التقرير الأسبوعي
رغم حديث الرئيس الأميركي دونالد ترامب المتكرر عن اتفاق وشيك لإنهاء الحرب مع إيران، لم تشِ تطورات الأسبوع الماضي، بأي انفراجة حقيقية في المنطقة، وسط سعي إسرائيلي حثيث لمحاولة إفشال أي صفقة محتملة بين واشنطن وطهران، انطلاقاً من بوابة لبنان.
في المقابل، جاء إصرار الجمهورية الإسلامية على شمول لبنان باتفاق إنهاء الحرب مع الولايات المتحدة، ليربك حسابات إسرائيل بعد تهديدها بمهاجمة ضاحية بيروت لتغيير المعادلات الميدانية القائمة مع «حزب الله»، حيث سارعت دولة الاحتلال –بغطاء أميركي– إلى استغلال انصياع السلطة اللبنانية الحالية لواشنطن بفرض شروطها الخاصة لوقف إطلاق النار، وقطع الطريق على إيران التي تطالب بانسحاب إسرائيلي كامل من جنوب لبنان.
وفي هذا السياق، جاء «إعلان واشنطن» لوقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل، كترجمة رسمية لمسار سياسي تتبناه السلطة اللبنانية منذ أشهر، يقوم على التسليم بأن موازين القوى الإقليمية والدولية تفرض على لبنان التنازلات السياسية تحت عنوان «الواقعية»، وهو مسار، ردت عليه المقاومة سريعاً بوصفه «خطيئة كبرى»، وفق الأمين العام لـ«حزب الله» الشيخ نعيم قاسم، الذي رفض رفضاً حاسماً مضمون الاتفاق والمنطق الذي يحكمه، متهماً القائمين عليه بمحاولة منح إسرائيل في السياسة ما فشلت في انتزاعه بالحرب.
ومع تبني حكومة جوزاف عون–نواف سلام، لمسار سياسي شديد الحساسية، يجد لبنان نفسه على حافة انقسام عميق حول جوهر الخيارات المطروحة. فقد كشفت الجولة الرابعة من مفاوضات واشنطن المباشرة بين لبنان وإسرائيل، حجم الصدع الداخلي القائم. فمن جهة خرج رئيس الجمهورية جوزاف عون، متحدثاً عن تفاهمات ومسارات تنفيذية ومناطق انتشار للجيش قائلاً إن اتفاق واشنطن قد يكون الفرصة الأخيرة، و«إلا فليتحمل كل فريق مسؤولياته».
من جانبه، أطلق رئيس مجلس النواب نبيه بري، مشاورات داخلية واتصالات مع الخارج الذي كان يضغط على الجميع للسير بالإعلان الذي صدر عن واشنطن، فيما تشير أوساط بري، إلى أن الأخير يراهن فقط، على توصل إيران إلى اتفاق مع الولايات المتحدة يكون شاملاً للبنان، ويفرض على دولة الاحتلال وقف الحرب دون أي مقابل.
بدورها، سارعت حكومة بنيامين نتنياهو لتسويق «إعلان واشنطن» داخلياً، كانتصار سياسي، حيث كرر وزير الحرب يسرائيل كاتس، لازمة أن ما جرى في واشنطن يثبّت بقاء قوات الاحتلال في كل المواقع بما في ذلك قلعة الشقيف، بموافقة الحكومة اللبنانية، وبانتظار نزع سلاح «حزب الله»، فيما لحقه نتنياهو بالإعلان عن أن لبنان سوف يشهد ما شهده قطاع غزة في حال لم يتم القبول باتفاق واشنطن.
وبينما قال قائد جيش الاحتلال، إيال زامير، إنّ جيشه «ملتزم بخلق واقع أمني أفضل لبلدات الشمال على المدى الطويل»، أعلن الحرس الثوري الإيراني أن «أي هدوء في المنطقة لن يتحقق ما لم ينسحب الصهاينة من الأراضي اللبنانية المحتلة»، مشيراً إلى أن «شرطه الأساسي لقبول وقف إطلاق النار في الحرب الأخيرة كان وقف إطلاق النار على جميع الجبهات».
