ديربورن
تواجه مدينة ديربورن ورئيس بلديتها عبدالله حمود، دعوى فدرالية رفعتها إحدى سكان المدينة بزعم استخدام المال العام للترويج للمناسبات الإسلامية وتجاهل الأعياد المسيحية واليهودية، وهو ما نفاه حمود جملة وتفصيلاً، مؤكداً التزام إدارته الراسخ بمعاملة جميع السكان بعدل وإنصاف بغض النظر عن خلفيتهم الدينية أو الإثنية.
ورفع الدعوى «مركز الحرية القانوني الأميركي» AFLC أمام المحكمة الفدرالية في ديترويت يوم الخميس ١٧ أيلول سبتمبر الجاري، بالنيابة عن الكاتبة والصحفية اليمينية في منصّة «ذا فيدارليست» الإلكترونية، مارغوت كليفلاند.
وتتهم الدعوى، بلدية ديربورن بانتهاك أحكام الدستور الأميركي، وتحديداً التعديلين الأول والرابع عشر، مطالبة القضاء الفدرالي بإصدار حكم يقرر عدم دستورية الممارسات محل النزاع وإلزام المدينة بالامتثال للدستور ودفع تعويضات لم تحدد قيمتها.
وبحسب الدعوى، تقدّمت كليفلاند، وهي ناشطة كاثوليكية محافظة، بطلبات إلى مسؤولي البلدية لاحترام الأعياد الدينية الأخرى، إلا أن طلباتها قوبلت بالتجاهل المتكرر، وفقاً لمحامي مركز AFLC الذي سبق له أن دخل في نزاع قانوني مع بلدية ديربورن إبان عهد رئيس البلدية الراحل جاك أورايلي.
وتؤكّد كليفلاند، وفق نص الدعوى، أنها لم تطلب من المدينة التوقف عن الاحتفال بالمناسبات الإسلامية، وإنما طالبت بمعاملة الأعياد المسيحية واليهودية بصورة مماثلة.
وتزعم الدعوى بأن المسؤولين المحليين أنفقوا أموالاً عامة للترويج لشهر رمضان والاحتفال به، بينما رفضوا بشكل متكرر تلبية طلبات كليفلاند بمنح التقدير نفسه لعيد القيامة المسيحي وعيد الفصح اليهودي.
وجاء في الدعوى أن رئيس البلدية ومسؤولين آخرين في المدينة «انتقموا» لاحقاً من كليفلاند لإثارتها هذه القضية، دون توضيح طبيعة هذا الانتقام المزعوم.
وتشير الدعوى إلى أن مظاهر الاحتفال برمضان توسّعت خلال السنوات الماضية، مشيرة إلى إضافة مظاهر احتفالية جديدة في عام ٢٠٢٥، بينها إضاءات على شكل الهلال والنجمة على أعمدة الإنارة التابعة للمدينة.
وقالت الدعوى إن البلدية أنفقت في نيسان أبريل ٢٠٢٥، نحو ٦,٥٠٠ دولار من أموال دافعي الضرائب على نصب لافتات رمضانية ومجسم ضخم للهلال في أحد منتزهات المدينة، من بينها ١,٥٠٠ دولار أُنفقت على لافتات مضيئة بعبارة «رمضان كريم» و٥,٠٠٠ آلاف دولار لنصب هلال مضيء، فضلاً عن قيام شرطة المدينة بإنتاج وبيع قمصان بطابع رمضاني تحمل شعار الدائرة.
وأردفت الدعوى أن ديربورن خالفت التعديل الأول من الدستور الأميركي، عبر خرق «بند التأسيس»، الذي يمنع الهيئات الحكومية من إنفاق الأموال العامة لترويج أو تفضيل دين معين على غيره، إلى جانب انتهاك بند «الحماية المتساوية» المنصوص عليه في التعديل الرابع عشر، لامتناع االبلدية عن معاملة أبناء باقي الأديان والمكونات على قدم المساواة، وفقاً لمزاعم الدعوى.
وأشارت الدعوى إلى أن كليفلاند حاولت مراراً طرح القضية أمام المجلس البلدي والمطالبة بتخصيص تمويل للاحتفال بالمناسبات المسيحية واليهودية، وذلك إما عبر مداخلاتها الشخصية خلال الاجتماعات العامة أو من خلال رسائل بريدية أبرقتها لجميع أعضاء المجلس.
وتضيف الدعوى بأن محامي المدينة، وبطلب من رئيس البلدية، وجّه أعضاء المجلس بعدم التواصل مع كليفلاند، وأن المجلس البلدي امتنع عن تخصيص أية أموال لعيد القيامة المسيحي رغم وجود فائض مالي لدى المدينة.
البلدية تفنّد المزاعم
ردّت بلدية ديربورن على دعوى كليفلاند، في بيان أصدرته يوم السبت المنصرم، وجاء فيه أن «المدينة تلتزم التزاماً راسخاً بخدمة جميع السكان بنزاهة وعدل، بغض النظر عن أديانهم وخلفياتهم الإثنية والاجتماعية»، لافتة إلى أن المدينة «تتعرض لهجمات متزايدة بسبب طبيعتها الترحيبية وتنوّع سكانها الذين يفخرون بأن ديربورن موطنهم».
