منذ عودته من الصين، تبنّى الرئيس الأميركي دونالد ترامب، يوماً بعد آخر، نهجاً أكثر ليونة ونبرةً أقل عدائية تجاه إيران دون إلقاء عصا التهديدات باستئناف العمليات العسكرية ضد الجمهورية الإسلامية. فبعد أن كان – يوم الاثنين الماضي – على بُعد «ساعة واحدة» من اتخاذ قرار استئناف الحرب، بدأ ترامب – بحلول يوم الخميس – يتحدث عن «نهاية قريبة» للأزمة، مخفّضاً سقف طموحاته إلى «أسمى الأهداف وأهمّها» – وفق تعبيره – وهو «حرمان إيران من اقتناء سلاح نووي» مع تمسّكه بالحصول على مخزون طهران من اليورانيوم عالي التخصيب «بطريقة أو بأخرى».
ووجد الرئيس الأميركي في تقديم إيران، عبر الوسيط الباكستاني، اقتراحاً جديداً لوقف الحرب، فرصة للنزول عن الشجرة زاعماً بأنه أرجأ هجوماً كان مقرّراً عليها يوم الاثنين الماضي.
وقال ترامب إن «الهجوم الذي قرّرتُ تعليقه، كان سيكون جارياً حالياً في إيران»، مضيفاً بأنه كان «على بعد ساعة من إعطاء الإشارة بشأن الهجوم العسكري الذي كان مقرَّراً على إيران، قبل أن يقرّر تعليقه»، مشيراً إلى أنه قرر إرجاء العملية لإعطاء المفاوضات الجارية فرصة إضافية للتوصل إلى اتفاق بعد وساطة دول خليجية.
ولفت ترامب إلى أن أمير دولة قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، وولي عهد السعودية الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز، ورئيس دولة الإمارات الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، طلبوا منه تأجيل الهجوم العسكري المخطط على إيران، وهو ما نفته لاحقاً العواصم المعنية.
ومع تراجع لغة التهديد في الأيام التالية ارتفعت أسهم المسار التفاوضي بسلسلة تصريحات إيجابية من واشنطن وطهران، حتى أن المصادر باتت تتحدّث عن نقاط قليلة عالقة في المفاوضات غير المباشرة الجارية عبر الوسيط الباكستاني، وسط تمسك طهران بحقوقها كاملة، بما في ذلك، البرنامج النووي وإدارة مضيق هرمز الاستراتيجي.
وعلى وقع استمرار جهود الوساطة الباكستانية في سدّ الفجوات القائمة، أعرب ترامب في تصريحات إعلامية عن رغبته بإنهاء «أزمة إيران» قريباً، مردفاً أن ذلك سينعكس مباشرة على خفض أسعار المحروقات التي باتت ترهق كاهل المستهلك الأميركي والعالمي مع استمرار السيطرة الإيرانية على مضيق هرمز الاستراتيجي.
غير أن ترامب لوّح في الوقت نفسه بإمكانية العودة سريعاً إلى الخيار العسكري ضدّ إيران، معتبراً أن المحادثات باتت «في مفترق طرق».
وقال ترامب، من قاعدة آندروز المشتركة يوم الأربعاء المنصرم: «صدقوني، إذا لم نحصل على الردود الصحيحة، فإن الأمور ستتحرك بسرعة كبيرة. نحن جميعاً مستعدون للتحرك». ورداً على سؤال عن المهلة التي سيمنحها للمفاوضات، قال: «ربما تكون بضعة أيام، لكن الأمور قد تتحرّك بسرعة كبيرة».
كما كشف ترامب عن تنسيق مستمر مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الذي يواصل السعي لاستئناف الحرب على إيران، رغم ادعاء الرئيس بأن الأخير سيفعل ما يريد منه بشأن هذا الملف.
لكن ترامب نفسه، كان على وشك أن يصبح مقيّد اليدين تجاه إيران، لولا أن ألغى قادة الحزب الجمهوري في مجلس النواب الأميركي، التصويت على قرار يهدف إلى إنهاء الحرب على إيران ما لم يحصل الرئيس على تفويض من الكونغرس، وذلك بعد يومين من إقرار الإجراء في مجلس الشيوخ.
