إبتسام خنافر
سقطت ورقة أمامه. لم يكن في الأمر ما يستحق التوقف، فنحن نمرّ كل يوم فوق أوراق كثيرة من دون أن نراها. لكن صوت المذيع، القادم من سيارة توقفت عند الإشارة، جعله ينتبه إليها. كان يتحدث عن بلد يهتز من الداخل، عن حكومة تتغير، وعن أناس خرجوا إلى الشوارع لأنهم يريدون أن يصنعوا غداً مختلفاً. نظر الرجل إلى الورقة وفكّر: كم يشبه التاريخ هذه الأشجار. أشياء نظنها راسخة، ثم تأتي هبّة ريح واحدة لتكشف هشاشتها.
كان صباحاً من أواخر سبتمبر. الصيف انسحب من المدينة بهدوء، الهواء أبرد والنهار أقصر، وبدأ الأخضر يفقد مكانه على مهل. هناك من ينتظر الخريف بشوق: المطر، رائحة الأرض، كوباً ساخناً خلف نافذة باردة. وهناك من تكفيه أول ورقة صفراء ليشعر أن شيئاً ما انتهى. وربما نحن لا نختلف حول الفصول بقدر ما نختلف حول ما تعنيه لنا.
كان الرجل يعرف شيئاً عن ذلك. قبل سنوات رأى أول شعرة بيضاء في رأسه، فضحك ونزعها. ثم جاءت أخرى حتى لم يعد هناك معنى لعدّها. لاحظ أن صوت أبيه صار أبطأ، وأن ابنه الذي كان يمسك إصبعه ليعبر الشارع أصبح يمشي أمامه الآن. وأصدقاء كانوا يعرفون تفاصيل أيامه أصبح بعضهم مجرد أسماء في هاتفه، يمرّ عليها ويقول في نفسه: يجب أن أتصل به يوماً. ثم تمر الأيام ولا يتصل.
الأحلام لا تموت دائماً بضجة. لا تقام لها مجالس عزاء. معظمها يذبل ببطء إلى درجة أننا لا ننتبه إلى غيابها إلا بعد زمن.
هكذا تعلّم أن الفقد ليس جنازة دائماً. قد تفقد شخصاً لا يزال حياً، وحلماً لم يقل لك إنه سيرحل، وزمناً كاملاً لا يزال موجوداً، ولكن، في الصور فقط.
وفي المساء، دخل الخريف إلى بيته بطريقة أقل شاعرية. جلس إلى المائدة وفتح فاتورة. نظر إلى الرقم في أسفلها، ثم أعاد النظر لعل الرقم يتغير. كان التلفاز في الغرفة المجاورة يتحدث عن التضخم وأسعار الفائدة والنمو الاقتصادي. كلمات كبيرة، لكن الاقتصاد حين يدخل البيوت يتخلى عن لغته الكبيرة، ويصبح أرقاماً وحسابات بسيطة: ربما ليس هذا الشهر، فلنؤجلها قليلاً… ربما للعام القادم.
فالناس لا يفهمون الاقتصاد عبر الرسوم البيانية. فهم يعيشونه في حياتهم اليومية، حين تعيد أم شيئاً من عربة التسوق إلى الرف بعد أن نظرت إلى سعره الجديد، وحين يعمل أب لساعات إضافية، وحين يؤجل شاب زواجه عاماً آخر لأن بداية الحياة الزوجية نفسها أصبحت أغلى من العام السابق.
والمدن أيضاً لها خساراتها التي لا تظهر دائماً في نشرات الأخبار. مصنع يغلق بابه، ومتجر قديم يطفئ لافتته للمرة الأخيرة، وعائلة تحمل صناديقها وتغادر بحثاً عن فرصة أخرى. شارع كان مزدحماً يصبح هادئاً، وبيوت كانت تعجّ بالناس أمست نوافذها مظلمة. هكذا تتغير المدن، ليس دفعة واحدة، بل يكون متجراً بعد متجر، وعائلة بعد أخرى.
والدول أيضاً تتغير… تنمو تذبل وتندثر. أفكار كانت تبدو راسخة تتراجع، وقوى تصعد وأخرى تخسر مكانتها، وتحالفات تتبدل، وأجيال تأتي وأجيال تذهب بعد أن تشهد على انهيار ما كانت تظنه سيبقى إلى الأبد. وربما لهذا نستعير الفصول حين نتحدث عن السياسة.
في أواخر عام ٢٠١٠ وخلال ٢٠١١، خرج الناس في عدد من البلدان العربية إلى الشوارع، وسرعان ما انتشر اسم «الربيع العربي». وكان في الاسم الكثير من الأمنيات، فالربيع يحمل معنى البداية، شيئاً أخضر بعد اليباس. لكن السنوات مرّت، واختلفت مسارات البلدان، ولم تتحقق الآمال. فظهرت كلمات أخرى، قال بعضهم «الشتاء العربي»، وقال آخرون «الخريف العربي». وكأننا حين عجزنا عن فهم ما جرى، ذهبنا إلى الطبيعة نستعير من قاموسها.
ورغم مقولة، التاريخ يعيد نفسه، إلا أن تاريخ الشعوب ليس شجرة. فالشجرة تدرك، بطريقة ما، أن الربيع سيعود، أما الشعوب فلا يجوز لها أن تنتظر. عليها أن تصنع ربيعها بيدها.
لا يوجد موعد على جدار التاريخ نستطيع أن نقول عنده: هنا تنتهي الأزمة، وهنا يبدأ الربيع. فتحولات المجتمعات تصنعها قرارات البشر والمؤسسات والاقتصاد والظروف والصراعات، والانتظار وحده لا يكفي.
وكم نظلم الخريف حين نختصره بتساقط أوراق الإشجار، فهو أيضاً موسم حصاد. فيه يحصد الفلاح ما زرعه، وفي خريف العمر يكتشف الإنسان نتائج قرارات اتخذها منذ سنوات وعقود، كما تجد المجتمعات نفسها أمام نتائج اختيارات ظنت يوماً أنها عابرة.
هناك أوراق تسقط لأن وقتها انتهى، وهناك ثمار لا تأتي لأن أحداً لم يرعها أو يزرع بذرتها أصلاً. صحيح أننا لا نملك الريح، لكننا لسنا أوراقاً تماماً.
في المساء، عاد الرجل من الطريق نفسه. تذكر الورقة التي رآها صباحاً وبحث عنها، لكنه لم يجدها. ربما أخذتها الريح، وربما دعستها السيارات. رفع رأسه إلى الشجرة وقد بدت أنها فقدت أوراقاً كثيرة، وبعض أغصانها أصبح عارياً.
بدت له الشجرة حزينة، ولكنها بقيت صامدة شامخة.
ربما نحن مثلها. يسقط من أعمارنا أشخاص وأحلام وأماكن ووظائف وسنوات كنا نظن أنها ستطول. نغرق في حساب ما فقدناه، حتى ننسى ما نجا فينا.
الخريف لا يترك الأشجار على حالها، ولا السنوات تمضي دون أن تترك فينا أثراً. هناك شيء منا يسقط مع كل ريح، وشيء آخر يصبح، بصمت، نحن، بعد أن تمر العاصفة.
في النهاية، لا تقاس الأشجار بعدد الأوراق التي تساقطت منها… بل في قوة جذورها التي أبقتها واقفة في وجه أعتى العواصف.





Leave a Reply