ديربورن – إبتسام خنافر
إذا كانت الأرقام الرسمية صحيحة، فإن ديربورن وديربورن هايتس فقدتا معاً أكثر من 6,700 نسمة خلال السنوات الخمس الماضية، غير أن هذه الأرقام تبدو بعيدة تماماً عن الواقع، أقلّه، بالنسبة لمسؤولي المدينتَين الجارتين ذات الكثافة العربية، الذين أعربوا لصحيفة «صدى الوطن» عن تشكيكهم بدقّة التقديرات الرسمية الصادرة عن مكتب الإحصاء الأميركي، وضرورة التحرك لتصحيحها.
فبينما يعتبر النزيف السكاني عادةً، مؤشراً صريحاً على تدهور المدن وفقدان جاذبيتها، تبدو الحقائق على الأرض في الديربورنين، مختلفة تماماً. إذ لا يخفى على أحد أن المدينتين تعانيان من الازدحام الشديد وصعوبة إيجاد المساكن المتوفرة للإيجار أو الشراء، فضلاً عن ارتفاع معدل الولادات وغيرها من العوامل التي تشير عادة إلى طفرة وازدهار سكاني لا إلى تدهور وانحسار.
والحديث عن تراجع السكان لا يؤثر سلباً فقط، على صورة المدينة ونجاعة المسؤولين المحليين فيها، وإنما أيضاً يطال المجتمع بأكمله نظراً لاعتماد النظام الأميركي عموماً على البيانات السكانية في توزيع مخصصات المدن من أموال حكومة الولاية والحكومة الفدرالية.
فعدد السكان هو المعيار الرئيسي الذي تعتمد عليه السلطات المحلية والفدرالية في توزيع مليارات الدولارات سنوياً على البلديات، وأي إجحاف في هذا المجال، يعني حرمان المجتمعات من نصيبها العادل في تمويل البنية التحتية والتعليم والإسكان والبرامج الاجتماعية والصحية وغيرها من الأمور التي تمس الحياة اليومية للسكان، فضلاً عن تأثيره على التمثيل السياسي وترسيم الدوائر الانتخابية.
بمعنى آخر، فإن أي شخص لا يتم احتسابه يعني أموالاً أقل وخدمات أقل لمجتمعه.
وأمام أهمية ذلك، يدور الحديث حالياً في أروقة بلديتي ديربورن وديربورن هايتس، حول ضرورة القيام بتحرك قانوني تصحيحي لمعالجة المسألة، كما فعلت بلدية ديترويت التي قامت برفع دعوى قضائية مستمرة ضد مكتب الإحصاء السكاني بزعم عدم احتساب نحو 25 ألف نسمة من سكانها الفعليين.
ولكن في ديربورن وديربورن هايتس، لم يذهب المسؤولون إلى هذا الحد بعد، لكنهم باتوا يطرحون أسئلة مشابهة، ويعبرون عن شكوك متزايدة تجاه التقديرات الرسمية الأخيرة التي تشير إلى فقدان المدينتين ذات الكثافة العربية الأميركية، لأكبر عدد من السكان مقارنة بأي مدينة أخرى في ولاية ميشيغن خلال العام 2025، وفقاً لأحدث التقديرات السنوية الصادرة عن مكتب الإحصاء الأميركي.
أهمية خاصة
إلى جانب النزيف المستمر «رسمياً» منذ التعداد السكاني لعام 2020، أفادت التقديرات الرسمية الأخيرة بأن مدينة ديربورن فقدت 405 أشخاص خلال العام الماضي وحده فيما فقدت ديربورن هايتس 428 شخصاً. أي أن المدنيتين نزفتا معاً 833 نسمة في عام واحد، مما يقدّمهما على أنهما مدينتان غير جذّابتَين.
إذاً، الأمر لا يتعلق فقط بحجم المدينتين، بل بطبيعتهما الديموغرافية الفريدة أيضاً.