وأضاف بأن هذه الهجمات «لن تغيّر هوية المدينة»، متعهداً بصون حقوق وكرامة كل مقيم، ومعاملة جميع السكان بإنصاف واحترام وحماية متساوية بموجب القانون.
وبينما تزعم الدعوى بأن ديربورن تنفق على المناسبات الإسلامية أكثر مما تنفقه على المناسبات المسيحية أو اليهودية، كشف مسؤولون في البلدية لـ«صدى الوطن» أن المدينة أنفقت خلال العامين الأخيرين نحو ٤٠٠ ألف دولار على زينة أعياد الميلاد ورأس السنة، بما فيها الإنارة ومعداتها وصيانتها وشجرة الميلاد ونصب مهد السيد المسيح. وفي المقابل، لم تنفق البلدية على زينة شهر رمضان أكثر من ٦,٥٠٠ دولار خلال الفترة نفسها، من ضمنها لافتات قابلة لإعادة الاستخدام.
وفي حين يرحّب السكان المسلمون بإحياء الاحتفالات المسيحية في ديربورن، تتعرض المدينة ذات الأغلبية الإسلامية لحملات تشوية ممنهجة تحاول تصويرها كبؤرة تطرف معادية للمسيحيين، رغم احتضانها للعديد من الفعاليات الخاصة بهم، مثل نصب الزينة وشجرة الميلاد المجيد، وفعالية جمع بيض الفصح للأطفال، وتجديد مجسّم مهد المسيح الذي ينصب أمام مبنى البلدية القديم في شرق المدينة، ذات الكثافة الإسلامية.
وتضمّ ديربورن أكثر من ٣٠ كنيسة مقابل ١٢ مسجداً، وهو ما ينفي ادعاءات تطبيق الشريعة الإسلامية في المدينة التي يقطنها حوالي ١٠٦ آلاف نسمة، يشكل العرب والمسلمون زهاء ٥٥ بالمئة منهم، وفق الإحصائيات الرسمية.
حملة تحريض مستمرة
الدعوى الجديدة التي تتهم بلدية ديربورن بالانحياز للسكان المسلمين، تأتي في سياق جهود مستمرة لشيطنة المدينة وتصوير بلديتها كجهة معادية لغير المسلمين.
وأشارت دعوى كليفلاند إلى أن ديربوررن سبق وأن واجهت عقوبات قانونية بسبب انحيازها المزعوم، مستشهدة بقضايا تعود لإدارة رئيس البلدية الراحل جاك أورايلي، مثل منع توزيع منشورات تبشيرية مسيحية في المهرجان العربي الأميركي عام ٢٠٠٩، وإلزام المدينة بالاعتذار ودفع تعويضات بقيمة ٣٠٠ ألف دولار لتسوية اتهامات باحتجاز مبشرين مسيحيين دون مبرر قانوني في عام ٢٠١٠.
وقال روبرت مويس، المؤسس المشارك وكبير المستشارين القانونيين في «مركز الحرية القانوني الأميركي»، عبر بيان: «لقد أنفقت بلدية ديربورن أموال دافعي الضرائب لإضاءة شوارعها وحدائقها خلال شهر رمضان، بينما تجاهلت ببساطة، مطالبة إحدى سكانها بمعاملة عيد القيامة المسيحي وعيد الفصح اليهودي وغيرهما من الأعياد المسيحية واليهودية الأخرى على قدم المساواة».
وفي محاولة لاستثمار حملة التشويه المستمرة ضد ديربورن، استشهدت الدعوى القضائية بتعليقات سابقة أدلى بها رئيس البلدية خلال اجتماع لمجلس المدينة في سبتمبر ٢٠٢٥، رداً على مبشّر مسيحي أعرب عن استيائه من إطلاق اسم ناشر «صدى الوطن» أسامة السبلاني على جزء من شارع وورن التابع لمقاطعة وين في شرق ديربورن.
وتوّجه حمود لتيد برهام، حينها، بالقول: «أنت متعصب ومصاب بالإسلاموفوبيا.. وبصفتي رئيس البلدية أقول لك إنك، غير مرحب بك هنا. وفي اليوم الذي تغادر فيه سأقيم موكباً احتفالياً برحيلك».
وتم استغلال تصريحات حمود على نطاق واسع، لتصوير ديربورن كمدينة طاردة للمسيحيين، بمن فيهم الناشط المعادي للإسلام جيك لانغ الذي نظّم لاحقاً عدة تظاهرات في المدينة احتجاجاً على «أسلمة أميركا».
في المقابل، استنكر حمود عبر تصريحات لاحقة، إصرار البعض على تأويل كلامه الموجّه إلى «شخصٍ ذي نوايا سيئة»، و«تعميمه على دينٍ بأكمله»، مؤكداً أن «الجميع يعلم أن ديربورن مدينة مرحّبة بالجميع، مسيحيين كانوا أم يهوداً أم من أي خلفية أخرى»، وفق تعبيره.






Leave a Reply