محمد العزير
توّجت شبكة «سي بي أس» كبرى محطات التلفزيون العريقة في أميركا مسيرتها التنازلية أمام مطالب الرئيس دونالد ترامب، ووضعت هذا الأسبوع، نهاية مأساوية فعلية لأشهَر البرامج الإخبارية الموثوقة على شاشتها، «60 دقيقة»، والذي كان يحظى بمشاهدة تتجاوز تسعة ملايين متابع مساء كل يوم أحد. ففي قرار ملفت، وإن لم يكن مفاجئاً، أبلغ المنتج التنفيذي الجديد للبرنامج نِك بيلتون، الإعلامي المخضرم سكوت بيلي، وهو الوجه الأبرز للبرنامج، بفصله من الخدمة بعد 37 سنة من العمل مع الشبكة، وذلك بناء على تعليمات رئيسة التحرير الجديدة للشبكة باري ويز وصاحب شركة «بارامونت» مالكة الشبكة، ديفيد أليسون.
لم يكن قرار الاستغناء عن خدمات بيلي لأسباب مهنية أو مسلكية، بل جاء تنفيذاً لرغبات ترامب صاحب التاريخ الطويل من النزاعات مع «سي بي أس» وخصوصاً مع البرنامج، والذي كان المهندس الأول لعملية شراء استديو «بارامونت» من قبل أليسون العام الماضي، من أجل هدف واحد وهو إخضاعها لإرادته السياسية التي كانت منذ ترشّحه للمرة الأولى على خصام مع كل الإعلام الرئيسي وخصوصاً مع محطات التلفزيون الكبرى التي تحتل مساحة واسعة من اهتمامه ومتابعته، وتلاءمت نزعات ترامب مع أجندة عائلة أليسون الصهيونية الثرية، التي كانت ممتعضة من الهامش الضئيل لموضوعية الإعلام التقليدي في مقاربته لنتائج حرب الإبادة الإسرائيلية في غزة، ورأت في شراء أحدى الشبكات الثلاث الكبيرة فرصة لخدمة دولة الاحتلال.
لذلك، لم يكن غريباً أن يتم استبدال الإعلاميين المحترفين في الشبكة بآخرين ليس لديهم ما يقدمونه أكثر من الولاء والطاعة والانتماء الصهيوني، وهكذا أصبحت ويز رئيسة التحرير وبيلتون منتجاً منفذاً، لكن قرار الفصل الذي جاء في سياق التغييرات المتسارعة في الشبكة والبرنامج لم يمر بسلاسة أو هدوء، خصوصاً أنه جاء بعد اجتماع عاصف بين ويز وبين أسرة «60 دقيقة»، ولم يتردد بيلي في اتهام ويز بارتكاب مجزرة في حق البرنامج، وذلك رداً على ادعاء ويز بأن البرنامج يعتمد سياسة ليبرالية محابية للديمقراطيين ومناوئة للمحافظين ولترامب شخصياً.
كذلك، لم يتقبل بيلي فرار فصله بصمت، فوجّه رسالة علنية مفصّلة إلى الإدارة، لا شك في أنها ستكون بمثابة مضبطة اتهام ضد البيت الأبيض، ومرجعاً لمن يريد تصحيح المسار بعد الانتهاء من «جائحة» ترامب. قال بيلي في رسالته: «خلال الشهر الماضي، فقد برنامج 60 دقيقة جوهره، (استخدم عبارة حمضه النووي)، عندما تم فصل قيادتنا العليا بأكملها واثنين من أفضل مراسلينا على الهواء بشكل تعسّفي ودون سبب. لقد تم إسكات الأشخاص الطيبين لأنهم دافعوا عن جمهورنا. لقد دافعوا عن العدالة ضد قوى التحيز السياسي. لقد دافعوا عن الاحتراف ضد الفوضى».
وأضاف: «من جهتي، أمرتني الإدارة الجديدة بإدخال الأكاذيب والتحيّز في قصة حساسة سياسياً. لقد طُلب مني تضمين ادعاءات لم يتم التحقق منها. حتى الآن، وفي كل الأحوال، تمكّنت من تجاهل هذه التعليمات أو رفضها. في الآونة الأخيرة، تمت دعوة السياسيين لاختيار المراسلين لإجراء المقابلات على البث الإذاعي. إن منح السياسيين السيطرة على المقابلات ليس الطريقة التي يتم بها القيام بذلك في برنامج 60 دقيقة. وأخيراً، أدّى عدم الكفاءة وعدم الاحترافية في الإدارة الجديدة إلى إحداث الفوضى. وفي حالة تتعلق بإحدى قصصي، كاد البرنامج ألّا يبث حتى 19 دقيقة من الموعد».
وتابع: «في برنامج 60 دقيقة، بذلنا جهوداً مضنية، أكثر مما يتصوره أي شخص، لإنقاذ البرنامج الذي أصبح رمزاً أميركياً. كان ذلك واجباً علينا تجاه ملايين المشاهدين. لقد تأثّرتُ بشدة بآلاف الرسائل التي تلقيناها تحثّنا على «مواصلة الكفاح». لا يزال معظم رجال ونساء «سي بي أس» يخوضون هذا الكفاح. لكن انهيار القيم في أعلى الهرم الإداري بات الآن أمراً لا يُطاق. لم تعد قيادة «60 دقيقة» مألوفة. لقد تلاشت المبادئ التي أعتز بها، ولذا عليّ الرحيل أيضاً».
