ديربورن – إبتسام خنافر
افتتحت منظمة LAHC غير الربحية (النادي اللبناني الأميركي سابقاً)، مركزاً جديداً للصحة السلوكية والتأهيل المهني في مدينة ديربورن، بتكلفة بناء تجاوزت ثلاثة ملايين دولار.
ويشكّل المركز الجديد الذي تبلغ مساحته 6,500 قدم مربع، امتداداً للمقر الرئيسي الذي انتقلت إليه LAHC في عام 2022 على شارع كينيلوورث في شرق ديربورن.
ومن شأن المركز الشامل الذي تم افتتاحه بعد تسعة أشهر من أعمال البناء، أن يوسّع خدمات LAHC في مجالات الصحة النفسية والسلوكية والتعليم والتدريب المهني والتوظيف، في وقت تكشف فيه أرقام المنظمة عن طلب متزايد على خدماتها المتنوعة.
ففي عام 2025 وحده، وفّرت LAHC (اختصار لاسم المنظمة باللغة الإنكليزية: «قادة لتقدّم ومساعدة المجتمعات»)، خدمات لأكثر من 80 ألف شخص عبر مختلف برامجها، بينهم 5,570 شخصاً استفادوا من برامج الصحة النفسية والسلوكية، و4,727 شخصاً من برامج التعليم والتطوير المهني.
ومع بلوغ المركز الجديد كامل طاقته التشغيلية، تتوقع المنظمة التي تأسست في ثمانينيات القرن الماضي، ارتفاع قدرتها الاستيعابية لخدمة نحو 20 ألف شخص إضافي سنوياً، بحسب المسؤولين.
وقال رئيس الجمعية ومديرها التنفيذي وسيم محفوظ، في حديث خاص لـ«صدى الوطن»، إن قرار إنشاء المركز المتكامل على مساحة 6,500 قدم مربع جاء بعدما أظهرت تجربة LAHC أن التحديات النفسية والاجتماعية والاقتصادية التي تواجه الناس، نادراً ما تكون منفصلة.
وأوضح أن الشخص الذي يكافح للحصول على وظيفة مستقرة قد يكون، في الوقت نفسه، يعاني من القلق أو الاكتئاب أو الضغوط المالية أو عوائق اللغة أو صعوبة الوصول إلى الموارد المتاحة، وبينما قد يحتاج المرء للجوء إلى المنظمة للحصول على دعم في مجال الصحة السلوكية ومقاومة الإدمان على المخدرات أو ألعاب القمار فهو قد يكون أيضاً بحاجة إلى المساعدة في إيجاد وظيفة أو تطوير مهاراته الرقمية على سبيل المثال.
وبحسب محفوظ، أظهرت أرقام عام 2025 «حاجة هائلة» إلى نموذج أكثر تكاملاً لتقديم الخدمات. وقال إن المركز الذي يضم قاعات وفصولاً تعليمية مجهّزة بالحواسيب وغيرها، بُني انطلاقاً من فكرة بسيطة مفادها أن الناس يجب ألا يضطروا إلى التنقل بين مؤسسات وأنظمة متعددة للحصول على المساعدة التي يحتاجونها.
وأضاف: «أردنا إنشاء مكان واحد ومرحّب يستطيع فيه الشخص، الاهتمام بصحته النفسية وتعزيز مهاراته والاستعداد للعمل والوصول إلى موارد أخرى يمكن أن تساعد عائلته على أن تصبح أكثر استقراراً واكتفاءً ذاتياً».
تمويل المشروع
اعتمد المشروع الذي بلغت كلفته ثلاثة ملايين دولار، على شراكات وتمويل من جهات حكومية مختلفة.
وكشف محفوظ لـ«صدى الوطن» أن الدعم الرأسمالي الرئيسي شمل 1.5 مليون دولار قدمتها وزارة العمل والفرص الاقتصادية في ميشيغن، و1.35 مليون دولار من حكومة مقاطعة وين، إضافة إلى تمويل فدرالي من وزارة الإسكان والتنمية الحضرية الأميركية، تم تأمينه بدعم من عضو الكونغرس رشيدة طليب.
