محمد العزير
لم يكن جو التوتر والإنفعال الذي أعقب حادث السير بين السيدتين العربية والأفريقية الأميركية في ديترويت ليل الثاني عشر من أيلول سبتمبر الماضي، صاعقة في سماء صافية، ولم تكن التصرفات والمواقف التصعيدية، التي أعادت تسليط الضوء على التوتر المزمن في العلاقة بين العرب الأميركيين وبين الأفارقة الأميركيين، عفوية أو «بنت ساعتها»، بل كانت تجلياً مكثفاً لطبيعة العلاقة المأزومة بين مكونين أساسيين في مجتمع جنوب شرقي ميشيغن، زادت من حدته محاولات الاستغلال الإعلامي لتوظيفه سياسياً عشية الانتخابات الحساسة التي ستُجرى في الثالث من تشرين الثاني نوفمبر المقبل.
كيف يمكن لحادث سير بين سيدتين، اقتصرت أضراره على الماديات، أن يتحوّل فوراً إلى مشاحنات أهلية وعراضات مسلحة، تواكبها مؤتمرات صحافية وحملات تعبوية ومواقف إعلامية مرتفعة النبرة؟ التفاصيل في العدد الأخير من «صدى الوطن». الجواب على هذا السؤال ليس بسيطاً، ولا يمكن حصره في الموقع والتوقيت المتعلقين بالحادث، بل يتطلب النظر إلى الإطار الأشمل للصورة، وعندها لا يكفي لوم التغطية الإعلامية «المغرضة» أو بعض الشخصيات الأفريقية الأميركية التي بنت شهرتها الشعبية على التحريض ضد العرب الأميركيين، وتمرّست في مهاجمة مصالحهم الاقتصادية من محلات ومتاجر ومحطات وقود وتكرار الدعوة إلى مقاطعتها، عند كل إشكال يكون أحد أطرافه من الأفارقة الأميركيين، بصرف النظر عن طبيعة الإشكال والمسؤولية عنه.
كثيرة هي العوامل التي تساهم في إبقاء العلاقة بين العرب والسود في منطقة ديترويت متوترة وقابلة للتصعيد، ومع استحالة الإحاطة بها جميعاً في مقالة واحدة، لأنها تتراوح بين بنية المجتمع الأميركي ككل، حيث تحتل العنصرية حيزاً واسعاً في العلاقات بين المكونات العرقية والإثنية، وبين المؤثرات الاقتصادية التي تولّد الاحتقان المتبادل بين الشرائح المحدودة أو المتدنية الدخل والموارد، وما بينهما من صور نمطية ومشاعر سلبية وسلوكيات فردية وطموحات سياسية ونزعات انتهازية على وقع تكرار الحوادث المؤسفة التي ترفد الذاكرة الجمعية لكل طرف، لا بد من التركيز على الجوانب الأكثر أهمية وتفاعلاً التي تفسح المجال واسعاً أمام وقائع مثل مضاعفات الحادث الأخير.
أهم تلك الجوانب، هو العامل السكاني في المنطقة والقائم على فصل عنصري عميق، حيث يشكل السود ٧٥ بالمئة من سكان ديترويت ويقتصر الوجود العربي في المدينة على أطرافها الجنوبية الغربية المجاورة لديربورن ذات الكثافة العربية، مما يمنع الاختلاط الإثني بين أهالي المدينتين، وهذا واقع موروث من حقبة العنصرية المفتوحة التي كان رمزها الأبرز في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، أورفيل هابرد الذي تولى رئاسة بلدية ديربورن من ١٩٤٢ إلى ١٩٧٨، وكان شعاره الأشهر «ابقوا ديربورن نظيفة!»، وهو ما ترجمه ميدانياً في منع السود من السكن في المدينة، قبل أن يحاول لاحقاً ترحيل العرب منها، عندما كثر عددهم في منطقة ديكس قرب معامل شركة فورد في الطرف الجنوبي من المدينة، وقد أرخى إرث تلك الحقبة بثقله على الجانبين، بين السود الذين لا يكنون الكثير من الود لديربورن، وبين العرب الذين صاروا الأكثرية الوازنة فيها، ولم يجدوا في سياسة هابرد العنصرية، السلبيات التي ينبغي العمل على تصحيحها.
