إبتسام خنافر
لا أعرف متى بالضبط تحوّلت ورقة النعي من إعلان وفاة إلى مناسبة عائلية لإعادة ترتيب الألقاب، لكن المؤكد أن المرحوم، في بعض أوراق النعي، ليس أكثر الأشخاص حضوراً. هو موجود طبعاً، واسمه في الأعلى وبالخط الكبير، تحيط به عبارات الرحمة والأسى، لكن ما إن تنزل بعينيك قليلاً حتى تبدأ الحياة بكل نشاطها: الدكتور فلان والمهندس فلان والمستشار فلان والمدير العام أو رئيس مجلس الإدارة فلان ابن علتان… وإذا صادف أن في العائلة قاضياً أو سفيراً سابقاً أو صاحب منصب مهم، فمن غير اللائق، على ما يبدو، أن يُدفن الميت قبل أن يعرف الناس بذلك.
أحياناً، تقرأ ورقة النعي فتنسى للحظة من الذي توفي. تتوه بين الأسماء والأنساب والمصاهرات والمناصب، ثم تضطر إلى العودة إلى أعلى الورقة لتتأكد: آه نعم، هذا هو المرحوم. ثم تعود إلى الأسفل لتكمل الرحلة، فتكتشف أن الدكتور فلان ابن أخيه، وأن المهندس فلان صهره، وأن المدير الفلاني نسيب العائلة. وهكذا تدخل إلى النعي لتعرف من مات، وتخرج منه وقد أصبحت لديك فكرة ممتازة عمّن ما زالوا على قيد الحياة.
ولورقة النعي قرّاؤها المحترفون أيضاً. هؤلاء لا يقرأونها من الأعلى إلى الأسفل مثل عامة الناس، بل تذهب أعينهم مباشرة إلى الآسفين والأقارب: مَن هو والده؟ أولاده؟ أخوته؟ بعدها تبرق لحظة الاكتشاف الجميلة: «أيعقل أن فلاناً نسيبه؟»… هكذا تتحول وفاة شخص لم يره القارئ في حياته إلى فرصة لإعادة رسم الخريطة الاجتماعية للآسفين. تعرف من تزوج مَن، ومن أصبح طبيباً، ومن ترقّى، ومن دخل العائلة ومن خرج منها، وتكتشف في النهاية أن أحوال الجميع، والحمدلله، بخير… باستثناء المرحوم.
أما إعداد ورقة النعي نفسها، فليس بالمهمة السهلة التي قد يتصورها البعض. وإذا كان الشخص المتوفى واحداً فإن هناك عدداً كبيراً من الأحياء الذين يجب الحرص على مشاعرهم: هل كتبنا «الدكتور» قبل اسم فلان؟ والمهندس..؟ والأستاذ..؟ وفلان لم يعد مديراً فقط، لقد أصبح مديراً عاماً، رجاءً عدّلوها. والحاج أبو فلان؟ لا تنسوا «الحاج». وهكذا تتحول مراجعة النعي إلى عملية دقيقة، لأن الخطأ في اسم الميت قد يُغتفر، أما إسقاط لقب أحد الأحياء فقد يفتح للعائلة باب عزاء آخر لم يكن في الحسبان!
أما المرحوم، لحسن الحظ، فهو أكثر أفراد العائلة تعاوناً في هذه الحالة. لن يعترض على ترتيب الأسماء، ولن يتصل غاضباً لأن لقبه سقط سهواً، ولن يسأل لماذا جاء اسم فلان قبل فلان، ولن يدخل في نقاش حول حجم الخط. لقد أصبح فجأة شخصاً سهل الإرضاء إلى درجة مثالية. المشكلة كلها في الذين ما زالوا على قيد الحياة؛ فهؤلاء لديهم ذاكرة ممتازة، ويلاحظون التفاصيل، وقد يتذكر أحدهم بعد سنوات في عزاء عائلي آخر، أنه في النعي السابق وُضع اسمه بعد ابن عمه، مع أنه، من الناحية الوظيفية على الأقل، كان يستحق مكاناً أفضل.
ثم تأتي مسألة الترتيب، وهي علم قائم بذاته ولا يستند إلى ترتيب الحروف الأبجدية أو تاريخ الميلاد. ليس المهم أن يظهر الاسم فحسب، بل أين يظهر، وبعد مَن، وقبل مَن، وهل جاء منفرداً بكامل هيبته أم وجد نفسه محشوراً بين مجموعة من الأقارب بعد عبارة «وأنسباؤه». هناك فروق اجتماعية دقيقة قد لا يفهمها الموت، لكن العائلة تفهمها جيداً. والموت، كما نعرف، يساوي بين البشر، أما ورقة النعي فليست ملزمة دائماً بهذه القاعدة.
ولا يعني كل هذا أن الحزن غير حقيقي. فالناس تحزن وتبكي وتشعر بقسوة الفقد وتتألم بصدق. وربما لهذا تبدو الصورة أكثر طرافة وإنسانية: يمكن لأسرة أن تبكي شخصاً أحبته، ثم تنتقل بعد دقائق إلى نقاش جاد حول ما إذا كان ينبغي كتابة لقب المحامي أو الدكتور أو الأستاذ خلف اسم فلان. نحن لا نتوقف عن كوننا بشراً لمجرد أن الموت حضر بيننا؛ نحزن بطريقتنا، ونختلف بطريقتنا، ونحمل معنا إلى أكثر اللحظات جدية كل تلك التفاصيل الصغيرة التي تشغلنا في الأيام العادية.
أما الميت نفسه، فقد أنهى علاقته بكل هذه التفاصيل. لم يعد يعنيه إن كان اسمه بخط كبير أو صغير، ولا إن سبقه الدكتورُ أو المهندس، ولا إن نسي أحدهم منصب ابن أخيه. إذ هو الوحيد في الورقة الذي لم يعد يطلب إعجاب أحد، ولا يحتاج إلى تعريف، ولا يخشى أن يُساء فهم مكانته. ومع ذلك، نستمر نحن في ترتيب الأسماء وتصحيح الألقاب وإضافة منصب سقط سهواً وإعادة اسم حُذف ثم عاد بعد مكالمة هاتفية عاجلة.
وفي النهاية، قبل أن تذهب الورقة إلى المطبعة أو إلى مواقع التواصل الاجتماعي، تُقرأ للمرة الأخيرة. الاسم صحيح، تاريخ الوفاة صحيح، موعد الدفن صحيح، مكان العزاء صحيح… يبدو أن كل شيء جاهز.
عندها فقط يمكن للمرحوم أن يُدفن مطمئناً.






Leave a Reply