محمد العزير
عاتبني بعض الأصدقاء، في اتصالات هاتفية ورسائل نصية، على ما ورد في مقالتي الأخيرة في «صدى الوطن» تحت عنوان «وطن العربي حقيبة»، وانصبّ العتب على «شبهة» أني أحمّل المواطن مسؤوليات يفترض أن تكون منوطة بالسلطة السياسية والحكومة والنخب، لأن لا قدرة للإنسان العادي على التأثير في مجريات الأمور، وفي معظم الأحيان لا رأي له ولا صوت في كيفية صناعة القرار. واستنكر أحد المتصلين جملة محددة في المقالة وهي أن المواطن يتخذ «موقفاً سلبياً ثابتاً من الشأن العام، و(يكتفي) بالتأفف والتذمر من الأوضاع، التي يشارك في صناعتها والاستفادة منها عندما تتاح له الفرص»، ورأى فيها نوعاً من التجنّي على الناس، خصوصاً لجهة اتهامهم بالمشاركة في صناعة مآسيهم.
لا أعرف كيف لمن يرى ما جرى في الربع الأول من القرن الحادي والعشرين، في العالم العربي بمختلف دوله، مع استثناءات قليلة جداً، ألّا يسأل عن طبيعة العلاقة بين العربي وبين وطنه، وكيف يمكن للناس أن تتعايش مع ما حصل ويحصل، وتبقى تابعة للنخب السياسية والحزبية والدينية والاجتماعية، التي لا تزال تتكل عليهم لتعميم أفكارها وتأجيج خلافاتها وتبرير كل البؤس المحيط بهم، وتجدهم قابلين للانجرار وراء أية فتنة والانخراط في أي مشروع متطرّف والدفاع المستميت عن القيادات والزعامات والرموز التي تكون في معظم الأحيان شخصيات تاريخية لا وظيفة لها سوى أن تكون عناوين للشقاق والتنافر منذ قرون عديدة.
كيف يمكن للصورة العربية الراهنة ألّا تستفز الوجدان والضمير وألّا تطرح أسئلة من النوع الذي ورد في المقالة موضع العتب؟ ربما يحتاج المواطن العربي لسرد مفصل ليعي هول الفاجعة التي يعيشها، والتي لا تقتصر على جعل الهجرة، الحل الوحيد لكل المشاكل! من أين يمكن البدء في رؤية العالم العربي الراهن، حيث الوقائع والأرقام منذ بداية الألفية الثالثة فقط، ترسم خريطة الموت والنزوح والهدر والتدمير الذاتي، والتي يبدو أنها لم تؤثر في الولاءات البدائية والضغائن والكيديات ولم تفتح العيون بعد على الفاجعة المتناسلة؟
ففي فلسطين، أرض القضية الأم، سقط ما يصل إلى مئة ألف قتيل منذ العام ألفين، منهم حوالي 72 ألفاً في قطاع غزة منذ السابع من أكتوبر 2023، وحوالي 3,600 قتيل في الاعتداءات الإسرائيلية على القطاع بين عامي 2008 و2023، وحوالي 4,500 خلال الانتفاضة الثانية بين عامي 2000 و2005، فضلاً عن مئات الآلاف من الجرحى وتشريد جميع سكان القطاع وآلاف العائلات في الضفة الغربية.
وفي سوريا أودت الحرب التي أعقبت الانتفاضة ضد النظام بحياة ما لا يقل عن 520 ألفاً، حسب الإحصاءات المتحفظة، فيما بلغ عدد القتلى بعد سقوط نظام بشار الأسد حوالي 14 ألفاً، سقط معظمهم في جولات عنف ذات طبيعة طائفية، فيما بلغ عدد المهجرين واللاجئين حوالي عشرة ملايين شخص.
وفي لبنان سقط حوالي 9,000 قتيل نتيجة ثلاث جولات حرب مع إسرائيل (2006، 2024 و2026)، وأحداث مخيم نهر البارد بين الجيش اللبناني وحركة «فتح الإسلام» عام 2007، وأحداث أمنية متفرقة وعمليات اغتيال.
وفي العراق الذي شهد الغزو الأميركي عام 2003، سقط حوالي ربع مليون قتيل كنتيجة مباشرة للحرب والمواجهات بما فيها المقاومة ضد الاحتلال، والحرب مع تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) الذي سيطر على أجزاء واسعة من العراق وسوريا، لكن مصادر إعلامية وحقوقية ترى أن أرقام الضحايا أكثر من ذلك بكثير.
وفي اليمن يقدر عدد الذين قتلوا في الحرب الأهلية، وفي المواجهات بين جماعة أنصار الله وبين قوات التحالف الذي قادته المملكة العربية السعودية (والتي استمرت من 2015 وحتى 2022) بحوالي 450 ألفاً، قضى حوالي نصفهم جراء سوء التغذية والمجاعة التي رافقت الحرب.