ودعا المشرعون الديمقراطيون، وبعض الجمهوريين، ترامب إلى التوجه الى الكونغرس للحصول على تفويض باستخدام القوة العسكرية، مشيرين الى أن الدستور الأميركي ينص على أن الكونغرس، وليس الرئيس، هو الذي يمكنه إعلان الحرب. وعبروا عن مخاوفهم من أن ترمب ربما يكون أدخل البلاد في صراع طويل دون وضع استراتيجية واضحة.
يأتي كل ذلك وسط توجّس إيراني مفهوم من خديعة أميركية–إسرائيلية جديدة، بعد خديعتين سابقتين انقلب فيهما ترامب على المسار التفاوضي بدفع من نتنياهو، إذ حذّرت إيران بشدة، من استئناف الهجمات عليها، حيث قال حرس الثورة في بيان «لو تكرر العدوان على إيران، فإن الحرب الإقليمية الموعودة ستمتد هذه المرة إلى مناطق أبعد من المنطقة».
من جهته، أكد رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف أن «التحركات الظاهرة والخفية للعدو» تظهر أن الأميركيين يستعدون لهجمات جديدة.
أما الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان فقال إن طهران لا تزال منفتحة على المفاوضات، لكنه أضاف في منشور على منصة «أكس» أن «إجبار إيران على الاستسلام عبر الإكراه ليس إلا وهماً».
اتفاق قريب؟
في المقابل، تؤكد مصادر الوسيط الباكستاني الذي توالت وفوده إلى طهران على مدار الأسبوع الماضي، أن كلّ الظروف باتت متوفّرة للوصول إلى اتفاق، وأن الطرف الأميركي جاهز للتعاون وإبرام صفقة استناداً إلى ورقة الشروط التي كانت قدّمتها إيران سابقاً. لكن، بحسب المصادر نفسها، «يبقى ملف اليورانيوم المخصّب بنسبة 60 بالمئة وما فوق، والبالغة كميته نحو 440 كيلوغراماً، هو العائق الوحيد والأهمّ أمام الوصول إلى اتفاق»؛ إذ يرى الوسيط الباكستاني أنه «من المستحيل أن تقبل الولايات المتحدة وإسرائيل باتفاق يُبقي هذه الكمية داخل إيران».
وفي السياق، أعلن المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية، إسماعيل بقائي، أن بلاده تلقت «وجهات نظر الولايات المتحدة، ونعكف على دراستها»، في حين نقلت وكالة «رويترز»، مساءً، عن مصدر إيراني رفيع قوله إنه «لم يتمّ التوصّل إلى اتفاق بعد، لكن الفجوات تقلّصت»، وإن «تخصيب اليورانيوم ومضيق هرمز من بين النقاط الخلافية بشأن الاتفاق».
على أن ما بدا لافتاً هو ما نقلته الوكالة نفسها عن مصدرَين إيرانيَّين كبيرَين، من أن «المرشد الإيراني، السيد مجتبى الخامنئي، أصدر توجيهاً يقضي بعدم إخراج اليورانيوم العالي التخصيب من إيران»، ما يُفهم على أنه تشدّد إيراني إضافي حيال أحد المطالب الأميركية الرئيسة في المفاوضات. وأضافت «رويترز» أن هذا القرار الجديد «قد يثير غضب ترامب، ويعقّد المفاوضات». لكن طهران سرعان ما نفت هذه التقارير، مؤكدة أن تلك الادعاءات «لا أساس لها من الصحة».
في المقابل، أعرب وزير الخارجية الأميركي، ماركو روبيو، عن أمله في أن تنجح الوساطة الباكستانية في دفع مسار التفاوض بين واشنطن وطهران نحو اتفاق ينهي الحرب، مكرراً مطالب ترامب بمنع إيران من امتلاك أسلحة نووية، والحصول على اليورانيوم العالي التخصيب، وفتح مضيق هرمز من دون فرض رسوم.
ورغم استمرار التهديدات الأميركية، تواصل القيادة الإيرانية التمسّك بموقفها المتشدّد، مستندةً في ذلك إلى إرادة شعبية وسياسية واضحة، عابرة للتيارات والأحزاب، عنوانها رفض الاستسلام للولايات المتحدة وإسرائيل، والإصرار على الصمود والمقاومة حتى الوصول إلى الأهداف التي حدّدتها القيادة.







Leave a Reply