فبحسب «مركز السرديات العربية» التابع لمركز «أكسس»، أصبحت ديربورن أول مدينة ذات أغلبية من أصول شرق أوسطية وشمال أفريقية MENA في الولايات المتحدة، وفقاً لنتائج تعداد 2020 التي أشارت إلى أن 54.5 بالمئة من سكان ديربورن يتحدّرون من أصول عربية، وهو ما يعادل نحو 60 ألفاً من أصل حوالي 110 آلاف نسمة آنذاك.
أما اليوم، ورغم التقدم العمراني الذي شهدته المدينة منذ ذلك الحين، فقد تراجع عدد سكان ديربورن إلى 105,611 نسمة فقط، بحسب التقديرات الرسمية لعام 2025.
وأما في ديربورن هايتس، فقد أشارت تقديرات ودراسات ديموغرافية مختلفة خلال السنوات الأخيرة إلى أن السكان من أصول شرق أوسطية وشمال أفريقية يشكلون ما بين ربع السكان ونحو 39 بالمئة من إجمالي سكان المدينة.
وهذا يعني أن الخطأ المحتمل في احتساب عدد سكان المدينتين رسمياً، قد لا يُنظر إليه وكأنه مجرد خطأ عابر، إذ أن المدينتين تشكلان معاً أكبر تجمع للعرب الأميركيين في ولاية ميشيغن وعموم الولايات المتحدة، مما يثير تساؤلات إضافية حول أسباب هذا «الإجحاف» المحتمل.
وفي الواقع، تضم المدينتان أعداداً كبيرة من المهاجرين والعائلات متعددة الأجيال والمتحدثين بلغات أخرى، وهي الفئات التي يعاني مكتب الإحصاء الأميركي تاريخياً في تعدادها.
الأرقام الرسمية
بحسب أحدث تقديرات مكتب الإحصاء الأميركي، انخفض عدد سكان ديربورن من 109,557 نسمة عام 2020 إلى 105,611 نسمة عام 2025.
وبذلك تكون المدينة قد فقدت، وفق التقديرات الرسمية، 3,946 نسمة خلال خمس سنوات فقط، أي ما يعادل 3.6 بالمئة من سكانها.
أما في ديربورن هايتس، فقد انخفض عدد السكان من 63,292 نسمة عام 2020 إلى 60,536 نسمة عام 2025، ما يعني خسارة 2,756 نسمة خلال الفترة نفسها.
وعند جمع الرقمين معاً، يتبين أن الديربورنين فقدتا رسمياً 6,702 نسمة منذ عام 2020.
غير أن المؤشرات التي يراها يومياً، المسؤولون المحليون في المدينتين لا تبدو متّسقة مع هذه الأرقام، حسبما أفادوا لصحيفة «صدى الوطن».
ديربورن تنمو
في حديث مطول مع المسؤول الإعلامي في بلدية ديربورن، رفض حسن عباس، فكرة أن ديربورن تشهد تراجعاً سكانياً حقيقياً. وقال إن جميع المؤشرات المتوفرة لدى البلدية تشير إلى عكس ذلك، موضحاً أن ديربورن تسجل حالياً أعلى معدل ولادات في ولاية ميشيغن، كما أن نسبة المنازل الشاغرة تقل عن 2 بالمئة.
وأضاف أن دراسة مستقلة للإسكان أظهرت أن المدينة تحتاج إلى ما لا يقل عن 1,500 وحدة سكنية إضافية لمواكبة الطلب الحالي.
ولفت عباس إلى أن البلدية لا تستند في موقفها المشكك إلى «الانطباعات العامة فقط»، بل إلى ما وصفه بـ«مؤشرات قوية» تدعم قناعة المسؤولين بأن عدد سكان ديربورن يواصل النمو فعلاً، مشيراً إلى أن البلدية تتوقع أن يُظهر التعداد الوطني المقبل عام 2030، صورة مختلفة.
وقال: «نحن واثقون من أن عدد سكان ديربورن ينمو، ونتوقع أن نرى أرقاماً أكثر دقة عندما يُجرى التعداد القادم في عام 2030، حيث نتوقع أن نرى ارتفاعاً كبيراً في عدد السكان».