العامل الثاني، والذي لا ينفصل عن الديموغرافيا هو طبيعة التكوين الاجتماعي في أميركا تاريخياً كونها أمة من المهاجرين، حيث كان الواصلون إلى العالم الجديد حديثاً يقصدون المدن والأحياء التي سبقهم إليها أقرانهم من الدول التي أتوا منها، دون إغفال الانتماءات الدينية والمذهبية والمناطقية، وهو ما خلق ما يشبه الغيتوات الصافية إثنياً ودينياً وجهوياً، ولذلك يندر ألا يكون في كل مدينة حي أو أكثر يحمل أسماء تدل على مكوناته السكانية مثل «إيطاليا الصغرى» أو «الحي الصيني» أو التايواني أو العربي أو الفلبيني أو السوري أو المكسيكي، ولم يتغير هذا السياق سوى في المدن الصغيرة في الضواحي التي صارت مقصد عائلات الطبقة المتوسطة منذ سبعينيات القرن الماضي، ولكن تحت مظلة المسميات الكبيرة وضمن المنحى نفسه، نشأت تكتلات أصغر مستمدة من الانتماءات التفصيلية لكل مجموعة، ودينامية العلاقات الداخلية بينها لا تختلف عن علاقات المجموعات الكبرى، ولذلك هناك، على سبيل المثال، حساسيات موصوفة بين اللبنانيين واليمنيين والعراقيين في ديربورن، وبين العرب والكلدان من العراقيين، وبين السنة والشيعة، وبين المسلمين والمسيحيين، على أكثر من مستوى. هذا الأمر بالطبع، لا يقتصر على العرب دون غيرهم، فلكل مجموعة إثنية أو وطنية خطوط تماس تتحكم بعلاقاتها الداخلية على المنوال نفسه.
العامل الثالث والأكثر تأثيراً بشكل مباشر هو طبيعة العلاقة اليومية بين العرب والسود في ديترويت ومحيطها، والتي تقتصر على التعامل التجاري بين العرب الأميركيين والكلدان كأصحاب أكبر عدد من المحلات والمتاجر ومحطات الوقود، وبين الأفارقة الأميركيين وهم الأكثرية الساحقة من الزبائن، فمنذ «الهروب الكبير» للشركات وفروع المؤسسات التجارية التي يملكها البيض، عقب انتفاضة ديترويت صيف ١٩٦٧، التي استمرت ٦ أيام وأوقعت ٤٣ قتيلاً وحوالي ١,٢٠٠ جريح، واستدعت تدخل قوات المارينز للسيطرة عليها، والتي جاءت في سياق التحركات الشعبية للسود في مدن أميركية عديدة، بادر العديد من رجال الأعمال العرب الأميركيين والكلدان إلى شراء المحطات والمتاجر الصغيرة ومحلات المشروبات لسد الفراغ الذي تركه البيض الذين توجهوا إلى الضواحي القريبة للسكن والعمل.
وفي بيئة أمنية تسودها الفوضى وتكثر فيها الجرائم والاعتداءات، وتتقاعس فيها الشرطة عن القيام بدورها، اتخذت العلاقة بين أصحاب المحلات وبين الزبائن طابعاً يختلف عن أية عملية تسوق اعتيادية، كان التعامل منذ البداية مشوباً بالشك والخوف وانعدام الثقة، لم تكن المحلات مفتوحة بشكل كامل للزبائن، وكان التعامل يتم بشكل محدود عبر نوافذ صغيرة بين البائع القابع خلف زجاج سميك مضاد للرصاص، وبين الزبون الذي يكون تحت مراقبة صارمة خشية السرقة، وهذا ما ولّد تنافراً متبادلاً بين الطرفين. وفاقم من هذا الوضع عدم إلمام معظم العاملين في المحلات والمحطات بالإنكليزية بشكل كافٍ لمحادثة الزبائن وملاطفتهم، واستخدام البعض منهم لتعابير عنصرية مسيئة في مخاطبتهم عند أول احتكاك أو خلاف، ليسمعوا في المقابل عبارات لا تقل عنصرية، عادة يستخدمها البيض لاستفزاز العرب.
يتمثل الجانب الآخر من الصورة في عدم توظيف المحلات والمحطات لعمال سود من أبناء الأحياء التي يتواجدون فيها، وإذا كان السبب الأول لذلك هو طبيعة المؤسسات نفسها والتي لا تتطلب عدداً كبيراً من الموظفين وتحتاج إلى شخص أو شخصين في معظم الأحيان لتشغيلها، وغالباً ما يكونون من أفراد العائلة، فضلاً عن عدم مبادرة معظم أصحاب المصالح إلى التواصل مع المؤسسات الخيرية والدينية في نطاق عملهم أو تقديم تبرعات لها أو إقامة ودعم مشاريع مجتمعية غير ربحية وهو نمط سائد في عالم المصالح التجارية الصغيرة، من باب إعادة استثمار جزء من الأرباح للصالح العام.
هكذا، نشأت النظرة النمطية الأعم إلى المصالح العربية الأميركية في ديترويت كجزر معزولة يأتي أصحابها إليها بسياراتهم الفخمة دون أن يتفاعلوا مع جيرانهم، ليأخذوا ما يحصلونه من الأحياء الفقيرة ويصرفوه خارج المدينة، وهي نظرة وجدت ولا تزال، من يغذيها ويعممها من السياسيين المحليين ومسؤولي الجمعيات الذين لم يتورع البعض المتدين منهم عن اتهام أصحاب محلات المشروبات بالتواطؤ مع «الرجل الأبيض» لتخريب جيل الشباب السود من خلال الخمور والسجائر وألعاب المراهنات، لكن الوجه الأخطر كان جانب العنف المتبادل الذي يمكن تحويله إلى مظلوميات قابلة للصرف التعبوي، وهذا سيكون موضوع المقالة المقبلة.






Leave a Reply