محمد العزير
شهد اليومان الأخيران من شهر تموز (ويلوي) الماضي، ظاهرة نادرة تلخص علاقة العربي بوطنه. خلال أقل من 24 ساعة تجمّع عشرات الآلاف من البشر حول مدينة سبتة، وهي جيب ساحلي تابع للسيادة الإسبانية على الأرض المغربية، وتمكن حوالي سبعين ألفاً منهم، من العبور براً وبحراً إلى المدينة التي لا تتجاوز مساحتها 18 كيلومتراً مربعاً، ويبلغ عدد سكانها حوالي 80 ألف نسمة، فيما نجحت قوات الأمن في منع آلاف آخرين من العبور إلى مدينة مليلة المشابهة والبعيدة بعض الشيء. بدا مشهد الزاحفين إلى سبتة كيوم الحشر، آلاف الناس من الرجال والنساء والأطفال يملأون الطرقات سيراً على الأقدام أو يسبحون نحو الشاطئ، وكأن المملكة المغربية كانت تلفظ أحشاءها الديموغرافية.
تعددت الروايات والتحليلات عن سبب هذه الموجة الجديدة العارمة من المهاجرين، التي اجتاحت سبتة، وغلبت عليها نظريات المؤامرة، فمن قائل بأن المحرك الأساسي لها يرتبط بالرغبة الإسرائيلية في الانتقام من حكومة مدريد بسبب مواقفها الرافضة للإبادة والاحتلال، إلى من يحمّل المسؤولية للحكومة الروسية التي دأبت على إستخدام موجات الهجرة غير النظامية للضغط على أوروبا، وإنعاش اليمين العنصري الذي يتغذى على الخوف من المهاجرين، إلى من يلقي اللّوم على عصابات تهريب المهاجرين ومنظمات الجريمة المنظمة، وصولاً إلى التهمة العامة لوسائل التواصل الاجتماعي التي تتداول أخباراً ومعلومات مغلوطة أو مضللة، فيما توقف البعض عند قرار حديث للقضاء الإسباني يمنح طالبي اللجوء هامشاً قانونياً للبت في طلباتهم وهم على الأرض الإسبانية، وهو ما جرى ترويجه على أنه دعوة مفتوحة للهجرة غير النظامية.
وعلى الرغم من نجاح السلطات الإسبانية والمغربية في إعادة الغالبية الساحقة من المهاجرين إلى الأراضي المغربية، لم يتوقف الاستثمار السياسي والإعلامي لموجة الهجرة الجديدة بطريقة تعزز النظريات التي أحاطت بها، وكان لافتاً أن من أوائل المعلّقين على القضية كان مندوب حكومة تل أبيب الفاشية لدى الأمم المتحدة، داني دانون، الذي تساءل في مداخلة له عبر التواصل الاجتماعي عن سبب احتفاظ إسبانيا «التي تواصل محاضراتها لإسرائيل» بجيوب استعمارية في أفريقيا، فيما سجلت مواقع التتبع السيبراني مساهمة إسرائيلية كبيرة جداً في تضخيم ما جرى في سبتة وبث مقاطع فيديو مولّدة بالذكاء الإصطناعي تظهر مشاهد عنف وفوضى، كذلك سارعت الأحزاب اليمينية العنصرية الحاكمة في إيطاليا وفنلندا والدانمرك إلى المطالبة بإخراج اسبانيا من اتفاقية «شنغن» التي تتيح لحاملي التأشيرة إلى أية دولة أوروبية بالدخول إلى كل دول الاتحاد الأوروبي، كذلك استغل البيت الأبيض ووسائل الإعلام المؤيدة له للتخويف من المهاجرين والتأكيد على «صوابية» سياسات الهجرة للرئيس دونالد ترامب.
مهما تكن المسببات أو الاستثمارات في موجة الهجرة المغربية، يبقى السؤال الأهم: كيف يمكن لأي كان أن ينجح في حشد عشرات آلاف الناس في بقعة جغرافية صغيرة في منطقة شبه ريفية، وأن يحركهم في توقيت محدد لاجتياز حدود محمية؟ والسؤال المتصل بذلك هو: ما الذي يدفع الناس إلى المخاطرة بحياتها وحياة أطفالها للقفز نحو المجهول؟ (بلغ عدد القتلى الذين قضى معظمهم غرقاً وهم يحاولون السباحة إلى سبتة 72 شخصاً). والسؤال الثاني ينطبق بلا شك على المهاجرين الذين يركبون البحر على متن قوارب مطاطية أو سفن غير قانونية للوصول إلى شواطئ أوروبا، والذين بلغ عدد ضحاياهم خلال السنوات العشر الأخيرة أكثر من 33 ألفاً، وفق إحصائيات المنظمة الدولية للهجرة IOM، فيما تشير المفوضية العليا للاجئين في الأمم المتحدة UNHCR إلى أن عدد الضحايا أكبر من ذلك بكثير، لأن سفناً وقوارب غرقت بالكامل واختفت آثارها دون التبليغ عنها بسبب عدم وجود أي رصد رسمي لها.
