ديترويت
ندّدت فعاليات دينية وسياسية وحقوقية في منطقة ديترويت بالهجوم الإرهابي الذي استهدف «المركز الإسلامي في مدينة سان دييغو»، الاثنين الفائت، حيث اعتبر الأئمة المسلمون والنشطاء المحليون، الحادثة المروّعة مؤشراً جديداً على تصاعد الإسلاموفوبيا وخطاب الكراهية المغذّى سياسياً، فيما بادرت بعض دوائر الشرطة المحلية في المجتمعات ذات الأغلبية الإسلامية إلى تكثيف إجراءاتها الأمنية لحماية المساجد والمؤسسات الدينية عشية عيد الأضحى المبارك.
وفي الإطار، عقد «مجلس الأئمة بميشيغن»، مؤتمراً صحفياً، الأربعاء الماضي، في مقرّ «معهد الدعوة» بمدينة ديترويت بحضور قادة دينيين وشخصيات سياسية وحقوقية، من بينهم المرشح الديمقراطي لمجلس الشيوخ الأميركي عبدول السيد، للتعبير عن تضامنهم مع المجتمع الإسلامي في ولاية كاليفورنيا، مسلطين الضوء على خطورة الخطاب السياسي والإعلامي التحريضي في إذكاء مشاعر العداء ضد المسلمين الأميركيين على خلفية الاضطرابات المتصاعدة في منطقة الشرق الأوسط.
وفيما أوضح الرئيس المشارك في «مجلس الأئمة بميشيغن»، الشيخ ستيف الترك، بأن أي هجوم يستهدف داراً للعبادة يُعدّ هجوماً على «القيم الجوهرية المتمثلة في الحرية الدينية والكرامة الإنسانية والتعايش السلمي»، حذر الرئيس المشارك في المجلس، الشيخ محمد علي إلهي، من أن هذه المأساة الجديدة تأتي في سياق موجة متصاعدة من الإسلاموفوبيا وخطاب الكراهية، وهو «خطاب عمدت شخصيات سياسية معيّنة إلى استغلاله وتحويله إلى سلاح»، وفق تعبيره.
من جانبه، قال المؤسس والمدير التنفيذي لـ«معهد الدعوة» الشيخ أيهم مشمشاني: «أرغب حقاً ألا أشعر بأنني مستهدف بسبب مشاعري، أو بسبب مظهري الخارجي، أو بسبب عقيدتي وإيماني، لذا، نعم، هناك قلق كبير يساورنا، ونأمل أن تقوم السلطات، وأجهزة إنفاذ القانون، بمساعدتنا في تأمين هذا الموقع»، مشيراً إلى أنه بادر إلى الاتصال بشرطة ديترويت لتعزيز الإجراءات الأمنية، لكنه لم يتلق أي رد حتى ذلك الوقت.
السيد علي الجعفري، وهو باحث في «مركز زينبية بميشيغن» في بلدة كوميروس، وصف منفذي الهجوم بأنهما «ضحيتان لنظام يروج لخطاب الكراهية ومعاداة الإسلام في أميركا، وهو خطاب دأب على ترسيخه بعض السياسيين ووسائل الإعلام»، مشيراً إلى أن الولايات المتحدة قد قصّرت في بعض الأحيان عن بلوغ أهدافها الدستورية الرامية إلى تحقيق السكينة الداخلية والعدالة للمواطنين الأميركيين.
وأكد الجعفري بأن «زرع بذور الشقاق والانقسام يُعد إساءة بالغة للمواطنين في هذا البلد»، معرباً عن تطلعه إلى توحد الأمة الأميركية، «وذلك بغض النظر عن ألواننا، أو خلفياتنا الثقافية، أو أعراقنا، أو معتقداتنا الدينية».
وحذر المدير التنفيذي لـ«المجلس الأميركي لحقوق الإنسان»، عماد حمد، من أن توالي حوادث إطلاق النار الجماعي والهجمات الإرهابية المحلية يثبت بأن الكراهية والعنف لا يفرقان بين الهويات، مؤكداً بأن الشحن السياسي والعنصري الموجه ضد المسلمين في الولايات المتحدة يخلق بيئة خصبة للعنف ضد الإسلام، وهو «أمر مقيت وغير أميركي ومرفوض تماماً».