وفي هذا الإطار، تفيد التسريبات بأن تل أبيب كانت تعتزم، لولا الضغط الإيراني، وبتنسيق كامل مع الجانب الأميركي، المُضيّ قُدُماً في تنفيذ خطّتها القاضية بشنّ هجمات جوية مكثّفة تمتدّ لعدّة أيام على الضاحية الجنوبية لبيروت أسوة بآخر أيام معركة «أولي البأس» عام ٢٠٢٤ حين اضطرت المقاومة إلى قبول وقف إطلاق النار بسبب استهداف إسرائيل المكثف للمباني المدنية في الضاحية، على أن تتدخل واشنطن هذه المرة، مباشرة، «للجم التصعيد»، وفرض وقف إطلاق نار، ضمن معادلة «الضاحية مقابل المستوطنات».
وتَمثّل الهدف النهائي لهذه الخطة في إتاحة المجال لجيش الاحتلال لاستكمال تصعيده في الجنوب اللبناني واحتلاله، مع تحييد أيّ تحدّيات أو ضغوط قد تَنتج من استهداف الداخل الإسرائيلي من جانب المقاومة. بيد أنه هذه المرّة، جاء الردّ الإيراني مغايراً لكلّ التوقّعات الإسرائيلية والأميركية؛ إذ لم تكتفِ طهران بتحذيرات شفهية من مخاطر التصعيد في لبنان، بل اتّخذت جملة إجراءات «حاسمة» قلبت المعادلة، شملت التزاماً صريحاً بالردّ المباشر على أيّ اعتداء إسرائيلي يستهدف الضاحية، جنباً إلى جنب تجميد المسار التفاوضي مع الجانب الأميركي الذي يبدو متعطّشاً لإنهاء المفاوضات والخروج من مستنقع الحرب. كما وصل الأمر بـ«الجمهورية الإسلامية» إلى حدّ التلويح بإغلاق مضيق باب المندب، وقصف الأراضي الإسرائيلية في حال تمادت إسرائيل في عدوانها على الضاحية.
في المقابل، أثار رضوخ إسرائيل لضغوط ترامب المتعطّش لإنهاء حربه مع إيران، انتقادات إسرائيلية واسعة في الداخل، وسط قلق المؤسسة الأمنية من أن استمرار المعادلات القائمة يخاطر بإفقاد تل أبيب قدرتها على ترسيخ «فصل» الساحات.
وعلى وقع سوء تقدير إسرائيل للموقف الإيراني، والمدى الذي قد تذهب إليه طهران دفاعاً عن حلفائها، انقلبت المعادلة التي سعت تل أبيب إلى فرضها على الساحة اللبنانية، من «الضاحية مقابل المستوطنات»، إلى أخرى مختلفة تماماً، عنوانها «الهدوء مقابل الهدوء»، اعتبرت وسائل إعلام عبرية أنها تحمل في طيّاتها «طابع الرضوخ والإذلال». ويرجع ذلك إلى واقع أنه بعدما راهنت إسرائيل على أن تهديدها بضرب الضاحية الجنوبية لبيروت سيجبر «حزب الله» على قبول شروطها «ورفع الأعلام البيضاء»، سرعان ما وجدت نفسها أمام موقف إيراني حاسم قلَب الحسابات، وأجبر الإدارة الأميركية على التدخّل لكبح جماح حليفتها، ومنع خروج الأوضاع عن السيطرة.
ميدانياً، وكما كان متوقعاً، لم يلتزم الجانب الإسرائيلي باتفاق وقف إطلاق النار الذي أبرمه مع وفد السلطة اللبنانية برعاية أميركية في واشنطن، فواصل استهداف القرى والبلدات اللبنانية. وردّت المقاومة بسلسلة عمليات عسكرية دفعت الإعلام العبري إلى الحديث عن عدد من الأحداث الأمنية الصعبة المتنقلة، والتي أدت إلى مقتل وإصابة عدد من ضباط جيش الاحتلال وجنوده.
أعلن الجيش الإسرائيلي إصابة 63 ضابطا وجنديا في صفوفه بمعارك جنوب لبنان خلال أربعة أيام.
