سالين
رغم المعارضة الشعبية للمشروع البالغة تكلفته 16 مليار دولار، أكدّ الرئيس التنفيذي لشركة OpenAI للذكاء الاصطناعي، سام ألتمان، رهانه على مركز البيانات العملاق الذي يجري بناؤه على أرض زراعية سابقة في بلدة سالين بولاية ميشيغن، مشدداً خلال زيارة الموقع، يوم الاثنين الماضي، على أهمية المنشأة الجديدة في توفير القدرة الحاسوبية اللازمة لتحقيق طفرات في مجالات متعددة.
وجاءت زيارة ألتمان إلى البلدة الواقعة على مشارف مدينة آناربر، برفقة مسؤولين تنفيذيين من شركتَي «أوراكل» و«ريلايتد ديجيتال»، احتفالاً بوضع حجر الأساس لمركز الحوسبة السحابية الذي سيحمل لقب «حظيرة سالين» إلى جانب اسمه الرسمي Stargate AI (بوابة نجوم الذكاء الاصطناعي)، كأول مركز بيانات فائق القدرة يجري بناؤه في ولاية ميشيغن.
وبحضور حاكمة الولاية غريتشن ويتمر وقادة نقابيين ومسؤولين من «والبريدج» للإنشاءات و«بلاكستون» العقارية، أشاد ألتمان بالأثر البالغ الذي ستُحدثه المنشأة الضخمة على مستقبل الذكاء الاصطناعي، واصفاً المشروع بأنه «رهان كبير» على توفير القدرة الحاسوبية الضرورية لتحقيق الطفرات العلمية والمعرفية في مختلف المجالات.
وتحتوي مراكز البيانات العملاقة، التي تُعدّ جزئياً بمثابة «مصانع» للذكاء الاصطناعي، على خوادم عالية الأداء لاستضافة وتشغيل التطبيقات وتنفيذ الخوارزميات المعقدة وتشغيل أعباء عمل الذكاء الاصطناعي، فضلاً عن احتوائها على «مستودعات آمنة وقابلة للتوسّع» لحفظ المعلومات، مثل الصور الشخصية ورسائل البريد الإلكتروني وصولاً إلى قواعد البيانات الحيوية للحكومات والشركات.
وقال ألتمان إن مركز «ستارغيت» الذي يقام على مساحة 250 أيكر «قد يُصبح المكان الذي يُكتشف عبره علاج السرطان أو يتعلم عبره مئات الملايين من الطلاب حول العالم ويتلقون دروساً خصوصية أو تقوم عبره ملايين الشركات الصغيرة بإدارة أعمالها باستخدام الذكاء الاصطناعي»، مؤكداً بأن سعة «غيغاواط واحد من الذكاء الاصطناعي قادرة على فعل كل ذلك».
وسعى ألتمان والمسؤولون المنخرطون في مشروع «ستارغيت»، لكسب ودّ المجتمع المحلي تجاه المشروع الذي أثار عدة دعاوى قضائية وآلاف التعليقات العامة الرافضة للمشروع، فضلاً عن استقالة أمينة صندوق بلدية سالين التي صرّحت بأنها وزملاءها تعرّضوا لتهديدات بالقتل من أشخاص غاضبين من المشروع.
وأقرّ ألتمان، الذي تقدِّر مجلة «فوربس» ثروته بنحو أربعة مليارات دولار، بالمعضلة الشعبية التي تواجه شركات التكنولوجيا مثل OpenAI في جهودها لمواكبة تطوّر الذكاء الاصطناعي عبر بناء مراكز البيانات العملاقة، موضحاً بأن مشروع «حظيرة سالين» يشمل استثمارات متنوعة لدعم المجتمع المحلي، من بينها التبرع بمبلغ 10 ملايين دولار لتوسيع الجناح المائي في مجمع سالين الترفيهي التابع للبلدية الواقعة في مقاطعة واشطنو.
ومع بدء أعمال البناء في مركز «ستارغيت»، يشير المسؤولون التنفيذيون في شركة «أوراكل» إلى أن أجهزة الحوسبة الداخلية –بما في ذلك وحدات معالجة الرسومات ومعدات الشبكات– ستضيف مبلغاً إضافياً يتراوح بين 30 و40 مليار دولار، فضلاً عن كلفة الاستثمار الأولية البالغة ١٦ مليار دولار.
وقال ألتمان متحدثاً إلى جانب الرئيس التنفيذي لشركة «ريلايتد كومبانيز» جيف بلاو: «نحن ندرك مدى تعقيد هذا المشروع. ونعلم ما هو التوجه السائد حالياً في العالم تجاه مراكز البيانات… لكنني أعتقد بأننا قادرون على جعله نموذجاً رائعاً للمستقبل».