وشدّد حمد على أن هذا التهديد المتنامي يمثل «تحدّياً وطنياً خطيراً يستدعي اهتماماً عاجلاً عبر التخطيط الاستباقي والتعاون المستمر والمشترك بين أجهزة إنفاذ القانون والمجتمعات المحلية التي تقوم على خدمتها».
وشجب السيد، الهجوم على «المركز الإسلامي في مدينة سان دييغو»، ووصفه بأنه جزء من موجة متجددة من ظاهرة الإسلاموفوبيا الصارخة، متسائلاً عن طبيعة الأيديولوجيا التي تشبّع بها المهاجمان اليافعان، والتي قادتهما إلى إطلاق النار على المسجد ثم إنهاء حياتهما.
وقال السيد: «للكلمات عواقب، ولا أعرف بالتحديد ما الذي تعرض له هذان الشابان، ولكن من المؤكد أن أياً كان ذلك الشيء، فقد تم غرسه بعمق في عقولهما، ليُلقّنهما مشاعر الكراهية الشديدة، مما جعلهما يمنحان أنفسهما الحق في ارتكاب أعمال عنف ضد الناس لمجرد اختلاف طريقتهم في العبادة».
وتابع المرشح الديمقراطي لعضوية مجلس الشيوخ الأميركي عن ميشيغن قائلاً: «هناك فرصة لتبني نهج سياسي يُدرك أنه بغض النظر عن كيفية عبادتك، وإذا كنت تدعو الله من أجل تحقيق ما نحتاجه ونستحقه، فإننا لن نتمكن من نيل تلك الغايات، إلا إذا تكاتفنا معاً لبنائها وتحقيقها».
تعزيزات أمنية
في أعقاب الهجوم على المركز الإسلامي بمدينة سان دييغو، باشرت بعض دوائر الشرطة في تكثيف دورياتها في محيط المساجد والمراكز الدينية في المجتمعات ذات الكثافة الإسلامية، مثل ديربورن وديربورن هايتس وهامترامك، في خطوة احترازية لتطويق أية تداعيات محتملة أو تهديدات أمنية تستهدف دور العبادة.
وعلى سبيل المثال، خصصت شرطة ديربورن هايتس دورية أمام «المنتدى الإسلامي» لإشعار المصلين بالأمان والطمأنينة، بحسب قائد الشرطة مايكل غوزوفسكي الذي أوضح بأن دائرته عملت على نشر المزيد من الضباط، وكذلك تخصيص دوريات محددة، لتعزيز الأمن في محيط المراكز الدينية.
وتظهر الوقائع الميدانية بأن الاعتداءات على المجتمعات الإسلامية لا تأتي كأحداث معزولة، بقدر ما تولد وتترافق مع موجات موازية ومباشرة من خطاب الكراهية والتهديدات الصريحة ضد المسلمين الأميركيين ومؤسساتهم، وهو ما حصل بالفعل خلال زيارة الناشط اليميني المتطرف جيك لانغ إلى منطقة ديترويت في 10 و11 مايو الجاري، والذي أقدم على التحرش بمجتمع المسلمين الأميركيين في مدينة هامترامك، قبل أن يقوم بحرق نسخة من المصحف الشريف أمام «المركز الإسلامي في أميركا» بمدينة ديربورن.
وعقب التقرير الذي نشرته «صدى الوطن» حول الزيارة العدائية، قام أحد المتصفحين بكتابة تعليق عنصري يحرض صراحة على العنف وحرق المساجد والمصاحف، مما استدعى إدارة الصحيفة إلى التواصل الفوري مع شرطة ديربورن التي نجحت خلال أقل من ثلاثين دقيقة في تحديد هوية المتصفح ومكان إقامته في مدينة ساوثغيت، والذي ما يزال محتجزاً بانتظار صدور التهم بحقه.
