ديربورن
في سياق تحضيراتها لاحتواء التظاهرة المعادية للإسلام بقيادة الناشط اليميني المتطرف جيك لانغ، بادرت مدينة ديربورن إلى اتخاذ سلسلة من الإجراءات الأمنية والتدابير الاستباقية لضمان السلامة العامة وتفويت الفرصة على مثيري الانقسامات الدينية والإثنية.
وكان لانغ قد أعلن اعتزامه القدوم إلى ديربورن للمرة الرابعة تحت شعار «مكافحة أسلمة أميركا»، متوعداًَ بإحراق نسخ من المصحف الشريف والاحتفال بشواء لحم لخنزير مع «الآلاف من راكبي الدراجات النارية» على هامش اجتماع مجلس المدينة المقرر في 18 آب (أغسطس) الجاري.
واستبقت بلدية ديربورن زيارة لانغ بنقل مكان انعقاد الاجتماع من مقر البلدية الإداري إلى «مكتبة هنري فورد» المجاورة التي يضمّ حرمها مساحة مخصصة للتعبير الحر، وذلك بغية ضبط الحركة الميدانية وتكثيف الحضور الأمني لتلافي خروج التظاهرة عن السيطرة، وهو ما دفع قائد شرطة المدينة عيسى شاهين إلى استدعاء قوات إضافية من شرطة ولاية ميشيغن ومكتب الشريف في مقاطعة وين للمساعدة في ضبط الأمن.
وترافقت هذه الخطوات مع عقد مؤتمر صحفي مشترك ضمّ رئيس بلدية ديربورن عبدالله حمود، وقائد الشرطة عيسى شاهين، إلى جانب عدد من رعاة الكنائس المحلية، للتأكيد على التلاحم المجتمعي والسلم الأهلي، إضافة إلى مناشدة السكان المحليين بتجاهل التظاهرات وعدم الانجرار وراء الاستفزازات العنصرية والدينية، لتفويت الفرصة على المتعصبين القادمين من خارج الولاية.
دعوات للتجاهل
وكان شاهين قد دعا السكان المحليين إلى تجاهل المتظاهرين ودعواتهم الاستفزازية، وقال في فيديو مصوّر تم تداوله على نطاق واسع عبر وسائل التواصل الاجتماعي: «رجاءً، ابقوا في منازلكم، ولا تلتفتوا إلى هؤلاء القادمين إلى مدينتنا من أجل هدف واحد، هو الاستفزاز وجذب الانتباه».
وأضاف شاهين: «إذا لم تأتوا للرد على هؤلاء المتظاهرين الخارجيين، فلن يحققوا مرادهم، إن أقوى شيء يمكن لمجتمعنا أن يفعله هو تجاهلهم وعدم إعطائهم الانتباه الذي يريدونه، لا تجادلوهم ولا تواجهوهم ولا تمنحوهم رد الفعل أو اللقطات التي يسعون إليها»، مستدركاً بالقول: «إذا كان لديكم أعمال أمام مجلس المدينة فاحضروا كالمعتاد، وأما بالنسبة لهؤلاء الذين يفكرون في الحضور لمواجهة تلك الجماعات، فالأفضل ألا يفعلوا، لأنهم بذلك سيعطونهم ما يريدونه بالضبط ويضعون أنفسهم في مواجهة الخطر».
وانضم إلى دعوات الشرطة، العديد من الفعاليات الرسمية والمجتمعية والقادة المحليين في ديربورن، وفي مقدمتهم رئيس مجلس المدينة مايكل سرعيني وصحيفة «صدى الوطن» وفرع مجلس العلاقات الإسلامية الأميركية (كير) في ميشيغن و«المجلس الأميركي لحقوق الإنسان»، الذين حثوا جميعاً، السكان على الالتزام بالتجاهل التام للمتظاهرين المعادين للإسلام وعدم الانجرار وراء دعواتهم التحريضية، لتلافي استغلال ردود أفعالهم بشكل مجتزأ عبر وسائل التواصل الاجتماعي في تشويه صورة ديربورن والترويج لها كمدينة تحكمها الشريعة الإسلامية.
الحاكمة تندّد
ضمّت حاكمة ميشيغن غريتشن ويتمر صوتها إلى الأصوات المحلية التي طالبت سكان ديربورن بتجاهل التظاهرات المعادية للإسلام، وأصدرت قبيل التظاهرة، بياناً صحفياً أعربت خلاله عن تضامنها مع مجتمع المدينة، وجاء فيه: «تعد ديربورن موطناً لأحد أكثر المجتمعات حيوية ونشاطاً في أميركا، وسكانها هم أصدقاؤنا وجيراننا».