وسبق للإدارة الجديدة للشبكة أن انهت برنامجاً فكاهياً يقدمه المذيع المعروف ستيفن كولبير الذي دأب على انتقاد ترامب وتقريعه، وذلك بعد طلب ترامب لذلك مباشرة، وهو الأمر نفسه الذي حاوله مع برنامج مماثل تقدمه شبكة «أي بي سي» للمذيع جيمي كيميل، لكن قرار شركة «ديزني» التي تملك الشبكة بوقف كيمل عن تقديم برنامجه قوبل بحملة مقاطعة شعبية واسعة النطاق لمنتجات «ديزني» وخدمات البث التابعة لها، أجبرتها على التراجع عن القرار وإعادة البرنامج كالمعتاد، لكن التأثير الشعبي الذي عدّل القرار لم يكن وارداً في حالة «بارامونت» التي تم شراؤها بأموال طائلة من ثروة مؤسس شركة «أوراكل» التكنولوجية لاري أليسون، والد ديفيد، الذي يحتفظ حتى اليوم بالرقم القياسي للتبرع الشخصي لصالح جيش الاحتلال الإسرائيلي (16.80 مليون دولار).
منذ أن أطلق ترامب حملته السياسية عام 2015، اقتطع من كتاب الاستبداد فصلاً كاملاً عن استعداء الإعلام المستقل وكل المؤسسات المرجعية التي يمكن للمواطنين التعويل عليها لمعرفة الحقائق واستقاء المعلومات، فبكّر في الهجوم على وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمكتوبة ومنصات التواصل الاجتماعي بالجملة وعلى الصحافيين والمعلقين والإعلاميين بالمفرق، ولم يتورّع عن إطلاق وصف «أعداء الشعب» على الإعلام، والدخول في مناكفات علنية معهم خلال جولاته الانتخابية، فضلاً عن تقديم دعاوى قضائية تهويلية تطالب بتعويضات خيالية طالت العديد من الصحف والمحطات العريقة، وقد حقّق نجاحات محدودة في مساعيه تلك، حيث توصّل إلى تسويات رمزية بدون محاكمة مع «سي بي أس» و«أي بي سي»، وشركة «ميتا» مالكة منصة «فيسبوك»، وشركة «غوغل» مالكة منصة «يوتيوب»، فيما أبطل القضاء دعاوى ضد صحف «نيويورك تايمز» و«وول ستريت جورنال» و«واشنطن بوست»، إلّا أن الأخيرة التي يملكها الملياردير جيف بيزوس (أمازون) اختارت أثناء الحملة الرئاسية الأخيرة لترامب أن تسترضيه بعدما كانت سياستها ناقدة له في ولايته الأولى، وتبعاً لذلك جرى تغيير كبار المحررين والمعلقين فيها.
دأب ترامب في ولايته الثانية على تسييس كل الحكومة الفدرالية لتنفيذ أجندته، ولم يتوقف ذلك على وزارة العدل التي باشرت بملاحقة خصومه السياسيين قضائياً، أو وزارة الداخلية التي اعتمدت أساليب الأنظمة الشمولية في استهداف وترحيل المهاجرين غير النظاميين إلى سجون غير شرعية في دول ثالثة، أو بقية القطاعات التي تحول وزراؤها إلى مشجعين ومصفقين له في الجلسات الحكومية المخصصة لتبجيله أمام الإعلام، بل أوعز إلى صديقه بريندان كار رئيس لجنة الاتصالات الفدرالية FCC تحويل اللجنة إلى هراوة سياسية بيد الإدارة، فبادر إلى فتح تحقيقات بلا سبب أو داعٍ لشبكات البث الإذاعي والتلفزيوني التي تستخدم الأثير، وعمد إلى تهديد المحطات التلفزيونية بسحب تراخيصها بعد مطالبة ترامب بذلك حتى ولو كان السبب الإنزعاج من برنامج فكاهي، وهذا أمر لم تعهده أميركا طوال تاريخها. كذلك عمد ترامب بمعية الغالبية الجمهورية في الكونغرس إلى إلغاء موازنات شبكات البث الوطنية المستقلة، كما فتح تحقيقات شاملة في برامجها الإذاعية والتلفزيونية.
حتى الآن، حقق ترامب فوزاً محدوداً بالنقاط في بعض الجولات، لكن الزخم الذي بدأ به ولايته الثانية عندما تحلق حوله أقطاب الإعلام الحديث وأصحاب المنصات والمؤسسات الإعلامية وفي مقدمتهم إيلون ماسك ومارك زوكربرغ وبيزوس وسام ألتمان، لم يترجم نفسه كما أراده، فالذين سايروه ولبوا رغباته الاستبدادية اكتشفوا أنهم فعلوا ذلك على حساب سمعتهم ومصداقية مؤسساتهم، وكان عليهم أن يخففوا من اندفاعتهم لأن المؤسسات التي حافظت على حرفيتها واستقلالها حازت على ثقة الجمهور غير المنحاز والذي ينذر عشية الانتخابات النصفية بهزيمة واضحة لترامب لن تفيده معها انتصاراته الموضعية الراهنة.






Leave a Reply