غير أن إنجاز بناء المركز الجديد، وفق محفوظ، لم يكن سوى الخطوة الأولى. إذ بدأت المنظمة منذ مرحلة التخطيط بوضع آليات محددة لضمان استدامة تمويل البرامج والخدمات على المدى الطويل.
ومن أجل ذلك، تعتمد المنظمة، نموذجاً متنوّعاً للتمويل يشمل العقود الحكومية والمنح المقدمة من المؤسّسات غير الربحية والشركات الخاصة والتبرّعات الخيرية، فضلاً عن عقد شراكات للمساعدة في تمويل خدمات التطوير المهني وتغطية تكاليف بعض خدمات الصحة السلوكية عبر برامج التأمين الصحي.
وكشف محفوظ أن LAHC أصبحت تقبل خططاً مختلفة ضمن برنامج «ميديكيد» للخدمات السلوكية المؤهلة، ما يسمح بتوسيع إمكانية الوصول إلى الرعاية النفسية المتخصصة، وفي الوقت نفسه يوفر نموذجاً لتغطية النفقات مما يساعد في ضمان استدامة الخدمات العلاجية على المدى الطويل.
وأشار إلى أن المنظمة تدرك أن مستويات التمويل الحكومي يمكن أن تتغير، ولذلك، فهي تعمل دائماً على تعزيز التبرعات من القطاع الخاص والشراكات المتنوعة، بدلاً من الاعتماد على مصادر محدودة للتمويل.
عشرين ألف مستفيد إضافي
أوضح محفوظ أن رقم 20 ألف مستفيد إضافي، يمثّل الزيادة السنوية المتوقعة في عدد متلقّي الخدمات عبر برامج الصحة السلوكية والتعليم والتطوير المهني، بعد وصول المركز إلى كامل طاقته التشغيلية.
وتتوقّع LAHC طلباً مرتفعاً بصورة خاصة على خدمات الصحة النفسية والسلوكية، والتوجيه المهني والمساعدة في إيجاد الوظائف والمهارات الرقمية والثقافة المالية وتعليم اللغة الإنكليزية والتدريب على الاستعداد لسوق العمل، إضافة إلى الخدمات المقدمة للأشخاص ذوي الإعاقات الذهنية والنمائية واضطراب طيف التوحّد.
وقال محفوظ إن الطلب المرتفع بدأ يظهر بالفعل، وإن LAHC، وسّعت فريق الصحة السلوكية لديها، بما يشمل اختصاصيين اجتماعيين مرخصين ومعالجين ترفيهيين معتمدين، في إطار استراتيجية تهدف إلى تقديم المزيد من العلاج النفسي داخل مبنى المنظمة بالتوازي مع إنشاء شراكات أقوى مع المدارس والمؤسسات المجتمعية المحلية.
وصمة العلاج النفسي
يكتسب جانب الصحة النفسية والسلوكية أهمية خاصة في منطقة ديربورن، وسط استمرار حواجز اجتماعية وثقافية قد تمنع بعض أفراد المجتمع العربي الأميركي والمهاجرين من طلب المساعدة.
وقال محفوظ إن «الوصمة لا تزال حقيقية»، موضحاً أن الحديث عن الصحة النفسية لا يزال صعباً داخل العديد من العائلات العربية الأميركية والمهاجرة.
فقد يشعر البعض بالراحة في الحديث عن معاناته مع التوتر أو الإرهاق أو عدم القدرة على النوم، لكنه قد يكون أقل ارتياحاً عندما يتعلق الأمر بالاكتئاب أو القلق أو الحاجة إلى معالج نفسي.
وإزاء ذلك، يرى محفوظ أن مواجهة هذا الأمر تبدأ بتطبيع الحديث عن الصحة النفسية والتعامل معها كجزء لا يتجزأ من الصحة العامة، بحيث لا يُنظر إلى العلاج النفسي بشكل مختلف عن العلاج الطبي للمشاكل الجسدية.