وبحسب عباس، فإن مجرد التحدث إلى العاملين في قطاع العقارات يكشف حجم الطلب المستمر على السكن في المدينة.
وقال: «إذا سألت أيّاً من العاملين في قطاع العقارات المحلي، فسيؤكد لك أن سوق الإسكان في ديربورن ما زال يشهد طلباً مرتفعاً للغاية».
وتابع بأن المشهد اليومي «لا يشبه مدينة تتراجع سكانياً»، لافتاً إلى أن «وسط المدينة المزدحم والمدارس والحدائق وأماكن التجمع المجتمعي، ومشاريع الإسكان الجديدة… هذه ليست سمات مدينة يتراجع عدد سكانها».
مكتب الإحصاء أخطأ من قبل
يقول عباس إن تشكيك البلدية لا يستند فقط إلى ما نراه اليوم، بل إلى تجربة سابقة مع تقديرات مكتب الإحصاء الأميركي.
فبحسب المسؤول الإعلامي لبلدية ديربورن، كانت تقديرات مكتب الإحصاء الأميركي، خلال العقد الثاني من الألفة الثالثة، بعيدة أيضاً عن الواقع.
وقال: «بين عامي 2010 و2020، كانت التقديرات تأتي بعيدة عن الواقع بنسبة تصل إلى 20 بالمئة»، موضحاً أن مكتب الإحصاء كان يقدّر آنذاك، بأن ديربورن فقدت ما بين 8 و9 بالمئة من سكانها، قبل أن يُظهر تعداد 2020 العكس تماماً وتبلغ المدينة ذروتها السكانية.
فقد تبيّن أن ديربورن حقّقت نمواً سكانياً بلغ 12 بالمئة، لتصبح أسرع مدينة نمواً في ولاية ميشيغن خلال ذلك العقد. وقال عباس: «من خسارة 8 و9 بالمئة إلى زيادة بنسبة 12 بالمئة.. إنه فارق كبير».
وذكّر عباس بأن المجتمعات متعددة اللغات والمهاجرين والعائلات متعددة الأجيال، غالباً ما تكون أكثر عرضة للأخطاء في التقديرات السكانية، مؤكداً أن هذه المشكلة ليست جديدة، إذ أظهرت التجارب السابقة أن تقديرات مكتب الإحصاء كانت أقل دقة في المجتمعات التي تضم أعداداً كبيرة من المهاجرين والمتحدثين بلغات أجنبية، وهي خصائص تنطبق بدرجة كبيرة على ديربورن.
وأردف أن البلدية تُراجع حالياً أحدث التقديرات والمنهجية المستخدمة للوصول إليها وتقارنها ببيانات الإسكان والمؤشرات المحلية الأخرى، قبل تحديد الخطوة التالية.
في ديربورن هايتس
في ديربورن هايتس، تبدو الشكوك أكثر وضوحاً. فقد أعرب رئيس البلدية مو بيضون لـ«صدى الوطن» عن «مخاوف حقيقية» بشأن دقة التقديرات الرسمية.
وأقرّ بيضون بأن ديربورن هايتس تستوفي تقريباً جميع العوامل التي تصعّب عمليات التعداد السكاني، مشيراً إلى أن المدينة تضم أعداداً كبيرة من الأطفال الصغار، والمتحدثين بلغات غير الإنكليزية والمهاجرين الجدد والعائلات متعددة الأجيال، إضافة إلى المقيمين في مساكن متعددة الأُسر أو في مساكن مستأجرة.
وقال: «لدينا قلق حقيقي بشأن ما إذا كانت التقديرات الحالية تعكس ديربورن هايتس بدقة».
وأضاف أن ما تراه البلدية على أرض الواقع «لا يشبه مدينة تتراجع سكانياً». وقال: «نرى النمو من خلال بيانات دائرة البناء لدينا. شهادات إشغال المنازل تُصدر باستمرار، والمنازل يتم إشغالها، والأعمال التجارية الجديدة تواصل افتتاح أبوابها في مختلف أنحاء المدينة».