وتعمل الشركات المعنية، التي تشمل «أوراكل» أيضاً، على تلميع صورة المشروع الذي يقول السكان إنه يسبب الازدحام ويبدد السمة الريفية الهادئة للمنطقة. وقد تم نصب، لافتات في محيط المشروع للإضاءة على إيجابياته، مثل توفير الوظائف الجديدة وترشيد استهلاك المياه والطاقة، بالتوازي مع بث حملات إعلانية عبر وسائل التواصل الاجتماعي للترويج للأثر الإيجابي على الاقتصاد المحلي.
نقلة نوعية
مواكبةً للتطوّر التكنولوجي وتقنيات الذكاء الاصطناعي، تشهد مجتمعات متفرقة في منطقة ديترويت الكبرى، عدة مقترحات جارية لبناء مراكز ضخمة لتخزين البيانات الإلكترونية ومعالجتها، وسط مخاوف شعبية متزايدة بشأن تأثيرها السلبي على البيئة وجودة المعيشة والخدمات العامة في الضواحي النائية، وسط قلق السكان من قضم الأراضي الزراعية واستنزاف شبكات المياه والكهرباء المحلية.
في المقابل، يجادل أنصار مراكز البيانات العملاقة، بأنها باتت خطوة ملحة للغاية في مواكبة تطور الذكاء الاصطناعي.
وبينما عمدت ولايات أميركية عديدة خلال السنوات القليلة الماضية، إلى افتتاح مراكز بيانات عملاقة لتعزيز قدراتها العملياتية إلى أكثر من ألف ميغاواط، لا تزال ولاية ميشيغن متخلفة عن الركب بنسبة كبيرة، حيث تضم الولاية حالياً عشرات المراكز الصغيرة بسعة إجمالية لا تتجاوز 100 ميغاواط، فيما ستصل القدرة التشغيلية لـ«حظيرة سالين» عند اكتمال المشروع إلى 1,400 ميغاواط (1.4 غيغاوط).
وتعتبر ولاية فيرجينيا المجاورة للعاصمة واشنطن، رائدةً في هذا المجال حيث تصل سعة مراكز البيانات فيها –حالياً– إلى ما يقرب من ستة آلاف ميغاواط، فيما يجري العمل على مشاريع ضخمة أخرى لزيادة قدرتها إلى 11 ألف ميغاواط في غضون السنوات القليلة المقبلة.
كذلك، لدى ولايات أخرى، مثل تكساس وأريزونا وجورجيا وكاليفورنيا وإيلينوي وأيوا، مراكز بيانات ضخمة بسعة إجمالية تتجاوز ألف ميغاواط في كل منها، في حين يجري العمل على إنشاء المزيد من المراكز العملاقة في تلك الولايات لمواكبة الطلب الهائل.
أما ميشيغن فتضم حالياً، زهاء 60 مركزاً صغيراً لتخزين ومعالجة البيانات، ومعظمها يتبع لشركات الاتصالات، ويعمل منذ سنوات أو عقود في مناطق مثل ديترويت الكبرى وغراند رابيدز، إلا أن الولاية تخلو –حتى الآن– من أية مراكز ضخمة لمواكبة تطوّر الذكاء الاصطناعي باستثناء مشروع «ستارغيت» قيد الإنشاء على مساحة ٢٥٠ أيكر.
وإلى جانب «ستارغيت»، هناك مشروعان آخران مازالا «على قيد الحياة» في منطقة ديترويت، وهما مركز «كانولي» في بلدة فان بورين بمقاطعة وين، ومركز «فلكس» في بلدة ليون بمقاطعة أوكلاند، وكلتيهما بلدتان زراعيتان.
ومن المتوقع أن تبلغ سعة «كانولي» التشغيلية حجم غيغاواط واحد، في حين لاتزال سعة «فلكس» غير معلنة وسط تعثر المشروع في الأمتار الأخيرة، علماً بأن كلَي المشروعين مرتبطان بشركة «غوغل».
معارضة محلية
بينما ينتظر مركز «كانولي» الموافقة النهائية من السلطات المحلية وحكومة الولاية لبدء أعمال البناء قريباً، تلقّى مركز «فلكس» خلال شهر أيار (مايو) الماضي، ضربةً قد تكون قاضية بعد أن صوّت مجلس بلدة ليون برفض منح التراخيص اللازمة لبناء نظام جديد لتصريف مياه الأمطار في الموقع الذي تبلغ مساحته 172 أيكر.
وبذلك، قد يؤول مصير «فلكس» إلى مصير مشابه لعدة مشاريع أخرى أخفقت في بناء مراكز بيانات عملاقة بمنطقة ديترويت الكبرى.
وفي السياق نفسه، نجح المعارضون ببلدة إبسيلانتي في مقاطعة واشطنو، خلال شهر نيسان (أبريل) الماضي، بتعطيل مشروع بناء مركز بيانات عملاق كان يجري العمل على إنشائه ضمن حدود البلدة عبر مشروع تعاوني بين «جامعة ميشيغن» في آناربر و«معهد لوس ألاموس الوطني» التاربع لوزارة الطاقة الأميركية.
