ديربورن
في إطار حملته الانتخابية وردّاً على حملات الكراهية التي تستهدف المجتمعات المتنوّعة في منطقة ديترويت، عقد المرشّح الديمقراطي لعضوية مجلس الشيوخ الأميركي عن ولاية ميشيغن، مؤتمراً صحفياً موسّعاً ضمّ قيادات سياسية ودينية، لإطلاق موقف جماعي موحّد رفضاً لخطاب الكراهية المتصاعد ضد المسلمين الأميركيين، لا سيّما في أعقاب فوزه بالانتخابات التمهيدية للديمقراطيين في وقت سابق من شهر آب (أغسطس) الجاري.
وضمت قائمة المتحدثين والمشاركين في المؤتمر الصحفي الذي أقيم في «كنيسة المسيح الأسقفية» في ديربورن صباح الثلاثاء الفائت، كلاً من راعي الكنيسة الأب حليم شقير الذي يرعى أيضاً كنيسة والدة المخلّص، والقسيسة ستانسي أدامز من «كنيسة جبل صهيون الجديدة المعمدانية»، وإمام «مركز مكة الإسلامي» في كانتون السيد صالح القزويني، والحاخام نايت ديغروت من المعبد اليهودي «بيت إسرائيل»، وعضوي مجلس نواب ميشيغن العباس فرحات وسامانثا ستيكلوف، وعضوة مجلس مفوضي مقاطعة وين مارثا سكوت (الدائرة الثالثة)، ورئيس بلدية ديربورن عبدالله حمود، ونائب حاكمة ولاية ميشيغن والمرشح لمنصب سكريتاريا الولاية غارلين غيلكريست، والمدعي العام لمقاطعة واشطنو والمرشح لمنصب المدعي العام للولاية إيلي سافيت، والمرشح الديمقراطي لمجلس شيوخ الولاية عباس علوية.
وأوضح المؤتمرون بأنه «لا مكان للكراهية في ديربورن، ولا في منطقة ديترويت، ولا في ولاية ميشيغن، ولا في أميركا برمتها»، مشددين على انسجام النسيج المتنوع للمسلمين والمسيحيين واليهود وأتباع باقي الديانات الأخرى، في معرض ردهم على الحملات التي تستهدف مدينة ديربورن والتي كان آخرها التظاهرة الاستفزازية التي قادها الناشط اليميني المتعصب جيك لانغ وأنصاره في 18 أغسطس الجاري، فضلاً عن حملات التشويه المتجنية التي تستهدف السيد، بسبب خلفيته الإسلامية، دون أن يمنعه ذلك من مواصلة حملته الانتخابية في كافة أرجاء الولاية للإضاءة على برنامجه الانتخابي وتفنيد مزاعم خصومه السياسيين.
ودعا المشاركون في المؤتمر الصحفي إلى نبذ سياسات التفرقة واستغلال الإسلاموفوبيا لتحقيق مآرب سياسية آنية، واستبدالها بخطاب مسؤول يرسخ قيم العدالة والتضامن والعيش المشترك
وأجمع المتحدثون على أن التنوع العرقي والديني والثقافي الذي تتميز به منطقة ديترويت ليس مبعث قلق بل هو سر قوتها وتماسكها، ومشددين على أن الدفاع عن حقوق أي مكون مجتمعي وحمايته من الاستهداف هو في جوهره دفاع عن الديمقراطية الأميركية برمتها، والتي قامت أساساً على التعددية وإتاحة الفرص للجميع.
كلمة السيد
وأفرد السيد جانباً واسعاً من كلمته للحديث عن الهوية الأميركية، موضحاً بأن قوة الولايات المتحدة تكمن في تنوعها والتفاف مواطنيها حول القضايا الأساسية التي تمس حياتهم اليومية، وقال: «طالما قامت هذه البلاد على جمع الناس معاً عابرين لكل اختلافاتهم، فهذا مبدأ أميركي أصيل: رغم الكثرة نكون واحداً».
وسلط السيد، الضوء على خلفية نشأته المتنوعة للتأكيد على غنى التجربة الأميركية وثراء تعددها الثقافي والديني، قائلاً: «أنا طفل ولد ونشأ هنا، ابناً لمهاجرين، ورعتني زوجة أبي التي تنتمي لأصول عريقة تمتد لثورة التحرير الأميركية، وترعرعت. في جزء من ولايتنا يضم أكبر أقلية يهودية في ميشيغن، وعشت خلال مرحلة الدراسة الجامعية مع جدي وجدتي الخادمين في الكنيسة المشيخية، وتشاركت خبز عشاء عيد الشكر مع خالي الملحد ذي الأصول البولندية: أليست هذه هي أميركا بحق؟!».
وأضاف السيد: «نحن نقف هنا اليوم ليس فقط لإدانة الكراهية، بل من أجل أميركا كما نفهمها ونعرفها، مكانٌ لا ينبغي أن يهم فيه لون بشرتك، ولا كيف تصلي أو ما إذا كنت تصلي، ولا يهم من أين أتت عائلتك ولا من تحب، بل أن تحظى لمجرد كونك أميركياً بالفرص نفسها مثل أي أميركي آخر».