وأوضح أن هذه المؤشرات لا تستند إلى الانطباعات العامة فقط، بل إلى بيانات رسمية لدى المدينة تظهر استمرار إصدار شهادات إشغال للمنازل وانتقال السكان إلى وحدات سكنية جديدة بصورة منتظمة، إلى جانب افتتاح مشاريع وأعمال تجارية جديدة في أنحاء المدينة.
وأضاف: «النشاط الذي نراه على الأرض يروي قصة مختلفة تماماً عن تلك التي تعكسها التقديرات».
كل شخص غير محتسب يعني أموالاً أقل
يرى بيضون أن القضية لا تتعلق بالإحصاءات فحسب. وقال: «كل شخص لا يتم احتسابه هو شخص لا تحصل المدينة على التمويل اللازم لخدمته، ونحن كمدينة ندفع ثمن ذلك»، موضحاً أن أي نقص في احتساب السكان ينعكس مباشرة على حجم التمويل المخصص للطرق والمدارس والإسكان والخدمات العامة.
من جهته، أكد محمد قاسم، المسؤول الإعلامي لبلدية ديربورن هايتس، أن إدارة المدينة تراجع حالياً التقديرات الأخيرة وتبحث الأدوات والموارد المتاحة لفهم كيفية الوصول إليها ومدى دقتها.
وأشار قاسم إلى أن مكتب الإحصاء الأميركي نفسه أقرّ في نيسان (أبريل) 2024 بأن الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين يوم وأربع سنوات تعرضوا لنقص في الاحتساب في جميع الولايات الأميركية خلال تعداد 2020، معتبراً أن هذا الاعتراف يثير أسئلة جدية حول دقة الصورة السكانية الكاملة في مجتمعات لديها نسبة مواليد مرتفعة مثل ديربورن هايتس.
وفي السياق، ألمح بيضون إلى أن الإجحاف اللاحق بمدينة ديربورن هايتس، قد لا يكون عن طريق الصدفة.
وأضاف أنه خلال تعداد 2020 ظهرت «حملات تضليل منسقة استهدفت المجتمعات الأكثر هشاشة»، موضحاً أن بعض أبناء الجالية العربية تلقوا معلومات غير صحيحة تزعم أن المشاركة في التعداد قد تؤدي إلى فقدان المساعدات الحكومية أو الترحيل، فيما تلقى بعض الأميركيين الأفارقة معلومات تزعم أن بياناتهم ستُسلّم للحكومة.
وتابع بالقول: «كانت هذه الادعاءات كاذبة، لكنها نجحت. فالناس ابتعدوا عن المشاركة، ومجتمعاتنا دفعت الثمن من حيث التمويل والتمثيل».
وأكد بيضون أن إدارة المدينة لا تعتقد أن ديربورن هايتس تشهد تراجعاً سكانياً، بل ترى أن نظام التعداد الوطني لا يزال يواجه صعوبة في احتساب مجتمعات مثل ديربورن هايتس بشكل كامل بسبب الحواجز اللغوية وانتشار الأسر متعددة الأجيال وحالات عدم الثقة التي تغذّيها حملات التضليل.
السؤال الأهم
ربما تكون تقديرات مكتب الإحصاء صحيحة. وربما تكون ديترويت وديربورن وديربورن هايتس محقة في شكوكها. لكن المؤكد أن الفجوة بين ما تقوله الأرقام الرسمية وما يقوله المسؤولون المحليون أصبحت كبيرة بما يكفي لإثارة نقاش جدي.
ففي الوقت الذي تتحدث فيه التقديرات عن خسارة آلاف السكان، تتحدث البلديات عن أعلى معدل ولادات في الولاية، وعن نقص في تلبية الطلب على المساكن، وازدهار اقتصادي، ومدارس وحدائق ومراكز مجتمعية تعج بالحياة.
ولهذا السبب لا تدور المعركة اليوم حول 25 ألف شخص في ديترويت أو 6,702 أشخاص في ديربورن وديربورن هايتس، بل تدور حول سؤال أكبر: هل ترى الحكومة الفدرالية مجتمعاتنا كما هي فعلاً؟







Leave a Reply