وتمكّنت بلدية إبسيلانتي من إحباط المشروع، الذي تُقدَّر تكلفته بنحو 1.25 مليار دولار، عبر تصويت «هيئة المرافق البلدية في إبسيلانتي» –بالإجماع– لصالح حجب خدمات المياه والصرف الصحي عن المشروع لمدة 12 شهراً. ونظراً لأن مراكز البيانات عالية الأداء تستخدم كميات هائلة من المياه لأغراض التبريد، فإن قطع إمدادات المياه يعني فعلياً وقف المشروع بالكامل. كما أقرّ مجلس البلدة، بالإجماع أيضاً، قراراً رسمياً بمعارضته لبناء أي مركز بيانات ضمن الحدود الجغرافية للبلدة الكائنة في مقاطعة واشطنو أيضاً، والتي تقع على مقربة من بلدة سالين، حيث انطلق للتو بناء مركز «ستارغيت» (بوابة نجوم).
ويتوجب على مراكز البيانات عموماً أن تواصل العمل على مدار الساعة طوال أيام الأسبوع دون انقطاع، مما يتطلب توفير أنظمة احتياطية مثل البطاريات العملاقة والمولدات الكهربائية، فضلاً عن أنظمة تكييف وتبريد بالمياه بتقنيات متطورة لمنع ارتفاع درجة حرارة شرائح الذكاء الاصطناعي المتخصصة (وحدات معالجة الرسومات) والمعالِجات التقليدية.
وللدلالة على كمية الطاقة الهائلة التي تستهلكها مراكز البيانات في أنحاء البلاد، يتوقع الخبراء أن تستخدم حوالي 12 بالمئة من إجمالي استهلاك الكهرباء في الولايات المتحدة بحلول عام 2028، علماً بأن مركزاً واحداً قد يستهلك طاقة تعادل استهلاك مدينة صغيرة بأكملها.
ويثير هذا العامل، خشية رئيسية لدى السكان من الضغط على شبكات الكهرباء المحلية، لاسيما في المناطق الحضرية التي تعاني أصلاً من انقطاعات متكررة، مثل منطقة ديترويت الكبرى.
إضافة إلى ذلك، تواجه مراكز البيانات العملاقة، معارضة واسعة من قبل أنصار البيئة وجماعات حماية المستهلك، بسبب مخاوف متفاوتة تتراوح بين استنزاف موارد المياه والطاقة وارتفاع الفواتير وانعدام الشفافية في عملية الموافقة على المشاريع، فضلاً عن المخاوف البيئية المتعلقة بتلوّث المياه والتلوث الضوضائي بطنين منخفض مستمر.
كذلك، يشكل فقدان الأراضي الزراعية لحساب مراكز البيانات قلق السكان في المناطق الريفية، ممن يرغبون في الحفاظ على طابع مجتمعاتهم ومساحاتها المفتوحة، بدلاً من بناء منشآت صناعية لا تُوفر سوى عدد قليل من فرص العمل الدائمة، بحسب المعارضين.
بُعد سياسي
في تعليقها خلال وضع حجر الأساس لمركز «ستارغيت» في بلدة سالين، قالت الحاكمة ويتمر إن «حظيرة سالين لن تكون تلك الحظيرة التقليدية التي اعتدتم رؤيتها في مثل هذه المنطقة؛ إذ أن الحظيرة الجديدة ستضم خوادم حاسوبية، لا حيوانات المزرعة».
واكتفت الحاكمة الديمقراطية التي تحاشت الإجابة على أسئلة الصحفيين خلال ظهورها مع ألتمان والمسؤولين الآخرين في سالين، بتصريح مقتضب قالت فيه: «يجب أن يظل الذكاء الاصطناعي دائماً أداة لتعزيز الذكاء البشري، وليس العكس. إذ يتعين على سكان ميشيغن بناء هذا المركز، وتشغيل تقنياته، وجني ثمار فوائده».
في المقابل، شنّت عضو الكونغرس الأميركي رشيدة طليب، هجوماً لاذعاً على الحاكمة، عبر منشور على منصة «أكس». وقالت النائب الديمقراطية: «إنه أمرٌ مثيرٌ للاشمئزاز! إنني أشعر بخيبة أمل عميقة إزاء دعم الحاكمة ويتمر لخطط توسعة مراكز البيانات في ولايتنا، لا سيما في ظل المعارضة الواسعة التي يبديها الكثير من سكان ميشيغن تجاه هذه الخطط».
بدوره، وصف عضو مجلس نواب الولاية، الديمقراطي ديلان ويجيلا، مشاركة الحاكمة في هذه الفعالية بأنها «خيانة تامة للطبقة العاملة». وأضاف «إنكِ تبيعين ولاية ميشيغن لمليارديرات شركات التكنولوجيا الكبرى. فالذكاء الاصطناعي يسعى إلى الحلول محل الطبقة العاملة، وفي غضون ذلك، يعمل على تدمير كوكب الأرض».







Leave a Reply