محمد العزير
مع دخول الموسم الانتخابي الراهن، المنعطف الأخير قبل التصويت في الثالث من تشرين الثاني نوفمبر المقبل، تشير كل المعطيات إلى أن مفاعيل هذه الانتخابات النصفية لن تقتصر على تحديد هوية الأغلبية في مجلس الكونغرس الـ١٢٠ في تاريخ أميركا، بل ستتعدّاها إلى تقرير مصير الحزبين الكبيرين اللذين يواجهان تحدّيات غير مسبوقة، سيتوقّف الكثير منها على نتائج صناديق الاقراع، حيث يشكّل الاستحقاق الانتخابي هذا العام محطة تاريخية بارزة ستكون لها تبعات واضحة على العمل الحزبي والسياسي في الولايات المتحدة لسنوات طويلة.
من جانبه، يواجه الحزب الديمقراطي، الذي خسر في انتخابات ٢٠٢٤، الرئاسة ومجلسي الكونغرس والكثير من المناصب التنفيذية والمجالس التشريعية في الولايات، معضلة التفاهم بين المؤسسة التقليدية وبين التيار الليبرالي الأكثر حيوية، والمسألة هنا لا تتعلق بصراع أجيال بل تتصل بقضيتين رئيستين لم تنجح قيادة الحزب بمعالجتهما حتى الآن: الأولى، وقد تكون الأهم بالنسبة للشباب هي النفوذ الصهيوني الطاغي على جميع المستويات، والذي يترجم عادة في الدعم اللامشروط لإسرائيل بصرف النظر عن سلوك الحكومة في تل أبيب، وهذا أمر حسمه التيار الليبرالي على وقع حرب الإبادة التي نفذها الاحتلال ولا يزال في غزة، وتمت ترجمته من خلال إلزام أي مرشح يريد الدعم ألّا يطلب أو يقبل أي تمويل من اللوبي الموالي لإسرائيل، وأن يلتزم بالدعوة إلى تطبيق القانون الأميركي الذي يمنع استخدام الأسلحة الأميركية في جرائم حرب.
أما المسألة الديمقراطية الثانية والمتصلة بشكل غير مباشر بالصهيونية، فهي العلاقة الحميمة بين مؤسسة الحزب التقليدية وبين الشركات القابضة والمساهمة والأثرياء، بحجة الحاجة إلى تمويل الحملات الانتخابية، الذي يأتي غالباً على حساب مصالح الشرائح الدنيا من الطبقة المتوسطة ومحدودي الدخل والمياومين والعمال الزراعيين وسكان الأرياف، الذين يصبحون لقمة سائغة أمام الدعايات العنصرية والتنميطية التي تقودهم غالباً إلى التصويت لليمين الديني، ولذلك يدعو التيار الليبرالي إلى تقديم تشريعات تمنع المال السياسي، وتضع حداً لمساهمات الشركات في التمويل الانتخابي، وإلى توسيع الإقبال على الاقتراع ورفع القيود عن التصويت، وجعل الحزب الأزرق أقل بياضاً وصهيونية وأكثر تمثيلاً لمكونات المجتمع الأميركي.
تتلخّص معضلة الحزب الديمقراطي في هذه الدورة الانتخابية بأن مرشحيه الذين حصلوا على أكثرية الأصوات في التصفيات التمهيدية، والذين مازال عليهم أن يثبتوا قدرتهم على الفوز في الانتخابات العامة، هم غالباً من مرشحي التيار الليبرالي، الذي يتلكأ المسؤولون التقليديون في تزكيتهم أو حتى يجاهرون برفضهم، من زهران ممداني في نيويورك إلى عبدول السيد في ميشيغن، وغيرهما ممن لم يرض عليهم صديقا بنيامين نتنياهو: زعيما الأقلية الديمقراطية في مجلسي الشيوخ والنواب، تشاك شومر وحكيم جيفريز. ورغم ذلك، تفيد الاستطلاعات بأن مرشحي التيار الليبرالي هم الأوفر حظاً للفوز في نوفمبر، وعندها سيكون على القيادة التقليدية للحزب الأزرق أن تتنحى.
أما المعضلة في الجانب المحافظ فهي أعمق وأكثر خطراً، فبعد أكثر من عشر سنوات من استباحة دونالد ترامب للحزب الجمهوري، تحول الحزب الذي أسسه محرر العبيد، الرئيس الأميركي السادس عشر، إبراهام لينكولن، الذي خاض من أجل ذلك حرباً أهلية لا تزال الأكثر دموية في التاريخ الأميركي، إلى واجهة فارغة ليس فيها إلا اسمه وصورته، بالطبع لم يكن ترامب السبب كله، لكنه كان تتويجاً لمسار بدأه ممثل آخر، هو الرئيس الأربعين رونالد ريغان، وتعزز بعده مع جورج بوش الابن الذي حرف الحياة السياسية عن سياقها العام، وحولّها مع مستشاره المتطرف كارل روف إلى حروب اجتماعية وثقافية تتعلق بالإجهاض والمثلية الجنسية والزواج المختلط، ودرجات الخطر الأمني على الولايات المتحدة من الإرهاب الإسلامي.
