إبتسام خنافر
انتهى اليوم العاشر من محرّم. هدأت الشوارع التي ضجّت بالناس لأيام، أُزيلت الطاولات التي ازدحمت بأكواب الماء والعصير، وطُويت الرايات التي ملأت المشهد، وعادت الأرصفة إلى شكلها المعتاد…
عبرَ الموكب. لكن بعض الأشياء لا تعبر معه. بل تبقى!
تبقى في البيوت، وفي الذاكرة، وفي تلك المسافة الخفية بين ما نعيشه اليوم وما حمله إلينا من سبقونا.
في ديربورن، لا يحتاج المرء إلى كثير من التأمل ليدرك أن ما يحدث في عاشوراء أكبر من مناسبة دينية. يكفي أن يقف أمام أحد البيوت في اليوم العاشر… أن يرى طفلاً لم يتجاوز العاشرة يقف أمام طاولة صغيرة أعدّتها عائلته منذ الصباح، يرتب الأكواب، ينتظر المارة ويبتسم كلما مدّ يده بكوب ماء.
ذلك الطفل لم يرَ كربلاء. لم يمشِ في طرقاتها ولم يعرف شيئاً من زمنها. ولد هنا. ومع ذلك، يشعر أن له مكاناً في هذه الحكاية. وكأن خيطاً غير مرئي نجح في الوصول إليه عبر أكثر من ألف عام.
هنا تكمن القصة الحقيقية. ليست في الموكب نفسه، بل في ذلك الخيط الذي لم ينقطع… ذاك الخيط الذي نسجته أجيال كاملة من الآباء والأمهات والأجداد وحافظت عليه وسط انشغالات الحياة وضغوطها وتقلباتها.
فالجيل الأول الذي جاء إلى هذه البلاد لم يكن يحمل الكثير. كان يبحث عن عمل وعن سقف يؤويه، وعن فرصة أفضل لأبنائه. لكنه كان يحمل خوفاً أيضاً: الخوف من أن تضيع الحكاية.
أن يكبر الأبناء ذات يوم وهم لا يعرفون من هم، ولا من أين جاء آباؤهم ولمَ تركوا بلادهم وبنوا حياة جديدة هنا.
لهذا لم تكن المؤسسات التي نشأت في ديربورن مجرد مبانٍ، ولم تكن المساجد والحسينيات والمراكز مجرد منظمات غير ربحية وأماكن يجتمع فيها الناس.
كانت محاولة طويلة لحماية شيء لا يُرى: حماية المعنى… حماية الذاكرة… حماية ذلك الخيط الذي يربط طفلاً وُلد هنا بجذور تمتد إلى أماكن بعيدة عبر البحار.
ومن خلال هذه المؤسسات، كبرت أجيال كاملة. تعلمت دينها، تعلمت لغتها، وتعلمت أن الهوية ليست جداراً يفصل الإنسان عن الآخرين، بل جسر يعرف من خلاله، ذاتَه أولاً.
لا يبكي الناسُ الحسينَ لأنه استشهد قبل نحو ألف وأربعمئة عام. فالتاريخ وحده لا يُبكي أحداً كل هذا الزمن.
التاريخ يُقرأ، وأما ما يُبكي فهو ما نجده من أنفسنا داخل الحكاية، ذلك الظلم الذي مرّ بنا يوماً، وتلك الخسارة التي لم تغادرنا تماماً، وذلك الشخص الذي رحل وبقي مكانه فارغاً في القلب، وذلك الحق الذي تمنينا لو أننا دافعنا عنه أكثر، وتلك المعركة الصامتة التي خاضها كل واحد منا في لحظة من حياته…
كل إنسان يحمل بداخله كربلاءه الخاصة، حتى وإن لم يسمها بهذا الاسم.
يحملها الأب الذي أمضى عمره يعمل ليمنح أبناءه حياة أفضل، وتحملها الأم التي تخاف على عائلتها وسط عالم يتغير كل يوم، ويحملها المهاجر الذي بدأ من الصفر، ويحملها الشاب الذي يحاول أن يجد التوازن بين جذوره ومستقبله.. ويحملها كل إنسان وقف يوماً أمام خيار صعب بين ما يؤمن به وما هو أسهل.
لهذا كله، تبدو ديربورن مختلفة.
ففي الوقت الذي توقع فيه كثيرون أن تبتعد الأجيال الجديدة عن هويتها، عاد كثيرون ليبحثوا عن الهوية هنا في ديربورن… في اللغة، في الثقافة، في الدين، في العمل المجتمعي وفي المشاركة السياسية… لا هرباً من المجتمع الأميركي، بل رغبة في أن يكون جزءاً من مكان يجد نفسه فيه.
فالإنسان لا يخاف من الانفتاح عندما تكون له جذور، ولا يخاف من المستقبل عندما يعرف من أين جاء.
بعد أن عبر الموكب، وبعد أن هدأت الأصوات، يبقى مشهد واحد عالقاً في الذاكرة: طفل صغير متشح بالسواد يقف أمام منزله حاملاً كوب ماء. لا يعرف أن وراء ذلك الكوب رحلة عمرها عقود، ولا يعرف أن أجيالاً كاملة تعبت كي يصل هذا المعنى إليه، ولا يعرف أن ما ورثه ليس مجرد عادة، بل حكاية: حكاية جالية كاملة حاولت أن تنجح وأن تندمج وأن تبني وأن تشارك في صناعة مستقبل هذا البلد، دون أن تنسى نفسها ومن أين أتت.
القصة الحقيقية في عاشوراء ليست في الموكب الذي عبر الشارع، فالمواكب تعبر كل عام، والرايات تُرفع ثم تُطوى كل عام، والأصوات تهدأ. لكن ما يبقى فعلاً هو ذلك الخيط الخفي الذي يصل بين ذلك الطفل على رصيف ديربورن، وبين حكاية بدأت مع فجر الإسلام.
ما يبقى، هو الإنسان: الإنسان الذي ما زال يبحث عن معنى وما زال يخاف على ذاكرته، وما زال، رغم كل المتغيرات، يحاول أن يترك لأبنائه شيئاً أكثر قيمة من المال والمنازل والممتلكات. يحاول أن يترك لهم جذوراً.






Leave a Reply