إيران وتركيا وباكستان)، ومكافحة ما يسميه الأميركيون بـ«الإرهاب»، والحفاظ على استقرار النظام المالي العالمي المرتبط بالطاقة، إضافة إلى الالتزام بأمن الحلفاء الاقليميين، وعلى رأسهم كيان الاحتلال الإسرائيلي.
غير ان العدوان الأميركي الأخير على إيران أثبت أن الوجود الأميركي في المنطقة، ليس هدفه حماية الحلفاء العرب، بل فقط إسرائيل. فكل القدرات الأميركية وخصوصاً منظومات الدفاع الجوي في القوات الأميركية في المنطقة، سخرتها إدارة ترامب لحماية الكيان المحتل، وليس لحماية العرب.
وبالتالي، وبحسب التقديرات، فإن واشنطن لا تتجه إلى الانسحاب من المنطقة، بل إلى إعادة «ضبط مستوى التدخل» بحيث يظل مرتبطاً بالمصالح الحيوية فقط. فالحرب الأخيرة على إيران، هشمت وحطمت «الهيبة» الأميركية عالمياً، ولقّنتها درساً قاسياً حول سوء تقدير قدرات الغير مهما كانت الظروف.
ضمن هذا السياق، يبرز الجدل حول مكانة إسرائيل في «الاستراتيجية الأميركية الجديدة». فكيان الاحتلال كان خلال الحرب الباردة «قاعدة متقدمة» للنفوذ الأميركي وحليفاً عسكرياً واستخباراتياً محورياً. إلا أن تغير البيئة الدولية بعد نهاية هذه الحرب، وتراجع مركزية الشرق الأوسط، وصعود قضايا أخرى في جهات أخرى من الأرض، جعل البعض يرى أن أهمية إسرائيل النسبية قد تراجعت.
ويمكن الاستدلال على ذلك من توبيخ ترامب ونائبه جاي دي فانس، للقادة الإسرائيليين، وعلى رأسهم نتنياهو، والقول إن «إسرائيل حليف صغير لأميركا»، ولولا أميركا لمحيت إسرائيل من الوجود.
ومع ذلك، لا تزال إسرائيل تحتفظ بأهمية استراتيجية للولايات المتحدة، بفضل تفوقها التكنولوجي والعسكري، ودورها في مجالات الاستخبارات والدفاع السيبراني، اضافة إلى موقعها الجيوسياسي في موازنة القوى الإقليمية كــ«عصا تأديب».
وبناء عليه، لا يبدو أن خيار التخلي عنها مطروح حالياً، بل الأرجح، هو استمرار الشراكة ضمن إطار أقل ارتباطا بالهيمنة العسكرية المباشرة وأكثر اعتماداً على التعاون التقني والأمني. لكن النقاش في الداخل بدأ حول «مصير» هذه الشراكة ومدى استفادة الولايات المتحدة منها على ضوء الاكلاف التي تدفعها واشنطن مقابل هذه الشراكة.
بالنهاية، يمكن القول إن الولايات المتحدة لم تفقد مصالحها في الشرق الأوسط، لكنها تعيد تعريفها. فالمنطقة لم تعد «مركز الاستراتيجية الأميركية»، بل أصبحت ساحة ضمن شبكة أوسع من الأولويات العالمية، تتصدرها المنافسة مع الصين وإعادة تشكيل النظام الدولي. أما مستقبل الانخراط الأميركي، فيتجه نحو نموذج أكثر مرونة وأقل كلفة، يقوم على إدارة المصالح بدلاً من السيطرة المباشرة، وعلى الشراكات بدلاً من التدخلات الواسعة. وإذا ما طبقت إدارة ترامب مذكرة التفاهم مع إيران، سيكون ذلك أكبر دليل على حقيقة الواقع الاستراتيجي الجديد.






Leave a Reply