الآن ينظر الجمهوريون إلى الخريطة الانتخابية بإمعان ويرون أن النتائج ليست في صالحهم، فاستطلاعات الرأي تشير إلى أن الديمقراطيين يتقدمون على المحافظين عموماً بـ٢٥ نقطة مئوية في الانتخابات المقبلة، وبالتفصيل يتفوقون بـ١٣ نقطة حول أسعار المحروقات، و٨ نقاط حول الاقتصاد، و٣ نقاط حتى في سياسة الهجرة والترحيل. في الوقت نفسه تنحدر نسبة التأييد لترامب إلى ٣٢ بالمئة، وهذا أقل من ثلث الهيئة الناخبة، فيما يحتاج المحافظون إلى الفوز بمقاعد مجلس الشيوخ في ولايات حدودية مع كندا، كان عليها عشية الانتخابات أن تواجه الحرب الجمركية المزاجية التي افتعلها ترامب ضد الجارة الشمالية.
وفي ظل غياب أية خطة جمهورية واضحة تتناول الاقتصاد والجمارك والعشوائية السياسية وتغريدات آخر الليل ووجه الصباح، التي يتقنها ترامب، تشير الاستطلاعات إلى أن مرشحي الحزب الديمقراطي يشكلون خطراً محققاً في ولايات كانت محسومة للجمهوريين، وذلك بفضل الجولة الأخيرة من التصعيد مع كندا، ففي ولاية ماين الحدودية لا يتعدى الفارق بين السناتورة الجمهورية سوزان كولينز وبين منافسها الديمقراطي تروي جاكسون أكثر من نقطتين، وفي ألاسكا، الولاية الجمهورية تاريخياً، تتفوق المرشحة الديمقراطية ماري بيلتولا على منافسها الجمهوري بأربع نقاط، وفي تكساس درة التاج الجمهوري انتخابياً، يتفوق المرشح الديمقراطي جايمس تالاريكو على منافسه المحافظ المدعوم من ترامب كين باكستون بأربع نقاط، وفي ميشيغن، وهي ولاية متأرجحة، يتقدم المرشح العربي الأميركي، المصري الأصل الدكتور عبدول السيد على منافسه مايك روجرز الذي يعيش في فلوريدا منذ سنوات بأربع نقاط.
إزاء هذه الأرقام أعلن الحزب الجمهوري حالة الطوارئ القصوى، وفي ظل غياب أي شيء يمكن أن يُقدم كمبادرة، سوى مناوشات ترامب على التواصل الاجتماعي، لم يكن هناك سوى ما عرفنا عليه كارل روف استناداً إلى ريادة ريغان، الحرب العنصرية بكل مسمياتها التعصبية والتحريضية، لم يكن للمحافظين للرد على المرشح الديمقراطي في ميشيغن سوى التركيز على أن اسمه «عبدول» وهو مولود في ميشيغن لأبوين مصريين، لكنهم لم يجدوا غضاضة في أن المرشح لحاكم ولاية كاليفورنيا عن الحزب الجمهوري ستيف هيلتون، وهو كالعادة غّير اسم عائلته من هيرتشاك بعد الهجرة من هنغاريا، ليس من مواليد أميركا، مثله مثل بطل كمال الأجسام النمسوي أرنولد شوارزنيغر، الذي حكم كاليفورنيا من ٢٠٠٣ إلى ٢٠١١. لكن هذه هي العنصرية الجمهورية المحافظة التي تبحث عن أي تبرير دون وازع.
لكن ذلك، على عاهته، ليس الأمر الأكثر خطورة، ففي ظل وجود ترامب في البيت الأبيض هناك خطر مضاعف، لأن الرئيس «العظيم» قد يحلو له أن يجرب في منتصف ولايته الثانية ما جرّبه في نهاية ولايته الأولى وهو محاولة الانقلاب على النتائج التي أفرزتها الانتخابات.
ففي عام ٢٠٢٠ خسر ترامب انتخابات الرئاسة، لكنه رفض الاعتراف بالنتيجة، وكونه رئيس السلطة التنفيذية حينها، حاول إلغاء الإرادة الشعبية بشتى السبل، وعندما لم يفلح في ذلك ضمنياً، أوعز إلى شبيحته وأزلامه وشذاذ الآفاق الذين يدورون في فلك الميليشيات والفاشية الجديدة بمحاصرة مبنى الكابيتول في العاصمة واشنطن يوم السادس من يناير ٢٠٢١، لمنع إتمام مراسم المصادقة على النتائج وعرقلة التداول السلمي للسلطة.
هل يتكرر سيناريو ترامب بعد انتخابات هذه السنة؟ لا ضمانة في ألا يتكرر ذلك، خصوصاً أنه على رأس السلطة التنفيذية المنوطة بإنفاذ القانون. فالقانون ينصّ على أن رئيس مجلس النواب هو صاحب الصلاحية في قبول النواب المنتخبين ليصبحوا أعضاء معتمدين في الكونغرس، فماذا يحصل إذا أذعن مايك جونسون، صاحب الشخصية المهزوزة، لأوامر ترامب بعدم قبول النواب الديمقراطيين. لن تكون المسألة بأهمية ما حاوله عام ٢٠٢١، لأن الأنظمة المرعية الإجراء تحدّ من صلاحياته، لكنها في ظل وجود محكمة عليا ذات أغلبية محافظة ومذعنة لرغبات ترامب، قد تؤدي إلى أزمة دستورية يبدو أن ترامب يسعى إليها بكل قوته.





Leave a Reply