محمد العزير
أحاط بلقاء الرئيس الأميركي دونالد ترامب مع رئيس لبنان جوزيف عون في واشنطن، الكثير من الكلام والتحليل والتبخيس الملائم بلا شك للمزاج الشعبي السائد في لبنان، في ظل الواقع البائس الذي يعيشه تحت الاحتلال الإسرائيلي المباشر لأجزاء كبيرة من جنوبه واستباحته لما تبقى دون وازع أو رادع. ونحا منتقدو القمة إلى تكرار تسخيف الضيف إلى درجة لا تليق، بدءاً من انتقاد لباسه ولباس زوجته، وصولاً إلى من كان يستقبله في المطار حين وصوله، دون أي إلمام بالبروتوكول الذي لا يجيز لرئيس أميركي أن يكون في استقبال أي زائر مهما بلغ شأنه على أرض المطار.
لكن كل الصخب الذي سبق الزيارة ورافقها، لم يحجب أهميتها الفائقة كنقطة تحوّل في العلاقات اللبنانية الأميركية، والتي كانت لعقود طويلة موضع التباس وتوتر وتقلبات وأحداث عسكرية ودموية، على وقع التطورات التي عصفت بلبنان ولا تزال لحوالي سبعين سنة، وجعلت منه دولة تفتقر إلى السيادة الوطنية والاستقرار الداخلي، تتوالد فيها الحروب وتتوالى عليها الاحتلالات والهيمنات، وتتنازعها موجات استقواء داخلية تستند أساساً إلى الخارج، وتتقاطع سلباً أو إيجاباً مع السياسات والمصالح والرغبات الأميركية في الشرق الأوسط الذي أصبح منذ نشأة الكيان على أرض فلسطين عام 1948، أبرز ملفات السياسة الخارجية لواشنطن.
مسألة السيادة الوطنية في لبنان وارتباطها بالتطورات الإقليمية لم تبدأ في العام 1969، كما يحلو للكثير من المحللين تأرختها ربطاً باتفاقية القاهرة التي سمحت لمنظمة التحرير الفلسطينية باستخدام الجنوب كمنطلق لـ«العمل الفدائي»، بل تسبق ذلك بسنوات طويلة حين أدى ترحيب عهد الرئيس الأسبق كميل شمعون، على لسان رئيس وزرائه في حينه سامي الصلح بقيام حلف بغداد الذي أعلن عنه عام 1955، برعاية أميركية ومشاركة بريطانية مباشرة، وضم تركيا والعراق وباكستان وإيران، في سياق الحرب الباردة وتحت شعار مكافحة المدّ الشيوعي، وقد أدى الانقسام الداخلي اللبناني حول الموضوع إلى حرب أهلية مصغرة سنة 1958، والى أول تدخل عسكري أميركي في لبنان حين أنزلت البوارج الحربية المئات من مشاة البحرية «المارينز» على شواطئ بيروت.
لم يكن الاستقرار النسبي الذي بدأ مع عهد الرئيس فؤاد شهاب سيادياً بالكامل، حيث أدّت التسوية التي عقدها مع جمال عبد الناصر ودولة الوحدة بعد لقاء الرئيسين في الخيمة الحدودية بين لبنان وسوريا 1959، إلى تحويل السفارة المصرية في بيروت إلى مركز قرار موازٍ، وتحول السفير المصري في حينه عبد الرحمن غالب إلى قطبٍ أساس في السياسة الداخلية اللبنانية، وهو الوضع الذي إستمر بتفاوت حتى بزوغ النفوذ الفلسطيني في السبعينيات وانتقال القرار الموازي إلى الفاكهاني حيث مقر رئيس منظمة التحرير، ياسر عرفات، الذي استمرأ اللعبة السياسية اللبنانية الداخلية وخاض فيها بالتفصيل، وصولاً إلى انفجار الحرب الأهلية عام 1975، واضطراره بعدها إلى تقاسم «الدور» مع الرئيس السوري حافظ الأسد بعد دخول قواته إلى لبنان 1976.