تحريض ضد المسلمين
وكتب المتصفح الذي تتحفظ «صدى الوطن» عن ذكر هويته: «نحن بحاجة إلى حرق المزيد من المصاحف غير المقدسة والبدء في إحراق المساجد. هؤلاء الناس يأتون للسيطرة وليس للاندماج. انظروا كيف سيطروا على هامترامك. لقد طردوا حرفياً جميع البولنديين من خلال المضايقات المستمرة. عندما كنت طفلاً، كانت عائلتي تذهب إلى هامترامك للحصول على المعجنات البولندية (بانشكي) حتى سيطر عليها هؤلاء الأشخاص المنتنون من خلال أعمال عدائية. وبدلاً من رائحة معجنات البانشكي، نشمّ الآن رائحة الكاري المقرفة. إنهم يأتون إلى هنا ويحاولون إجبارنا على الاستماع إلى دعواتهم الشنيعة للصلاة (الأذان) وفرض الشريعة على أرضنا الأميركية. المساجد قبيحة للغاية. لقد حان الوقت لإجبارهم على الخروج من بلادنا بأية وسيلة كانت، بدءاً من ديربورن وهامترامك. وكذلك إسقاط الجنسية عنهم وترحيلهم في الحال، إنهم العدو في الداخل».
وعلى غرار هذه الحادثة، كتبت المعلقة الإعلامية والناشطة اليمينية المتطرفة، لورا لومر، على حسابها بمنصة «أكس» في أعقاب الهجوم على «المركز الإسلامي في سان دييغو»، ما يلي: «في ضوء حادثة إطلاق النار على المركز الإسلامي اليوم، أعتقد أن الوقت قد حان للتأكد من أن المسلمين آمنون. إن أفضل طريقة لضمان سلامتهم هي أن يقوم وزير الأمن الداخلي لدينا، ماركواين مولين، بترحيل كل مسلم في أميركا وإعادتهم إلى الشرق الأوسط حيث يمكنهم العيش في مجتمعات إسلامية بالكامل وإطلاق أذانهم دون أن يتسببوا في إدخال الأميركيين في حالة ذهان كأثر جانبي لتعرض بيئاتهم غير الإسلامية للاضطراب بسبب كائنات غازية».
وأضافت: «دعونا نتأكد من أن المسلمين آمنون. أرسلوهم مجدداً إلى الشرق الأوسط حيث يوجد مسجد في كل زاوية».
مطالبات بإعادة منح الأمن
في سياق الحراك الحقوقي والقانوني المتزامن مع تداعيات الهجوم، دخل «مجلس العلاقات الأميركية الإسلامية» (كير) على خط الأزمة عبر توجيه رسالة رسمية عاجلة إلى وزير الأمن الداخلي الأميركي، ماركواين مولين، يحثه فيها على اتخاذ إجراءات فورية داخل الوزارة، وكذلك داخل الوكالة الفدرالية لإدارة الطوارئ (فيما)، لاستئناف «برنامج منح الأمن للمنظمات غير الربحية» بغرض تعزيز حماية المجتمعات والمؤسسات الإسلامية، في ظلّ تصاعد الإسلاموفوبيا.
وحذّرت رسالة «كير» من خطورة استمرار حرمان المساجد والمدارس والمراكز الإسلامية من فرص تعزيز أمنها على غرار الجماعات الدينية الأخرى، مطالبة وزارة الأمن الداخلي بمعالجة التقارير التي تفيد بأن المنظمات الإسلامية مُنعت سابقاً من الحصول على فرص متساوية في برامج التمويل الأمني الفدرالية، حيث تم فرض قيود على حرية التعبير على من يتلقون تلك الأموال.
كما لفتت الرسالة إلى التقارير التي تفيد بأن وزارة الأمن الداخلي أوقفت سابقاً منحاً أمنية مؤقتة، وناقشت مقترحات لحظر شامل على المنظمات الإسلامية من الحصول على المنح، قبل أن تقوم لاحقاً بسحب التمويل من عشرات المنظمات الإسلامية مستخدمةً ادعاءات غامضة ومغرضة من ترويج جماعة «منتدى الشرق الأوسط» المعادية للمسلمين، وذلك عند مراجعة طلبات المنظمات الإسلامية للحصول على المنح الأمنية.
وأثارت الرسالة مخاوف إضافية بشأن شروط منح وزارة الأمن الداخلي التي تُقيّد أنشطة المناصرة المحمية دستورياً، بما في ذلك بنود تحظر المشاركة فيما يُسمى «المقاطعات التمييزية المحظورة»، وهي عبارة تُحذّر المنظمات الإسلامية والمنظمات الحقوقية من إمكانية استخدامها لاستهداف أنشطة المناصرة المحمية المتعلقة بحقوق الشعب الفلسطيني.







Leave a Reply