قالت صحيفة «نيويورك تايمز» إن الهجمات المتواصلة التي يشنها «حزب الله» باستخدام مسيّرات سلكية موجّهة عبر الألياف الضوئية كشفت نقاط ضعف غير متوقعة في المنظومة الدفاعية الإسرائيلية، وأثارت حالة من القلق داخل المؤسسة العسكرية والسياسية في إسرائيل.
وبحسب الصحيفة، استُخدمت هذه المسيّرات خلال الأسابيع الأخيرة في سلسلة ضربات مباشرة استهدفت ناقلات جند مدرعة ودبابات ومنظومات دفاع جوي إسرائيلية، بينما أكد جيش الاحتلال أن الهجمات أصبحت شبه يومية.
في الأثناء، يتواصل الجدل في إسرائيل حول القرارات المثلى للتعامل مع التطورات في لبنان، في ظل انتقادات متصاعدة لحكومة نتنياهو حول عدم قدرتها على الحسم.
وقال الباحث الكبير في معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي عوفر شيلح إن المستوى السياسي معني باستمرار الحرب لأن البديل عن استمرارها هو الاعتراف بأن كل التصريحات والوعود الفارغة التي قيلت منذ تشرين الأول 2023 لم تتحقق. واعتبر أن «المستوى العسكري مصاب بصدمة منذ السابع من أكتوبر وقد تخلى عن دوره في صياغة المعركة، ولذلك فهو أيضاً يتحدث باستمرار عن التقدم إلى الأمام، إلى أين سيقودنا هذا التقدم؟ هل سنصل فعلاً إلى بيروت؟ نحن نعيش في وهم الأمن المطلق. لا يوجد شيء مطلق في الشرق الأوسط».
تدخل ترامب
بينما كانت المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل تنعقد على مدار يومين في العاصمة الأميركية، كان النقاش الحقيقي حول الملف اللبناني يتنقل بين إسلام آباد والدوحة في سياق المفاوضات غير المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران عبر الوسطاء، في مشهد عكس حجم الترابط بين مصير الحرب على لبنان والاتفاق الذي يجري الحديث عنه بين طهران وواشنطن.
وانعكس ذلك، خلال الأسبوع الماضي بحديث الرئيس الأميركي اليومي عن الملف اللبناني، متفاخراً بأنه أجرى أول تواصل بين إدارته و«حزب الله»، ومشيراً إلى رغبة في فصل ملف مضيق هرمز عن مسار الحرب في لبنان، فيما أعلن وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي في تصريحات واضحة أن طهران لن تقبل بأي اتفاق مع واشنطن ما لم يتضمن وقف الحرب على لبنان.
وزعم ترامب أن إدارته تحدثت مع «حزب الله» للمرة الأولى، وتبلّغت منه بأنه لن يهاجم إسرائيل مقابل امتناعها عن تنفيذ هجمات مماثلة. وأكد محاولة فصل ملف المفاوضات مع إيران وفتح مضيق هرمز عن القتال الدائر في جنوب لبنان. وأشار إلى أنه تبلغ من نتنياهو، الذي وبخه بشده بسبب تلويحه بمهاجمة بيروت والضاحية مطلع الأسبوع، بأن صواريخ المقاومة مازالت تستهدف إسرائيل، مقرّاً أن «وقف إطلاق النار في لبنان يختلف عن اتفاقات وقف إطلاق النار في مناطق أخرى من العالم».
وبحسب تقرير نشره موقع «أكسيوس» نقلاً عن مسؤولين أميركيين، وبّخ ترامب، رئيس الوزراء الإسرائيلي بحدة خلال مكالمة هاتفية عاصفة، وذلك على خلفية التصعيد العسكري الإسرائيلي في لبنان، موجهاً له الألفاظ الحادة والاتهامات. ووفقاً للمصادر، قال له حرفياً: «أنت مجنون تماماً، لولاي لكنت في السجن، أنا أنقذ حياتك السياسية والجميع يكرهك الآن، والجميع يكره إسرائيل بسبب هذا».
