إبتسام خنافر
مع الحديث عن غزو مراكز البيانات العملاقة لمنطقة ديترويت، تذكّرنا فجأة أن لدينا بيانات، وأن هذه البيانات ثمينة، وأن علينا أن نقلق بشأنها. فبدأنا نسأل: ماذا ستفعل هذه المراكز؟ ماذا ستعرف عنا؟ هل ستكون معلوماتنا هناك؟ ومن سيحميها؟ أسئلة مهمة بالتأكيد، ولذلك فعلنا ما يفعله أي إنسان حريص على خصوصيته هذه الأيام: فتحنا هواتفنا بوجوهنا أو ببصمات أصابعنا، وسمحنا لها بمعرفة مواقعنا، ثم سألنا «غوغل» عن مركز البيانات القادم إلينا.
تشاهد مقطعاً أو اثنين على يوتيوب، وتقرأ آراء الناس على فيسبوك، وترسل الروابط إلى الأصدقاء عبر واتساب، وربما يفتح بعضنا تطبيقاً للذكاء الاصطناعي ويسأله: هل يجب أن أقلق على بياناتي؟ وبعد هذه الجولة التثقيفية السريعة، التي تركت آثارنا الرقمية على شبكة الإنترنت، نضع الهاتف جانباً ونتساءل بقلق: الموضوع خطير… هل بياناتنا في خطر؟
هناك شيء مضحك في هذا المشهد، لكنه يقول شيئاً حقيقياً عن علاقتنا بالتكنولوجيا. نحن نحب التكنولوجيا، بل أصبح من الصعب أن نتخيل حياتنا من دونها، لكننا نفضّل ألا نرى ما يحدث خلف الستار. نريد صورنا محفوظة في «الكلاود» أو «السحابة»، وأفلامنا تصل فوراً، وحساباتنا المصرفية في جيوبنا، ورسائلنا تعبر العالم في ثوانٍ، والذكاء الاصطناعي يبقى مستيقظاً معنا حتى لو قررنا أن نسأله سؤالاً عبثياً بعد منتصف الليل. وحتى كلمة «كلاود» تبدو مريحة بطريقة ما، اسم خفيف يجعلك تتخيل أن صور العائلة والملفات ورسائل البريد تطفو بهدوء في مكان ما فوق رؤوسنا. لكن الحقيقة أقل شاعرية بقليل: هذه «السحابة» ليست في السماء، بل في مبانٍ حقيقية فيها خوادم وأسلاك وكهرباء وأنظمة تبريد، وتعمل ليلاً ونهاراً حتى نستطيع، ونحن جالسون على الأريكة، أن نضغط على صورة ونقول: احفظها في الكلاود.
وهنا يصبح الحديث عن مركز بيانات محتمل في ظهرانينا أكثر إثارة للاهتمام، لأن شيئاً اعتدنا أن نتعامل معه كأنه غير مرئي قد يصبح فجأة جاراً لنا. العالم الرقمي الذي نحمله في جيوبنا سيظهر أمامنا على شكل مبنى حقيقي، له مساحة على الأرض، ويحتاج إلى كهرباء ومياه وتبريد وبنية تحتية. وربما هذه هي اللحظة التي نكتشف فيها أن «الكلاود» ليس سحابة فعلاً، إنه عقار، وله عنوان، وربما جيران أيضاً.
وهنا يجب أن يصبح النقاش جدياً. فمن حق الناس أن يسألوا عن استهلاك الكهرباء والمياه، وتأثير المشروع على البيئة والبنية التحتية، وما إذا كان سيخلق وظائف فعلية، وما نوع هذه الوظائف، ومن سيستفيد اقتصادياً، وما الذي ستحصل عليه المدينة في المقابل. وهناك سؤال بسيط يبقى مهماً مهما أصبحت التكنولوجيا معقدة: من سيدفع الفاتورة؟ هذه ليست أسئلة ضد التكنولوجيا، وطرحها لا يعني أننا نخاف من المستقبل. عندما يأتي مشروع بهذا الحجم إلى مدينتنا، فمن الطبيعي أن نسأل ماذا سيأخذ منا وماذا سيعطينا.
لكن وسط كل ذلك، هناك خلط يستحق الانتباه إليه: الخوف على بياناتنا ليس تماماً هو الخوف من مركز البيانات. فوجود مركز بيانات في منطقتنا لا يعني أن موظفي المبنى سيستيقظون صباحاً ويقررون معرفة أين تناول سكان المدينة العشاء الليلة الماضية. وإنما خصوصيتنا ترتبط بالجهات التي تجمع معلوماتنا، وما الذي تجمعه، ولماذا تجمعه، وكيف تستخدمه، ومن يستطيع الوصول إليه، وأين تُخزَّن هذه المعلومات وكيف تُحمى؟
أمام كل ذلك، يبدو النقاش حول مراكز البيانات غريباً قليلاً. فطوال سنوات، كنا نبني حياتنا الرقمية من دون أن نفكر كثيراً في المكان الذي تعيش فيه هذه الحياة. نلتقط آلاف الصور ولا نسأل أين تذهب. نرسل رسالة إلى الطرف الآخر من العالم ولا نفكر في الطريق الذي سلكته. نضع ملفاتنا في الكلاود ولا نسأل أين توجد هذه السحابة الافتراضية أصلاً.
نسأل الذكاء الاصطناعي عشرين سؤالاً، وربما يكون السؤال الحادي والعشرون: لماذا تستهلك مراكز البيانات كل هذه الكهرباء؟ لكن عندما يظهر المبنى الذي يقف خلف جزء من هذا العالم في مدينتنا، يصبح الإنترنت فجأة شيئاً مادياً جداً. نكتشف أن للذكاء الاصطناعي أسلاكاً، وأن للكلاود عنواناً، وأن للإنترنت وتاريخنا الرقمي مخازن أيضاً.





Leave a Reply