العطاء لا يبدأ من الجيب
الذين يعطون بصمت لا يفعلون ذلك لأن جيوبهم ممتلئة، فقلوبهم لا تعرف كيف تمرّ بجانب الألم وكأنه غير موجود. فليست كل يد تمتد بالمساعدة هي يد إنسان ميسور الحال، فكثير من الأيادي لأشخاص أنهكتهم ساعات العمل الطويلة، وقضوا يومهم بين المسؤوليات والالتزامات، ثم عادوا إلى منازلهم يحملون هموم أقساط المنزل وفواتير الكهرباء وتأمين السيارة ومصاريف الأبناء… ومع ذلك، ما إن يسمعوا عن مريض يحتاج إلى علاج أو طالب أوشك أن يتخلّى عن حلمه أو عائلة ضاقت بها الحياة حتى يفتحوا محافظهم ويقتطعوا منها ما يستطيعون. ليس لأنهم يملكون الكثير، فهُم لا يحتملون فكرة أن يقفوا غير مبالين.
العطاء لم يكن يوماً حكراً على أصحاب الثروات. فهناك من يملك الملايين، ولا يشعر أحد بوجوده في حياة الآخرين، وهناك من ينتظر نهاية الأسبوع ليعرف ما تبقى من راتبه، ومع ذلك يترك فيه نصيباً لغيره. فالعطاء لا يُقاس بما يملكه الإنسان، بل بما يختار أن يتخلى عنه، وقيمة الهدية ليست في حجمها، وإنما في حجم التضحية التي تقف خلفها.
ومن يعيش بين أبناء الجالية العربية في ميشيغن، يدرك أن العطاء ليس موسماً عابراً، ولا مناسبة ترتبط بحدث معيّن، إذ هو جزء من ثقافة متجذرة وأسلوب حياة. فكلما مرّ لبنان بمحنة أو تهدّم بيت أو احتاج مريض إلى دواء أو طالب إلى من يعينه على إكمال دراسته، يتحرك كثيرون بهدوء.
تُفتح القاعات، وتُنظَّم الحملات، وتُجمع التبرعات، وييذل المتطوعون ساعات طويلة من وقتهم، من دون أن يسأل أحدهم: ماذا سأجني في المقابل؟
هذه القصص قلّما تتصدر نشرات الأخبار، لأن الخير بطبيعته لا يحب الضجيج. لا يبحث عن عدسة كاميرا ولا ينتظر تصفيقاً ولا يحرص على أن تُذكر أسماؤه. إنه يعمل بصمت، لكنه يترك في حياة الناس أثراً يبقى طويلاً بعد أن يغيب أصحابه.
في المقابل، هناك من يتناسى هذه الحقيقة. هناك من يتعامل مع عطاء الآخرين وكأنه حق مكتسب، أو واجب مفروض عليهم، وكأن الناس شركاء في أرزاق بعضهم بعضاً. ينسى أن كل دولار قُدِّم له سبقه تعب طويل واستيقاظ قبل شروق الشمس وساعات عمل إضافية وتضحيات كان يمكن أن تكون للعائلة أو للراحة الشخصية.
فالإنسان لا يتعب من العطاء بقدر ما يتعب من الشعور بعدم التقدير ومعاملة إحسانه وكأنه التزام وواجب. فما يبدأ بطيب خاطر، يفقد شيئاً من روحه عندما يتحول في نظر الآخر إلى واجب لا يُشكر عليه، بل حتى يُعاتب إن تأخر عنه أو لم يقدم أكثر. فالعطاء لا يفقد قيمته عندما يقل، وإنما يفقد معناه عندما يصبح فرضاً بدلاً من أن يبقى اختياراً نابعاً من القلب.
ولعل أكثر ما يثير التأمل أن أكثر الناس عطاءً هم غالباً أكثرهم شعوراً بالتقصير. يعتذرون لأنهم لم يستطيعوا أن يقدموا أكثر، بينما هناك من لم يمد يد العون يوماً، ويجد دائماً الوقت الكافي لعتاب الآخرين لأنهم لم يقدموا ما يكفي. فصاحب القلب الكبير يظن دائماً أن بإمكانه أن يفعل أكثر، حتى عندما يكون قد بذل كل ما بوسعه.
ورغم كل ذلك، يستمر العطاء… يستمر لأن الذين يعطون لا ينتظرون ثناءً ولا يخافون لوماً. هم لا يقدّمون الخير ليقال إنهم فعلوا. يفعلونه لأنهم تربّوا على أن الإنسان لا يعيش لنفسه وحدها، وأن اللقمة يمكن اقتسامها مع الآخرين، والوقت يمكن منحه لتخفيف همومهم.
هنا تكمن القيمة الحقيقية لمجتمعنا الاغترابي هنا في ميشيغن؛ ليس في عدد أفراده ولا في حجم أعماله التجارية ونجاحاته الاقتصادية، وإنما في الشعور الإنساني الذي يجعل شخصاً يعيش على بعد آلاف الأميال يرى أن وجع شخص آخر في قرية صغيرة من وطنه الأم هو جزء من وجعه الشخصي.
قد يغيّر الاغتراب العنوان واللغة وإيقاع الحياة وطبيعة العمل، لكنه يعجز عن تغيير شيء واحد: القلب.
ولهذا، كلما ضاق الوطن بأهله، تحرك كثيرون من دون أن ينتظروا اتصالاً أو دعوة أو طلباً. يعرفون أن هناك من يحتاج، فيبادرون، لأن المبادرة بالنسبة إليهم ليست بطولة، فهي مسؤولية أخلاقية وإنسانية.
وسيأتي يوم تُنسى فيه أسماء المتبرعين والجهات الراعية وتختفي صور الحملات وتنتهي المناسبات، لكن سيبقى طفل تعافى وطالب أكمل تعليمه وعائلة استعادت شيئاً من كرامتها، أوسمة غير مرئية على صدور أشخاص اختاروا أن يتركوا أثراً في حياة الآخرين قبل أن يسعوا لتخليد أسمائهم في الذاكرة.
فأهل الخير الحقيقيون لا يُخلَّدون في الصور، وإنما في الدعوات الصادقة التي تخرج من قلوب من غيّروا حياتهم… بصمت.






Leave a Reply