وصرخ ترامب في وجه نتنياهو قائلاً: «ماذا تفعل بحق الجحيم؟»، واتهمه بـ«نكران الجميل». وجاء هذا الغضب لأن الهجمات الإسرائيلية كادت أن تطيح بالمفاوضات الحساسة والمستمرة التي تجريها إدارة ترامب مع إيران للتوصل إلى اتفاق تهدئة إقليمي.
وفرض ترامب إرادته بالكامل على نتنياهو وأجبره على التراجع فوراً عن خطة عسكرية لشن ضربات جوية واسعة النطاق على العاصمة اللبنانية بيروت. وهو ما أكده ترامب علناً لاحقاً بقوله إن القوات التي كانت متجهة هناك قد أُعيدت بالفعل.
في المقابل، شدد عراقجي على الربط بين جبهتَي لبنان وإيران، وأكد: «إمّا أن تتوقف الحرب في إيران ولبنان، أو لا تتوقف لا في إيران ولا في لبنان». وجزم الوزير الإيراني أن «قواتنا المسلّحة مستعدّة لضرب إسرائيل إذا اعتدت على بيروت. وأيّ هجوم على بيروت ستكون له عواقب وخيمة وسيؤدي إلى استئناف الحرب بشكل كامل». وأضاف: «عند وقف إطلاق النار، طلبتُ من رئيس وزراء باكستان إدراج عبارة لبنان، خاصة عند القول إن الحرب تتوقّف في الجبهات كافة. وما تمّ في النهاية هو إدراج لبنان في وقف إطلاق النار». وأردف «أننا لم نسعَ أبداً للتدخل في شؤون لبنان الداخلية، وحزب الله جزء مهمّ من بنيته السياسية».
كما أكّد مستشار قائد الثورة الإسلامية في إيران للشؤون العسكرية، محسن رضائي، في حديثٍ للتلفزيون الإيراني، أن طهران على أهبة الاستعداد لأيّ تصعيد، محذراً الاحتلال الإسرائيلي من مغبة أي خطوة خطأ باتجاه الضاحية الجنوبية لبيروت.
وقال رضائي: «كان يكفي أن يخطو العدو أي خطوة تجاه الضاحية الجنوبية، حتى نحوّل شمال الأراضي المحتلة إلى جحيم، وبقوة تفوق أضعاف ما شهدته حرب الأربعين يوماً»، مشدداً على أن «جميع الصواريخ كانت جاهزة لهذا السيناريو».
وأمام الإصرار الإيراني على ربط الساحات، أكد الرئيس الأميركي، يوم الخميس الماضي، أن الولايات المتحدة «ستنتصر على إيران عسكرياً أو عبر اتفاق»، مشيراً إلى أن من بين أهم نقاط أي اتفاق محتمل مع طهران أن «يفتح مضيق هرمز فوراً».
كما شدد على أن أي استهداف إيراني لجنود أميركيين سيكون «سبباً وجيهاً للعودة إلى الصراع»، في إشارة إلى إمكانية تجدد المواجهة العسكرية بين الجانبين.
وأمام فشل حملته العسكرية في إضعاف إيران وجرها إلى اتفاق سريع، يواجه ترامب نفسه، معضلة داخلية متزايدة ظهرت أولى بوادرها السياسية بقرار أصدره مجلس النواب الأميركي يلزم الرئيس بوقف الحرب على إيران أو اللجوء إلى «الكونغرس» للحصول على تفويض باستكمالها.
وصدر القرار، في ظل إصرار المشرّعين «الديمقراطيين» على لجم ترامب وسط تزايد الانقسام في صفوف «الجمهوريين» مع اقتراب الانتخابات النصفية التي باتت الحرب تهدّد حظوظهم فيها.
وحالياً، من المُرتقب إرسال القرار إلى مجلس الشيوخ، لينظر فيه خلال مدّة لا تتجاوز الأسبوعين ونصف الأسبوع. إلا أنّه حتى لو تمّ إقراره في كلا المجلسَين، فإن قدرة المشرّعين على إجبار الرئيس على سحب القوات تظلّ مسألة قانونية متنازعاً عليها، في وقت يرفض فيه ترامب وكبار مساعديه أيّ جهد يبذله الكونغرس للحدّ من صلاحيات الرئيس الحربية باعتبار هذا الأمر «غير دستوري».








Leave a Reply