وفي السودان الذي لا تزال رحى المعارك تدور فيه بعنف منذ أربع سنوات، سقط حوالي نصف مليون قتيل، فضلاً عن حصول أوسع عمليات النزوح التي شهدتها القارة الأفريقية وتشمل حوالي 9 ملايين إنسان. وسبق الحرب الراهنة، النزاع في إقليم دارفور (2003–2020)، والحرب مع القوات الإنفصالية في الجنوب (2000–2005).
وفي ليبيا تجاوز عدد القتلى في الحرب الأهلية المفتوحة منذ سقوط حكم العقيد معمر القذافي 65 ألفاً، أما في الصومال المنسية فيبلغ عدد القتلى حوالي 150 ألفاً، فيما يبلغ عدد ضحايا المجاعات المتواصلة والأوبئة ثلاثة أضعاف ذلك.
وحتى في الدول التي تشهد استقراراً نسبياً مؤخراً، سقط الآلاف من القتلى منذ العام 2000، نتيجة مواجهات أمنية وأعمال عنف وإرهاب، ففي مصر سقط أثناء وبعد ثورة يناير 2011–2014، حوالي ألفي قتيل، كما أدت المواجهات مع المتمردين في سيناء عام 2013، إلى مقتل حوالي 3,000 ضابط وعنصر من الجيش وقوى الأمن وحوالي 6,000 من المجموعات الدينية المتشددة، وفي الجزائر التي شهدت مواجهات دموية مع الجماعة الإسلامية المسلحة خلال العقد الأخير من القرن الماضي أدت إلى سقوط حوالي 200 ألف قتيل، سقط في السنوات الخمس الأولى من الألفية الجديدة، حوالي 15 ألفاً في الحملات الأمنية التي استهدفت الجماعات المتشددة التي رفضت المصالحة الوطنية.
لا تشمل الأرقام هذه، ضحايا الكوارث الطبيعية من فيضانات وزلازل وإعصارات، ولم تتناول بالتفصيل نتائج الأعمال الإرهابية التي نفذتها الجماعات الدينية المتشددة وذهب ضحيتها المئات من المدنيين، والواضح أن رغم كل هذه المصائب الكبيرة لا تزال النخب الفاسدة تسوق التبريرات والحجج لمواصلتها، والأنكى أنها تتواطأ مع الناس في ممارسة نوع خبيث من الكيدية العدمية، حيث يجري تجميل التخريب المتعمد للمصالح الوطنية والمرافق العامة من خلال القصف والتفجير وتصويره كجزء حيوي من المواجهة، التي لا يمكن لعاقل أن يفسرها بشكل مقنع. فما الذي يتقاتل عليه الجيش السوداني مع قوات الدعم السريع التي أنشأها لمساعدته أصلاً؟ وما هو سبب الانقسام في ليبيا التي تتبادل قواتها المتحاربة قصف حقول ومصافي النفط بحماس واضح، وما هو جوهر الخلاف في اليمن، وإلى متى تريد القوى الفاعلة في العراق رهن مستقبله بماضٍ سحيق، ولماذا لا يسود العقل مكان إراقة الدماء؟
صحيح أن عوامل متداخلة تعقّد المشهد، لكن الأصح هو أن أي تدخل خارجي لا يكون ممكناً بلا تواطؤ داخلي، تتولاه النخب التي تعرف المسافة الفاصلة بين المواطن وبين وطنه، وتسعى دوماً إلى توسيعها لتبقى في منأى عن المساءلة. وصحيح أن المجتمعات العربية لم تتعرف إلى مفهوم الدولة الحديثة القائمة على مبدأ المواطنة إلّا بعد الحرب العالمية الأولى، لكن ذلك لا يعفي الناس من تحمل المسؤولية، بدل التلطي خلف ذهنية الضحية وإلقاء اللوم دائماً على الآخرين.
ثمّة قصة شهيرة تلخّص معضلة علاقة العربي بوطنه ومفادها أن الشيخ محمد متولي الشعراوي وهو من أبرز من روّج للإسلام السياسي العنيف، قال إنه سجد شكراً لله عندما هُزمت مصر على يد إسرائيل في حرب حزيران 1967، وبرّر ذلك بأنه لم يكن يريد النصر لدولة مرتمية «في أحضان الشيوعية والإلحاد» و«لا يريد أن يُنسب النصر لغير الله لأن الجيش لم يكن مستعداً إيمانياً». هكذا ببساطة وضع الشيخ، الذي شغل لاحقاً منصب وزير الأوقاف في أكثر من حكومة في عهد أنور السادات، وجهة نظره الدينية فوق وطنه وفوق سيادته، ولم يجد غضاضة في ذلك.





Leave a Reply