اعتذار السيّد من الديمقراطيّين اليهود .. هل يرأب الصدع داخل الحزب الأزرق؟
لانسنغ، برمنغهام
في إطار سعيه لتوحيد صفوف الديمقراطيين قبل انتخابات نوفمبر القادم، حرص المرشح لعضوية مجلس الشيوخ الأميركي عن ولاية ميشيغن، عبدول السيد، على تقديم اعتذاره للمجتمع اليهودي الأميركي عن تصريحات سابقة أدلى بها بشأن الهجوم الانتقامي الذي استهدف مركزاً يهودياً في بلدة وست بلومفيلد خلال مارس الماضي.
إلا أنه ورغم الاعتذار العلني الذي كرّره السيد خلال مناسبتين منفصلتين في غضون يومين، مازال بعض اليهود الديمقراطيين يبدون تحفّظاً واضحاً في دعم المرشح التقدمي ذي الأصول العربية والإسلامية، بمن فيهم المدعية العامة لولاية ميشيغن دانا نسل، والمرشح الديمقراطي للكونغرس الأميركي جيريمي موس، الذي يشغل حالياً عضوية مجلس شيوخ الولاية.
وبينما يأتي اعتذار السيد في وقت يواجه فيه الحزب الديمقراطي في ميشيغن، تحدياً داخلياً يتمثل في محاولة إنهاء الخلافات بين جناحه التقدمي والمؤسسة الحزبية التقليدية، يبدي الناخبون اليهود تردداً واضحاً إزاء دعم السيد بسبب مواقفه من إسرائيل وتصريحاته السابقة وعلاقاته السياسية، فيما يحذر قادة ديمقراطيون من أن استمرار الانقسام قد يصب في مصلحة الجمهوريين قبل أسابيع قليلة من انطلاق التصويت الغيابي.
أجواء متوترة
سادت أجواء من التوتر الواضح على فعاليات مؤتمر الحزب الأزرق الذي انعقد في مدينة لانسنغ يوم السبت المنصرم، رغم قيام السيد بتقديم اعتذار رسمي ومباشر لتجمّع اليهود الديمقراطيين.
وفي أبرز المؤشرات على الانقسام الحزبي خلال المؤتمر، كان لافتاً عدم تشارك السيد، المنصة مع المرشحة الديمقراطية لحاكمية ميشيغن، جوسلين بنسون. كذلك، كان لافتاً أن كلا المرشحين قد ألقيا كلمة خلال المؤتمر، إلا أن أحدهما لم يشر إلى الآخر بالاسم، مما سلط الضوء على التوترات المستمرة بين الجناحين التقدمي والتقليدي داخل الحزب.
وفيما تتعرض بنسون لحملة إعلانات جمهورية مركّزة تسعى إلى ربطها بالأجندة التقدمية التي يتبنّاها السيد، يركّز المرشح المصري الأصل، من جهته، على محاولة تطييب خواطر الديمقراطيين اليهود بعد سباق تمهيدي شرس ركز خلاله على انتقاد نفوذ اللوبي الإسرائيلي في السياسة الأميركية، وتسليط الضوء على التمويل القياسي الذي حظيت به منافسته هايلي ستيفنز من جماعات مرتبطة بلجنة الشؤون العامة الأميركية الإسرائيلية (آيباك).
وطوال الحملة الانتخابية، دأب السيد على انتقاد إسرائيل واعتداءاتها الوحشية على غزة ولبنان، وكذلك الدعم الأميركي لدولة الاحتلال، وهو ما جعله عرضة للاتهام من قبل أنصار إسرائيل بتأجيج معاداة السامية، ودفع الكثير من الشخصيات اليهودية الديمقراطية إلى حجب التأييد عن مرشح الحزب حتى الآن.
اعتذار السيد
في محاولة حثيثة لاحتواء الخلافات المتصاعدة قبل مواجهة منافسه الجمهوري مايك روجرز في نوفمبر القادم، قدم السيد اعتذاراً لتجمع الديمقراطيين اليهود على هامش مؤتمر الحزب، مؤكداً أن تصريحاته بشأن الاعتداء على «معبد إسرائيل» في مارس المنصرم، لم تكن تهدف إلى تبرير «الهجوم الإرهابي» بأي شكل من الأشكال، وفق تعبيره.
وجاء الاعتذار الصريح بعد أشهر من الجدل حول تصريحات السيد، الذي كان قد قال عقب الهجوم عبارة «الأشخاص المتألمون يؤلمون الآخرين»، في سياق حديثه عن دوافع منفذ الهجوم الذي فقد أفراداً من عائلته في غارة إسرائيلية بلبنان.
وأثارت العبارة غضباً بين بعض الديمقراطيين اليهود الذين رأوا أنها قد توحي بتبرير الهجوم الذي أسفر عن مقتل منفذه، رغم أن السيد أكد إدانته للاعتداء.
وخلال اجتماعه مع التجمع الديمقراطي اليهودي، على هامش مؤتمر الحزب الأزرق، أقرّ السيد بأن تصريحاته السابقة كانت خطأ، وقال إنه كان يحاول تقديم سياق يفسر خلفيات الهجوم، لكنه أدرك لاحقاً أن ذلك لم يكن مناسباً في لحظة كان ينبغي فيها التركيز على إدانة الاعتداء ومراعاة مشاعر الضحايا والمجتمع اليهودي.
وقال السيد: «لقد ارتكبت خطأ»، مؤكداً أنه لم يكن يقصد على الإطلاق تبرير العنف أو الإرهاب. وأضاف أن بيانه الأول كان يجب أن يقتصر على إدانة الهجوم بشكل واضح، مشدداً على أن «لا أحد يستحق أن يتم تجاهل ألمه أو التهوين منه».