وفي هذا الإطار، تشكل الثقة، وفقاً لمحفوظ، عنصراً أساسياً في معالجة هذه المسألة، خصوصاً أن LAHC تعمل في خدمة المجتمع منذ أكثر من أربعة عقود.
وتضاف إلى وصمة العار، حواجز ثقافية أخرى، مثل الفوارق بين الأجيال والخوف من أحكام الأقارب أو المجتمع. فضلاً عن الجهل بطبيعة العلاج السلوكي وعوائق اللغة وغير ذلك من التحديات.
وفي السياق، أوضح محفوظ أن تقديم خدمات الصحة السلوكية من خلال مؤسسة وموظفين يفهمون لغة المستفيد وثقافته وديناميكيات عائلته وتجربته الحياتية يمكن أن يجعل اتخاذ الخطوة الأولى وطلب المساعدة أكثر سهولة.
وفي مجال الصحة السلوكية، يوفر المركز خدمات مهنية تشمل التقييم، والعلاج الفردي والعائلي، ووضع الخطط العلاجية والعلاج الترفيهي، إضافة إلى خدمات متخصصة للأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة.
ولا يقوم نموذج مركز LAHC الجديد على مسار واحد للحصول على الخدمات، إذ قد يدخل شخص بحثاً عن وظيفة، ثم يكشف الحديث معه عن وجود عوائق أخرى يمكن لبرامج المنظمة مساعدته في التعامل معها.
وتُقدّم معظم برامج المنظمة من دون أي تكلفة أو برسوم رمزية، نتيجة التمويل المقدم عبر المنح والشراكات، في حين يمكن تغطية بعض خدمات الصحة السلوكية من خلال «ميديكيد»، بحسب أهلية المستفيد وخطته الصحية.
أما الأشخاص غير المؤمّنين، فيقول محفوظ إن المنظمة ستتعاون معهم لتحديد البرامج ومصادر التمويل والإحالات والموارد الأخرى التي قد تكون متاحة لهم، مؤكداً أن الهدف هو ألا تمنع الظروف المالية أي شخص من اتخاذ الخطوة الأولى وطلب المساعدة.
مركز متكامل
يقوم جمع الصحة السلوكية والتعليم والتطوير المهني في مكان واحد على قناعة بأن هذه التحديات ليست منفصلة، وأن العائلات غالباً ما تواجه أكثر من واحدة منها في الوقت نفسه.
واختصر محفوظ فلسفة المشروع بالقول: «الحياة لا تحدث في جزر منفصلة، ولذلك يجب ألا تعمل خدماتنا في جزر منفصلة أيضاً».
فالصحة النفسية تؤثر في قدرة الشخص على العمل، فيما تؤثر البطالة وانعدام الاستقرار المالي في صحته النفسية. كما يمكن لمحدودية إتقان اللغة الإنكليزية أن تؤثر في قدرته على الحصول على وظيفة أو التعامل مع نظام الرعاية الصحية، في حين قد يمنعه ضعف المهارات الرقمية من التقدم إلى وظيفة أو الحصول على إعانات أو حتى استكمال طلب إلكتروني.
وفيما صمم المركز الجديد للتعامل مع أكثر من جانب في حياة المستفيدين، يرى محفوظ أن هذه المقاربة تعكس الاتجاه الأصح الذي ينبغي أن تسلكه الخدمات المجتمعية، وذلك من خلال التعامل مع الإنسان ككل وعدم الاكتفاء بمعالجة مشكلة واحدة أو نتائجها الظاهرة.
واختتم محفوظ كلامه بالقول: «لا يمكننا ببساطة، معالجة الأعراض. علينا أن نتعامل مع العوامل الاجتماعية والاقتصادية والتعليمية وعوامل الصحة السلوكية التي تؤثر في قدرة العائلة على الازدهار»، مؤكداً أن الهدف من هذا المشروع الضخم هو «إنشاء مكان يستطيع الناس الدخول إليه من باب واحد، والعثور بداخله على مسارات متعددة نحو الفرص والاستقرار والأمل».
لمزيد من المعلومات والاطلاع على برامج المنظمة يمكن زيارة الموقع الإلكتروني: lahc.org






Leave a Reply