وفي معرض رده على محاولات التحريض والتخويف التي تستهدف مدينة ديربورن، أشار السيد إلى أن الخطاب اليميني المتطرف يهاجم قيم الشمولية ذاتها التي بنيت عليها البلاد، وقال: «عندما يأتي شخص مثل جيك لانغ إلى هنا –وهو إرهابي مدان في أحداث السادس من يناير 2021– ويستهدف ديربورن، فإن ذلك ليس لأنه يكره فئة بعينها من الناس، بل لأنه يكره بالذات هذا المعنى الذي تمثله أميركا، إنه يكره فكرة أن تكون أميركا أكبر من النسخة الضيقة التي يريد حصرها فيها».
وأكد السيد أن التركيز على إثارة خطابات الكراهية والتفرقة الدينية والعرقية ما هو إلا محاولة سياسية مكشوفة للتغطية على الإخفاقات المعيشية والخدمية، موضحاً بأن السبب برغبتهم في فتح نقاشات حول الدين والعرق والاستعانة بالخطاب العنصري لجماعة «كوكلوكس كلان» KKK، هو تهربهم من الحديث عما فشلوا في تقديمه للمواطنين، لافتاً إلى أنه «اليوم يقف الأميركيون في المتاجر مترددين في إضافة المشتريات إلى سلالهم، بينما يعاني آخرون من ديون البطاقات الائتمانية أو دفع تكاليف العلاج الصحي، أو يقودون مركباتهم على طرقات متهالكة ويشربون مياه غير نقية».
وشدّد على ضرورة توحيد الجهود للتركيز على الحقوق الأساسية للمواطنين بعيداً عن خطوط الفرز الديني أو الإثني، وقال: «لا يهمني كيف تصلي أو من تحب أو كيف تعرف نفسك، فأنتم تستحقون مسكناً جيداً ورعاية صحية لائقة، وفرصة لتنفس هواء نقي وشرب مياه نظيفة».
وحثّ السيّد في ختام كلمته على تعزيز قيم العدالة والتسامح وإرساء السلام المجتمعي، وقال: «تنسجم في ذهني دائماً آية من القرآن الكريم تقول: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا﴾. وإن لم تكن هذه أعظم دعوة للوحدة فلا أعلم ما الذي يمكن أن يكون غيرها، فالعدل يجلب السلام، والسلام يصنع الازدهار والفرص والمحبة، ووجودنا اليوم، هو وقوف ضد الكراهية ومن أجل أميركا التي تؤمن بأنكم تستحقون الخير في هذا العالم بغض النظر عمّن تكونون».
استفزاز الكراهية
وكانت صحيفة «واشنطن بوست» قد نشرت تقريراً صحفياً، قبل يومين من انعقاد المؤتمر، كشفت فيه عن ارتفاع حاد في الخطاب المعادي للإسلام عقب فوز السيد بانتخابات ميشيغن.
وتناول تقرير الصحيفة المنشور بتاريخ 23 أغسطس، التحول الحاد في طبيعة الهجوم السياسي الذي يواجهه السيد، عقب فوزه بالانتخابات التمهيدية، حيث يظهر تحليل البيانات آلاف المنشورات والمقابلات عبر وسائل التواصل الاجتماعي ومنصات البودكاست الأميركية، أن تركيز التيار المحافظ واليمين الأميركي انتقل سريعاً من نقد أفكار السيد السياسية والاشتراكية إلى الاستهداف المباشر لهويته وعقيدته الإسلامية.
وبحسب «واشنطن بوست»، فإن نحو 33 بالمئة من منشورات الشخصيات المحافظة واليمينية البارزة المتعلقة بالسيد أصبحت تتركز حول الإسلام والشريعة بحلول منتصف أغسطس. وقد رافق هذا التحول تصعيد لفظي من شخصيات سياسية وإعلامية نافذة، حيث وصفه السناتور الجمهوري تومي توبرفيل بـ «الإسلامي الراديكالي»، ودعت الناشطة لورا لومر إلى وسمه بـ«الجهادي»، في حين استخدم ترامب منصة «تروث سوشال» لنشر مقارنة بصرية بين عائلته وعائلة السيد المتزوج من امرأة محجبة، مشيراً إلى وجود «أميركَتين مختلفتين تماماً»، فضلاً عن تعمده استخدام اسمه الكامل «عبد الرحمن محمد السيد» لإبراز خلفيته الثقافية والدينية.
وفي المقابل، جاء رد السيد في الصحيفة وفي عموم فعالياته الانتخابية هادئاً ومباشراً، حيث شبّه هذه الأساليب بالهجوم الذي كان يستهدف الاسم الأوسط للرئيس الأسبق باراك أوباما، في إشارة إلى اسم أبيه «حسين»، مؤكداً بأن التركيز على ديانته يعكس عجز خصومه عن مواجهة برنامجه السياسي وسجل منافسه الجمهوري مايك روجرز.
وفي الإطار، حذرت المنظمات الحقوقية، وفي مقدمتها مجلس العلاقات الأميركية الإسلامية (كير–فرع ميشيغن) من أن هذا التصعيد في الخطاب المناهض للمسلمين لا يقف عند حدود التنافس الانتخابي، بل ينعكس ميدانياً في زيادة التهديدات وخطاب الكراهية الموجه ضد الجالية والمؤسسات الإسلامية في كافة أرجاء الولايات المتحدة.






Leave a Reply