ولم تقتصر مساعي السيد على تقديم الاعتذار، إذ كثف قبل انعقاد اتصالاته ولقاءاته مع قيادات وأعضاء في المجتمع اليهودي الديمقراطي بميشيغن، في محاولة لتخفيف المخاوف بشأن مواقفه من إسرائيل ومعاداة السامية، والتي أصبحت واحدة من أبرز نقاط الجدل في حملته.
كما حاول السيد خلال الفترة الأخيرة تخفيف حدة بعض انتقاداته السابقة لإسرائيل في خطاباته الانتخابية، وأعلن ابتعاده عن حسن بايكر، الناشط اليساري الذي ارتبط بحملته خلال الانتخابات التمهيدية، بعدما أثارت تصريحات بايكر بشأن إسرائيل واليهود الأميركيين انتقادات واسعة داخل الحزب الديمقراطي.
ورغم ذلك، شكلت مواقف السيد من إسرائيل والعلاقة السابقة مع بايكر مصدر توتر خلال مؤتمر الحزب، وهو ما دفع السيد إلى تجديد اعتذاره في اليوم التالي للمؤتمر، حيث حرص على حضور اجتماع سنوي للديمقراطيين اليهود في مدينة برمنغهام يوم الأحد الماضي.
لا تأييد صريح
رغم عدم إعلان تأييدها الصريح للسيد، اقترحت المدعية العامة لولاية ميشيغن، دانا نسل، في كلمة ألقتها خلال تكريمها في اجتماع برمنغهام، أنه على الديمقراطيين اليهود أن يضحوا بسلامتهم وراحتهم الشخصية مقابل ما وصفته بـ«فرصة إنقاذ بقية البشرية» أمام الخطر الذي يمثله الجمهوريون بقيادة الرئيس دونالد ترامب.
وبينما مُنعت وسائل الإعلام من حضور الاجتماع، أظهر تسجيل فيديو، المسؤولة اليهودية وهي تتحدث باستفاضة عن حالة التوتر التي يشعر بها الناخبون اليهود في ظل خطاب بعض المرشحين الديمقراطيين المناهض لإسرائيل، دون أن تسمّي السيد الذي كان بين الحضور.
وفي تسجيلات تم نشرها عبر وسائل الإعلام، كرّر السيد اعتذاره خلال اجتماع برمنغهام قائلاً: «إنني ألتمس الصفح وأطلب لفتة من السماحة؛ لقد ارتكبت خطأً».
في المقابل، ورغم تشديدها على وحدة الديمقراطيين، امتنعت نسل عن تأييد السيد صراحةً، مكتفيةً بالقول: «عندما يحل شهر نوفمبر، افعلوا كما تملي عليكم قيمكم اليهودية أن تفعلوا»!
نسل التي لم تحضر مؤتمر الحزب في لانسنغ بذريعة وجود مخاوف تتعلق بالسلامة الشخصية، أضافت بأنه «من السهل جداً كره الناس في الوقت الراهن، ولا سيما الديمقراطيين الآخرين الذين يبدو أنهم تخلوا عنا وخذلونا، رغم ما قدمناه من مساهمات لحزبنا طوال حياتنا».
وأردفت أن هناك من يطرحون حججاً مفادها أن الصهيونية مرادفة للعنصرية أو الفاشية، وهم «أشخاص لا يتجاوز فهمهم للتاريخ اليهودي–الإسرائيلي ما يُعرض في مقطع فيديو مدته 47 ثانية على تيك توك، أنتجته قطر أو إيران».
وأشارت نسل إلى قصة الملكة إستر، التي عرضت التضحية بحياتها لإنقاذ الشعب اليهودي. وقالت إن على الديمقراطيين اليهود «واجباً أخلاقياً يتمثل في وضع احتياجات العالم فوق مصالحنا الشخصية».
وتابعت بأنه «ربما يتعين علينا الآن أن نسير على خطاها ونضحي بالراحة والسلامة والأمن، بل وبمستقبل شعبنا ذاته، مقابل فرصة إنقاذ بقية البشرية»، موضحة أن العديد من الديمقراطيين اليهود اليوم، يشعرون بأنهم «مضطرون للاختيار بين عقيدتهم وحزبهم» في ظل صعود الخطاب المناهض لإسرائيل.
وتساءلت المسؤولة الديمقراطية: «ما الفائدة من الدفاع عن الوطن التاريخي لأسلافنا (إسرائيل) والمطالبة بأن يعترف المرشحون بحقه في الوجود، إذا كان الكوكب الذي يقع عليه هذا الوطن لم يعد صالحاً للحياة؟».
وانتقدت نسل بشدّة، الجمهوريين لاصطفافهم خلف ترامب، وأثارت مخاوف بشأن تغير المناخ، والتفاوت في الثروة، والذكاء الاصطناعي.
وقالت: «أرى أن دعمهم للأنانية والطاعة العمياء لأكبر وأخطر أحمق في العالم يمثل تخلياً مباشراً عن مسؤولياتنا كيهود؛ إذ تفرض علينا تقاليدنا التزاماً عميقاً تجاه العالم وضرورة التصرف برحمة تجاه الآخرين».
وأضافت «يريد الحزب الجمهوري إقناعكم بأن أكبر قضية تواجه أمتنا هي مشاركة الفتيات المتحولات جنسياً في فرق الكرة الطائرة للناشئين، وكم كنت أتمنى لو كان الأمر بتلك البساطة!».





Leave a Reply