فتحت الحرب الأهلية المأساوية، الفصل الدموي في العلاقة مع أميركا، ففي العام 1976، قُتل السفير الأميركي في بيروت فرانسيس ميلوي والملحق الاقتصادي في السفارة روبرت وورينغ وسائقهما اللبناني زهير المغربي بعد خطفهم في منطقة المتحف وهم في طريقهم إلى لقاء الرئيس إلياس سركيس، وبعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان 1982، عاد «المارينز» إلى بيروت ضمن القوة المتعددة الجنسيات، ليخرجوا بعد تفجير مقرهم في المطار ومقتل 241 منهم خريف 1983. سبق ذلك بستة أشهر، تدمير مقر السفارة الأميركية في عين المريسة بسيارة مفخخة قادها انتحاري، مما أدى إلى مقتل 63 شخصاً بينهم 52 موظفاً في السفارة 17 منهم أميركيون. وخريف العام 1984، تعرض المقر الجديد للسفارة في عوكر لمحاولة تفجير مماثلة أدت إلى مقتل 23 شخصاً بينهم أميركيان، ونجا السفيران الأميركي والبريطاني اللذان كانا مجتمعين هناك، لأن الانتحاري لم يتمكن من الوصول إلى داخل المبنى، وفي العام نفسه قتل رئيس الجامعة الأميركية في بيروت مالكوم كير بالرصاص خارج مكتبه، وخطف أمين مكتبة الجامعة بيتر كيلبورن وقتل بعد احتجازه، وخُطف مسؤول المخابرات المركزية الأميركية في الشرق الأوسط وليام باكلي، وعثر عليه مقتولاً بعد 14 شهراً، كما تم خطف العقيد في «المارينز» وليام هيغينز الذي كان في عداد قوة مراقبة الهدنة عام 1988، وقتل بعد أكثر من سنة، وتعرضت طائرة ركاب أميركية تابعة لشركة «تي دبليو أي» للخطف عام 1985 وعلى متنها 153 شخصاً، واجبرت على الهبوط في مطار بيروت حيث قتل الجندي الأميركي روبرت ستيثيم، ورميت جثته على المدرج، وفي تلك المرحلة تعرض عدد من الأكاديميين والصحافيين الأميركيين للخطف أو القتل، لينتهي ذلك الفصل عام 1991، بإطلاق سراح الصحافي تيري أندرسون.
سياسياً تقلبت العلاقات اللبنانية الأميركية كثيراً، وكانت واشنطن على الدوام لاعباً بارزاً في بيروت، ولم يقتصر دورها على الملف الأبرز وهو الاجتياحات الإسرائيلية المتكررة، بل كانت وساطاتها كثيفة طوال سنوات الحرب الأهلية، وكانت على صلة بكل التسويات والترتيبات التي تمت (حلف بغداد، دخول القوات السورية إلى لبنان، خروج منظمة التحرير، اتفاق الطائف، اتفاق الدوحة، ترسيم الحدود البحرية، وقف إطلاق النار 2024، واتفاق الإطار هذه السنة)، وصاحبة كلمة وازنة في اختيار الرؤساء وتشكيل الحكومات، إلى جانب نشاطها الكبير في ميدان المجتمع المدني والمشاريع التنموية، وهناك بالمقابل العقوبات ضد شركات وشخصيات وأفراد لبنانيين، خصوصاً في السنوات الأخيرة.
شهدت العلاقات الرئاسية اللبنانية مع واشنطن تقلبات موازية لتقلب المواقف، وبخلاف الحادثة الشهيرة التي خلقت أزمة دبلوماسية بين البلدين عام 1974، عندما عمدت السلطات الأميركية إلى استخدام الكلاب البوليسية لتفتيش حقائب الرئيس سليمان فرنجية والوفد المرافق له، في مطار نيويورك أثناء توجهه إلى الأمم المتحدة ليلقي كلمة الدول العربية حول القضية الفلسطينية بتكليف من قمة الرباط، كانت العلاقات طبيعية إلى حد كبير، وكان أول الرؤساء الذين زاروا واشنطن كميل شمعون عام 1956، ثم شارل الحلو 1967، أمين الجميل 1982 و1983، إلياس الهراوي 1991 و1996. أما الرئيس إميل لحود فلم يزر واشنطن وكانت علاقته معها غير ودية، وكان آخر رئيس يزورها قبل زيارة عون الأخيرة، ميشال سليمان 2008 و2009، فيما كانت علاقة الرئيس ميشال عون معها سيئة، وعبّرت واشنطن عن عدم رضاها بفرض عقوبات على صهره ورئيس «التيار الوطني الحر» جبران باسيل عام 2020.
تحمل زيارة الرئيس جوزيف عون إلى جانب العنوان الأبرز لها، وهو تنفيذ اتفاق الإطار، معنى آخر لا يقل أهمية، وهو تصحيح العلاقة بين واشنطن وبيروت في ظل المتغيرات التي حصلت منذ حرب الإسناد الأولى، فقد عبّر الرئيس دونالد ترامب بشكل واضح عن نيّة إدارته التعامل مع لبنان وفق مقاربة مختلفة عما كان سائداً في الماضي، واستعداده لدعمه مالياً وعسكرياً ودبلوماسياً، وقال إن لبنان تعرض لمعاملة سيئة وإن واشنطن «ستحل الكثير من المشاكل فيه»، وبدا جلياً أن واشنطن ترغب في فتح صفحة جديدة تواكب المسار الجديد الذي يسعى إليه العهد والحكومة في بيروت، وكان لافتاً في كلام ترامب إشادته برئيس مجلس النواب نبيه بري، وإعلان استعداده للحوار مع «حزب الله» الذي تصنفه واشنطن منظمة إرهابية.
زيارة عون إلى واشنطن محطة مهمة جداً ينبغي الاستفادة منها بعيداً عن المناكفات والكيديات، ليس فقط لأن قضية الانسحاب الإسرائيلي ملحّة وضرورية وأميركا وحدها قادرة على إنجاز ذلك، ولكن لأن واشنطن، في المدى المنظور، مازالت مركز القرار العالمي.






Leave a Reply