ولفت البيان إلى أن سلوك المحرضين القادمين إلى ديربورن يهدف إلى أمر محدد، ألا وهو «ترهيب هذا المجتمع واستفزازه لاستدراج ردود فعل»، وقالت ويتمر إن خطط المتظاهرين تشجع وتسهم في سلوكيات خطيرة، مطالبة أصحاب النوايا الحسنة بالتنديد بتلك الأفعال. وأضافت: «لا مكان لكراهية هؤلاء في ميشيغن»، مؤكدة بأن أولويتها القصوى تتمثل في الحفاظ على سلامة الولاية.
وأوضح البيان بأن الحاكمة الديمقراطية تواصلت مع رئيس بلدية ديربورن بشأن التظاهرة المزمعة، وقالت: «أضم صوتي إلى قائد الشرطة عيسى شاهين وباقي المسؤولين المحليين الذين يطالبون السكان بعدم مواجهة المتظاهرين أو الاحتكاك معهم»، وختمت بيانها بالقول: «معاً، نقف دوماً متحدين ضد الكراهية بجميع أشكالها».
مؤتمر صحفي
عقد رئيس بلدية ديربورن وقائد شرطة المدينة، إلى جانب عدد من رعاة الكنائس المحلية، مؤتمراً صحفياً في مقر دائرة الشرطة يوم الاثنين المنصرم، أكدوا خلاله على وحدة المدينة وتماسك مجتمعها المتنوع في مواجهة المحاولات الرامية إلى إثارة الفتنة وتعميق الانقسام المجتمعي لتحقيق أجندات سياسية مشبوهة على حساب السلم الأهلي.
واستهل شاهين المؤتمر بعرض الخطوط العريضة لخطة دائرته «التي تعمل على مدار الساعة بالتنسيق مع أجهزة إنفاذ القانون المحلية والفدرالية لحماية السكان والممتلكات»، موضحاً بأن «أية قرارات أمنية سيتم اتخاذها سوف تعتمد بشكل كامل على السلوك والامتثال للقوانين وليس على الآراء أو المضمون الفكري للخطاب»، وقال: «نحن نحمي حق الجميع في التعبير عن آرائهم حتى لو كان المضمون مسيئاً لمجتمعنا، لكننا لن نتسامح مطلقاً مع تحويل التجمع القانوني إلى تهديد للأمن العام، فمن يعتدِ أو يغلق طرق الطوارئ أو يلحق أضراراً بالممتلكات سيُعتقل فوراً وفق القوانين المعتمدة في ولاية ميشيغن».
وجدد شاهين دعوته للأهالي بضرورة تجنب منطقة التظاهر والبقاء في منازلهم ما لم تكن لديهم أعمال رسمية أمام المجلس البلدي، مؤكداً بأن تجاهل التظاهرات هو «أسوأ نتيجة لمن يبحثون عن افتعال المواجهات أمام الكاميرات».
من جهته، استعرض الأب بوب مكابي، من كنيسة «ديفاين تشايلد» الكاثوليكية، عمق ارتباطه بالمدينة التي يعيش فيها منذ سنوات، مؤكداً أن ديربورن بنسيجها الاجتماعي، المتنوع والمتماسك، تُعدّ بيئة نموذجية ومثالية لتنشئة العائلات وبناء الخيارات الحياتية في أجواء من الأمان والاستقرار، إلى جانب إتاحة الحرية الكاملة للجميع لممارسة شعائرهم الدينية وفق تقاليدهم الخاصة.
وفي معرض حديثه عن حالة الاضطراب والتحديات التي يثيرها القادمون من خارج المدينة، أشار مكابي إلى أن هذه المواقف تتطلب التمسك بالقيم الإيمانية والأخلاقية، داعياً إلى رحلة ارتقاء تبدأ بالانتقال «من عدم التسامح إلى التسامح، ومن التسامح إلى الاحترام، ومن الاحترام إلى المحبة»، وقال إن ديربورن تجسد هذه القيم بوضوح.
وفي السياق ذاته، شدد القس نايثن هايس، من كنيسة «سوليد روك» الإنجيلية البروتستاتنية، على المعنى الإنجيلي لمفهوم «محبة القريب»، مستشهداً بمثل «السامري الصالح» لبيان أن «القريب هو كل من يقدم الرحمة للآخرين بغض النظر عن الاختلاف في المظهر أو المعتقد أو الانتماء».
واستعرض هايس تجربته الشخصية في ديربورن التي ربى فيها أبناءه الأربعة الذين ارتادوا مدارسها جنباً إلى جنب مع أقرانهم من المسلمين والمسيحيين، مؤكداً بأن التعايش في هذه المدينة حقيقة قائمة يسعى البعض لمحاربتها، ولافتاً إلى أن ما يسعى إليه المتظاهرون الخارجيون لا يتصل بالاحترام أو القيم الإيمانية، بل يتعداه إلى محاولة جذب الانتباه وتحقيق مكاسب سياسية.
