سان دييغو
في جريمة كراهية موصوفة كادت أن تتحوّل إلى مجزرة مروّعة بحقّ عشرات الأطفال المسلمين في جنوب ولاية كاليفورنيا، شهد «المركز الإسلامي في سان دييغو»، صباح الاثنين الماضي، مقتل ثلاثة أشخاص بينهم حارس أمن تصدى ببسالة للهجوم الذي استهدف مدرسة «الراشد» الملحقة بالمركز، قبل أن يتم العثور لاحقاً على جثّتَي منفّذَي الهجوم بعد إقدامهما على الانتحار، لترتفع حصيلة القتلى إلى خمسة.
الهجوم الذي وصفته الشرطة بأنه «جريمة كراهية إلى أن يثبت العكس»، وقع حوالي الساعة 11:43 صباحاً في حي كليرمونت بمدينة سان دييغو، حيث يقع المركز الإسلامي الذي يُوصف بأنه أحد أكبر المساجد في جنوب كاليفورنيا.
وأوضح قائد الشرطة المحلية، سكوت وال، أنه مع ورود البلاغ الأول وصل عناصر الشرطة إلى المكان خلال أربع دقائق ليعثروا على جثث ثلاثة رجال، بينهم حارس الأمن، أمين عبدالله، الذي ضحى بنفسه لحماية أطفال المدرسة الإسلامية، وفقاً للمسؤولين.
وسارعت السلطات إلى إغلاق خمس مدارس في المنطقة، وأُخليت مدرسة «الراشد» التابعة لـ«المركز الإسلامي في سان دييغو» دون إصابات بين الطلاب، فيما شوهد انتشار كثيف للشرطة وقوات التدخل السريع والإسعاف للمساعدة في إجلاء الأطفال من المدارس المحيطة وسط حالة من الذعر.
أما المشتبه بهما، وكلاهما مراهقان بحسب مكتب التحقيقات الفدرالي (أف بي آي)، فقد عُثر على جثتيهما في غضون دقائق، داخل سيارة متوقفة وسط الطريق بعد إطلاق النار على نفسيهما. وتبين أن منفّذَي الهجوم هما كاين كلارك (17 عاماً) وكايلب فاسكيز (18 عاماً) ويعتقد المحققون أنهما التقيا عبر الإنترنت، وتعرّضا للأفكار المتطرفة من خلال الفضاءات الرقمية.
وفي بث مباشر عبر الفيديو تم الكشف عنه يوم الخميس المنصرم، بدا فاسكيز وهو يحثّ شريكه على إطلاق النار على رأسه وهما جالسان في سيارة «بي أم دبليو» بيضاء اللون، وهي السيارة التي استخدماها للفرار من المركز الإسلامي.
وقد التُقطت هذه المشاهد بواسطة كاميرا وضعها الاثنان على لوحة القيادة في السيارة بينما كانت متوقفة.
وفي عدة لقطات ضمن مقطع البث المباشر، يظهر فاسكيز وهو يمسك بسبطانة بندقية كلارك ويوجهها نحو جبهته، علماً بأن مقطع الفيديو المتداول كان خالياً من الصوت.
وفي اللحظات الأخيرة، تنحرف زاوية الكاميرا لتُظهر كلارك وحده – وهو جالس في مقعد السائق – حيث يستخدم مسدسه ليطلق رصاصتين على رأس فاسكيز، ثم يوجه السلاح نحو نفسه.
وعثرت الشرطة داخل سيارتهما على كتابات معادية للإسلام ورسائل تحض على الكراهية والتفوق العرقي.
بطولة حارس الأمن
منذ إماطة اللثام عن تفاصيل الهجوم، لم تتوقف الإشادات بالدور البطولي لحارس المسجد الذي فدى أطفال المدرسة الإسلامية من الرصاص بجسده، وهو أب لثمانية أطفال.
وتشير التقارير وبيان أصدرته الشرطة إلى أن الهجوم الذي وقع قُبيل الظهيرة – بينما كان الطلاب في وقت فسحتهم يلعبون في ساحة المدرسة – كان يمكن أن يتسبب في مجزرة مروّعة لولا تصدي الحارس أمين عبدالله للمهاجمين.