في ظل غياب أي جواب أكيد لكلا السؤالين، يمكن تغيير صيغتهما للإضاءة على الوجه الآخر للمسألة وهو عن علاقة الإنسان العربي بوطنه، خصوصاً وأن العرب هم النسبة الأكبر من المهاجرين غير النظاميين، وإذا كانت الهجرات من بلدان مزقتها الحروب الإقليمية والنزاعات الأهلية مفهومة أو مبررة، فما الداعي لذلك في دولة مثل المغرب وهي مستقرة أمنياً وتشهد نمواً اقتصادياً وإنتاجياً ملحوظين، لا سيما وأن المهاجرين في معظمهم ليسوا من المعدمين مالياً، بل يدفعون مبالغ طائلة للعصابات طلباً للهجرة (يتراوح المبلغ الذي يتقاضاه المهربون عن كل شخص بين 3,000 و10,000 دولار للوصول إلى السواحل الأوروبية)، وما الذي يجعل عائلة بكاملها تترك أرضها وتبيع بيتها وتحمل أولادها إلى مجتمع آخر ليس فيه أكثر من فرص عمل يدوية أو متعبة (معظمها غير نظامي)، ودون أية ضمانات قانونية أو مستقبلية، ووسط أجواء عنصرية أمست أكثر وضوحاً؟
الجواب المبدئي على ذلك، هو أن لا أفق مفتوحاً في الوطن الأم، ولا مستقبل ولا أمل، ولذلك، تحوّلت الهجرة إلى المشروع الوحيد القابل للتحقيق وبأي ثمن. والحال أنه باستثناء دول الخليج، هناك إجماع عربي على السعي للهجرة، نظامية كانت أو غير نظامية. وإذا كان الوجه الأول لهذه المعادلة يتمثل في فشل النخب الحاكمة وملحقاتها الدينية والاقتصادية في خلق مناخٍ مؤات للاستقرار والتقدم واستيعاب كافة فئات المجتمع أو مواكبة العصر، والاستعاضة عن ذلك بقبضة أمنية مشددة تحرسها محاصصات طائفية ومناطقية وفئوية منضبطة الإيقاع، ومفاهيم بدائية للانتماء والولاء، فإن الوجه الآخر يتمثل في يأس المواطن من إمكانية التغيير، واتخاذه موقفاً سلبياً ثابتاً من الشأن العام، والاكتفاء بالتأفّف والتذمّر من الأوضاع التي يشارك في صناعتها والاستفادة منها عندما تتاح له الفرص.
ثمة عوامل أخرى عديدة تجعل من الهجرة أكثر جاذبية، أبرزها الأوهام الشائعة عن الأحوال المعيشية والتشغيلية والمالية في أوروبا وأميركا، والتي يساهم الكثير من المهاجرين في ترويجها على نحو مبالغ فيه، إن لم يكن زائفاً تماماً، وهذه المقاربة تخفي وراءها حقيقة الثمن الاجتماعي والقانوني الذي تدفعه العائلات المهاجرة التي تسعى إلى إبقاء متاعبها القانونية والمسلكية طي الكتمان، خوفاً من الشماتة! وهناك أيضاً الذين كوّنوا ثرواتهم من الأعمال المشبوهة أو غير القانونية، والذين يعود العديد منهم إلى بلدانهم، حيث لا أحد يسأل من أين لك هذا؟ ليمعنوا في التباهي بما حققوه، ويزيدون من شغف الأقارب والجيران والمعارف بالهجرة كحل سحري لكل المشاكل، إلى درجة تؤدي إلى اختراع مشاكل مفترضة لتبرير السعي إلى الهجرة.
هكذا يتحول «الوطن» إلى مدرج أو رصيف نحو بلدان أخرى، ويجري تحميل الإنتماء في حقيبة تنتظر أول فرصة للمغادرة، ويصبح المواطن مسافراً على لائحة الانتظار، ينطلق إلى المجهول عند تلقيه الإشارة المنتظرة لتسقط مقولة محمود دروش:
وطني ليس حقيبة
وانا لست مسافر
ويحل محلها قول المتنبي:
فَما حاوَلتُ في أَرضٍ مُقاماً
وَلا أَزمَعتُ عَن أَرضٍ زَوالا
عَلى قَلَقٍ كَأَنَّ الريحَ تَحتي
أُوَجِّهُها جَنوباً أَو شَمالا.
هكذا تتبدد آخر أواصر العلاقة بين الإنسان وأرضه وتتحول كل الشعارات والمرويات الوطنية والأناشيد إلى كلام لا معنى فعلياً له، ويصبح من السهل جداً جمع الآلاف في بقعة صغيرة على وهم الغد الأفضل في المجهول، أو سراب الثراء والرخاء في الغربة، وهكذا تتحول الهجرة إلى نزوة تحكمها متطلبات الإدمان أكثر مما تتطلبها الظروف الحقيقية الداعية إليها.






Leave a Reply