وعبّر هايس عن محبته واحترامه لجميع سكان ديربورن، سواء كانوا مسيحيين أو مسلمين أو غير مؤمنين، داعياً أبناء المجتمع المحلي إلى التكاتف وتجاهل الأصوات القادمة من الخارج، والتركيز بدلاً من ذلك على دعم جيرانهم وتعميق المحبة والتفاهم بين بعضهم البعض.
وتعقيباً على حديث القس هايس، أوضح الأب ريك نوفو، من كنيسة «سانكتشواري»، أن وصية «أحبّ قريبك» الكتابية لا تضع شروطاً تتعلق بالعرق أو الدين، بل تنطبق على الجميع دون استثناء، مشيراً إلى أن ديربورن تجسد هذا المفهوم عملياً من خلال تلاحم جميع أطيافها وأديانها لأجل القضايا المشتركة. وأشاد نوفو باللقاءات التي يعقدها رئيس البلدية وقائد الشرطة مرتين سنوياً مع ممثلي شتى الأديان لمناقشة شؤون المدينة وتعزيز أمن دور العبادة، مؤكداً بأن «الخطاب التحريضي الذي يسعى إلى تشويه سمعة ديربورن يأتي دائماً من عناصر خارجية».
مدينة مرّحبة
رئيس البلدية عبدالله حمود، تساءل بنبرة عاطفية عن أسباب استهداف ديربورن المتواصل عبر وسائل الإعلام الأميركية محيلاً السبب الحقيقي وراء ذلك إلى كونها «مدينة مرحبة بالجميع»، مما يشكل تحدياً للبعض ممن يستصعبون رؤية مدينة متعددة الأعراق والأديان واللغات وتكون في الوقت نفسه أميركية بكل امتياز.
وأوضح بأن ديربورن كانت عبر التاريخ نقطة تلاقٍ لعديد الجاليات المهاجرة، كالإيطالية والإيرلندية والبولونية والفلسطينية واللبنانية واليمنية، التي تعايش أبناؤها ومارسوا عقائدهم الدينية جنباً إلى جنب في المدينة التي تضم حالياً زهاء 30 كنيسة و12 مسجداً، وقال إن ما يجري على وسائل الإعلام وعلى صفحات التواصل الاجتماعي هو «مسرح سياسي» يتوخى جني الأرباح والمكاسب، في إشارة إلى دعوات التظاهر التي يحشد لها لانغ وأنصاره.
وشدد رئيس البلدية على أن ديربورن «تتبرأ من الكراهية» وتنعم «بروح الجيرة النموذجية»، مستشهداً بالآية القرآنية «وخلقناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا»، وقال إن المدينة المتنوعة إثنياً وثقافياً لا تهتم بنوع الكتاب الديني الذي يتعبد به الأشخاص، بقدر ما تهتم بضمائرهم وقيمهم واللطف الذين يحملونه في قلوبهم، داعياً السكان إلى مواصلة حياتهم وأنشطتهم المعتادة وارتياد مطاعمهم المفضلة.
وألقى حمود، الضوء على أواصر المحبة والاحترام التي تميز المدينة، حيث يتبادل الجيران الوجبات عبر أسوار المنازل ويتشاركون الأفراح والأحزان بغض النظر عن انتمائهم الديني، موصياً السكان بعدم تغيير نمط حياتهم وعدم التأثر بالأصوات النابية القادمة من الخارج.
واستعاد حمود إحدى ذكرياته المؤلمة كطفل مسلم، حين أشهر أحدهم مسدسه في وجهه وهو في سن الحادية عشرة في أعقاب هجمات 11 أيلول (سبتمبر) 2001، موضحاً بأن ذلك التصرف لم يمنعه من الاعتزاز باسمه، عبدالله حسين حمود، مثل أي أميركي آخر، وقال إن محاولات بث الخوف والتفرقة ستفشل، وأن المدينة وأماكن العبادة ستظل آمنة بفضل حكمة أهلها وكفاءة جهاز شرطتها.
وفي رده على أسئلة الصحافيين، تحدث حمود عن التصاعد الملحوظ في خطاب الكراهية والعداء ضد المسلمين والعرب الأميركيين مع كل دورة انتخابية، مشيراً إلى أن هذا التصعيد يزداد مع وجود مرشحين مسلمين في السباقات الانتخابية، وأن بعض السياسيين يستغلون ذلك لتعزيز حظوظهم عبر تعزيز الانقسامات وإثارة المخاوف المجتمعية.
وفيما يتعلق بالاحتجاجات المرتقبة، تناول حمود قصة أحد المتعصبين الذين قصدوا ديربورن للتظاهر ضد الإسلام ثم غيّر رأيه بالكامل بعدما لمس بنفسه دفء وحفاوة المجتمع المحلي، داعياً الجميع إلى استكشاف المدينة بأنفسهم، والتفريق بين حرية التعبير والخطاب التحريضي.







Leave a Reply