ووفق ما نشره أئمة عدة، من بينهم الإمام عمر سليمان، فإن أمين عبدالله، رجل إفريقي أميركي اعتنق الإسلام، وعمل حارساً للمسجد منذ سنوات طويلة. وشهد له إمام آخر هو الشيخ عثمان بالاستقامة، قائلاً إنه كان صديقاً له منذ أكثر من 20 عاماً، وقد أدّيا العمرة سوياً.
وتشير تقارير الصحافة الأميركية إلى أن عبدالله لاحظ المهاجمين قبل وصولهما إلى بوابة المركز الإسلامي، فوجه بإغلاق بوابات المركز وتصدى لهما حتى قتل. ووفق شهود عيان، فقد كان العشرات من أطفال المدرسة الإسلامية يلعبون في ساحتها العامة عندما بدأ الهجوم، وخلال اشتباك عبدالله مع المهاجمين، تمكن طاقم المدرسة من إدخال الطلاب إلى المباني للاحتماء والنجاة بحياتهم.
ويشير شهود عيان إلى أن حارس المسجد سقط شهيداً خارج المدخل الرئيسي للمركز الإسلامي، ووجدت الشرطة جثته هناك عند وصولها.
وأكدت الشرطة أن تحرك عبدالله وتصدّيه للمهاجمَين «أنقذ أرواحاً كثيرة من دون شك»، ومنع حدوث مجزرة أوسع في المركز الإسلامي. كما قال الإمام عمر سليمان – في تغريدة على منصة «أكس» – إن أمين قام بدور جوهري في منع المهاجمَين من الوصول إلى أطفال المدرسة.
ووصفه قائد شرطة سان دييغو، سكوت وال، بأنه «بطل»، مؤكداً أن أفعاله كانت بطولية. كما وصفته شخصيات من الجالية المسلمة في المدينة بالشجاعة والشهامة.
وفي السياق، أطلق ناشطون حملة لجمع التبرعات لعائلة حارس الأمن، وفاء له وامتناناً لعمله البطولي. كما أعلن «المركز الإسلامي في سان دييغو» تأسيس صندوق رسمي لدعم عائلات ضحايا الهجوم الذي تعرض له المركز، ومن ضمنهم عائلة عبدالله.
ووصل حجم التبرعات إلى أكثر من مليون دولار في غضون اليوم التالي من الهجوم.
وعبر وسائل التواصل الاجتماعي، نشر عديد من متابعي صفحة عبدالله على «فيسبوك» آخر تدوينة له، إذ تمنى فيها «حسن الخاتمة، وأن يلقى الله بلا ذنوب كما ولدته أمه».
وجاء في المنشور: «ما النجاح؟ بالنسبة لكثير من الناس، النجاح هو الاستقرار المالي والسمعة الطيبة والجمال، إلخ.. أما بالنسبة لي، فوالله ثم والله إن النجاح هو العودة إلى الله خالقنا بنفس الروح النقية التي أعارني إياها عند الولادة. وأن تقول لي ملائكة الله تعالى: {ألّا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون}. اللهم ارزقنا حسن الخاتمة، آمين».
ويُعدّ «المركز الإسلامي في سان دييغو» أكبر مسجد في مقاطعة سان دييغو، وهو مؤسسة دينية واجتماعية بارزة تقدم خدمات تعليمية ودورات في اللغة العربية والدراسات الإسلامية، ويضم مدرسة «الراشد» التي تُقدّم دورات في اللغة العربية والدراسات الإسلامية والقرآن الكريم للطلاب من سن الخامسة فما فوق.
ويؤكد «المركز الإسلامي في سان دييغو» عبر موقعه على الإنترنت أن رسالته لا تقتصر على خدمة المسلمين فحسب، بل تشمل خدمة المجتمع الأوسع والتعاون مع مختلف الأديان في قضايا اجتماعية.







Leave a Reply