ذاكرة تُغنّي مع كل حرب
إبتسام خنافر
لسنا بحاجة إلى البحث طويلاً عن الأغنية الوطنية. فهي دائماً ما تجد طريقها إلينا.
تعود في كل مرة تعود فيها الحرب، وكأنها جزء من ذاكرتنا التي لا تهدأ. تظهر فجأة، من دون موعد، من دون إعلان، فنسمعها كما لو أننا لم نتوقف يوماً عن سماعها. كأنها كانت تنتظرنا، أو كأننا نحن من كنّا ننتظرها.
نحن أبناء جيل لم يتعرّف إلى هذه الأغاني في صالات المسارح، بل في نشرات الأخبار، وفي أحاديث الكبار… في زمن كان فيه الخوف أكبر من الكلام. كبرنا وهي كبرت معنا، لا كخلفية موسيقية، بل كجزء من الذاكرة. كانت تُغنّى… وكنّا نعيشها.
في لبنان، لم تكن الأغنية الوطنية يوماً ترفاً فنياً. كانت ضرورة… شيئاً يشبه اليد التي تُمدّ في الظلمة. خلال الحروب، كانت الكلمات تُقال بوضوح لا يحتمل التأويل، والألحان تُبنى لتصل بسرعة، لتُحفَظ، لتُردَّد. لم تكن الأغنية تُطلب، كانت تُلتقط. تنتقل من فمّ إلى آخر، ومن شارع إلى آخر، حتى تصبح صوتاً جماعياً، لا يُعرف من بدأه.
كانت تمرّ فيروز بصوتها، لا كأغنية، بل كحالة كاملة، تحمل في طيّاتها شيئاً من الوطن الذي نحاول أن نتمسّك به، حتى وهو يتغيّر، كأنه ينهض في كل مرة من رماده.
وكانت جوليا بطرس تُغنّي، فتصبح الأغنية موقفاً، شيئاً يُقال بوضوح، بلا خوف. وفي مكان آخر من هذه الذاكرة، كان مارسيل خليفة يهمس: «أحنّ إلى خبز أمي»… فنشعر أن الوطن لم يعد مكاناً فقط، بل حنيناً… شيئاً يُحمل في القلب أكثر مما يُعاش على الأرض.
«أناديكم» بصوت الفنان الراحل مؤخراً، أحمد قعبور، لم تكن أغنية فقط. كانت نداءً فعلاً. شيئاً يعبر المسافات من دون أن يستأذن، ويستقر في الأماكن التي تشبهه. وكذلك «وين الملايين» لجوليا بطرس، لم تكن مجرد كلمات، بل حالة من الغضب المشترك، ومن الأمل الذي يرفض أن ينطفئ، حتى وهو يتعب.
ولم يكن هذا الصوت محصوراً في لبنان. في مكان آخر من هذا العالم العربي، كانت الأغنية الوطنية تُصنع بالطريقة نفسها –بالروح– وإن اختلفت ملامحها. في مصر، حين كانت أم كلثوم تغنّي للجيش في زمن الحرب، لم يكن صوتها مجرد أداء. كان حدثاً. لحظة يجتمع حولها الناس، ليسمعوا أكثر من أغنية، ليشعروا أن هناك ما يزال ما يمكن التمسّك به.
كأن هذه الأغاني، في كل مكان، كانت تؤدي الدور نفسه: أن تمنح الناس شعوراً بأنهم، رغم كل شيء، ما زالوا معاً.
اليوم، تعود هذه الأغاني كلما عادت الحرب. نسمعها من جديد، نعيد مشاركتها، نكتشف أننا ما زلنا نحفظها، وأنها ما زالت تحفظنا بطريقة ما. لكنها، في الوقت نفسه، لم تعد كما كانت.
تُنتَج أغنيات وطنية جديدة، هنا وهناك، لكنها لا تجد لنفسها مستقراً في القلوب، ولا تتحول إلى ذاكرة مشتركة. كأن الزمن لم يعد يسمح بذلك.
ربما لأن العالم تغيّر، وربما لأننا نحن تغيّرنا. لم نعد جمهوراً واحداً، ولا نعيش اللحظة نفسها بالطريقة نفسها. حتى فكرة «الوطن» لم تعد بسيطة كما كانت، بل أصبحت محمّلة بأسئلة، بثقل التجارب، وبشيء من الشكّ الذي لم يكن حاضراً بهذا الوضوح من قبل.
ومع ذلك، تبقى تلك الأغاني الوطنية القديمة قريبة. لا تختفي. تنتظر فقط. ومع كل حرب، تعود، لا لتقول شيئاً جديداً، بل لتذكّرنا بما كنّا نشعر به، وبما زلنا نحاول أن نشعر به.
ربما لم تعد الأغنية الوطنية اليوم، قادرة على أن تكون الصوت الجمعي. وربما لم يعد هذا ممكناً أصلاً. لكن ذلك لا يلغي حقيقتها الأعمق: أنها ليست مجرد أغنية، بل ذاكرة. ذاكرة تُغنّي كلما عادت الحرب، وكأنها ترفض أن تصمت.







Leave a Reply