تروي – إبتسام خنافر
في التاسعة من عمرها، كانت جوجو دريس تعرف أن ما يحدث داخل منزل عائلتها، خطأ. لكنها كانت مجرد طفلة، فرغم إدراكها لمدى الظلم الذي تعاني منه، إلا أنها لم تكن تعرف كيف يمكن أن توقفه، أو إلى من تلجأ لطلب المساعدة.
بعد عقود، أصبحت دريس، الأم المتحدرة من أصول لبنانية وفلسطينية، كاتبة ومتحدثة ومدافعة عن الناجين من العنف الأسري، وهي مؤسسة ومديرة تنفيذية لجمعية «على أجنحة الملائكة» في ميشيغن، التي تقدم دعماً مباشراً وعملياً للناجين وأطفالهم.
وبين الطفلة التي عرفت أن ما يحدث لها خطأ، والمرأة التي تمد يدها اليوم لمساعدة الآخرين، تغير السؤال بالنسبة إليها. فبدلاً من محاولة الإجابة على سؤال «لماذا لم تغادري؟»، ترى أن السؤال الأهم هو: «ما الذي يجعل المغادرة بهذه الصعوبة؟».
خلف الأبواب المغلقة
دريس هي الثانية بين ستة أبناء وأكبر البنات. تقول إنها تعرضت خلال طفولتها لأشكال متعددة من الإساءة الجنسية والجسدية واللفظية والعاطفية والنفسية على يد والدها، الذي كانت تشاهد أيضاً إساءته إلى والدتها، في منزل طبعته، بحسب روايتها، السيطرة والخوف والغضب.
وتروي دريس أن أول اعتداء جنسي تتذكره وقع عندما كانت في التاسعة. وتقول إنها كانت تعرف أن ما يحدث خطأ، لكن الشخص الذي كانت تخاف منه كان أيضاً والدها الذي كانت تبحث عن حبه وقبوله.
فالطفل، كما تقول، يمكن أن يعرف أن شيئاً خاطئاً يحدث له، وفي الوقت نفسه يحب الشخص الذي يؤذيه ويخافه ويتوق إلى رضاه.
ومع تكرر الاعتداءات ومرور الأيام، يصبح الأمر مألوفاً. ليس الاعتقاد بأن الإساءة مقبولة، بل العيش يومياً في واقع تعرف أنه خاطئ.
من الخارج، بدت الصورة مختلفة
زوجها بول دريس، الذي عرف جوجو منذ أن كانت في التاسعة وكان هو في الثالثة عشرة، يقول إن عائلتها بدت له في البداية «مذهلة» و«مثالية». لكنه بدأ مع مرور السنوات يلاحظ أن جانباً من تلك الصورة النموذجية كان «مفتعلاً».
يصف والد جوجو بأنه كان ميّالاً إلى السيطرة، خصوصاً على النساء، ويتذكر أنه قال لوالده ذات مرة إنه، بصفته رب الأسرة، ينبغي أن يقمع زوجته و«يبقيها تحت السيطرة». كما يقول إنه لاحظ جانباً «أكثر قتامة» لدى والد جوجو وشقيقها الأكبر، لكنه يؤكد أنه «لم يتخيل أبداً» حجم الإساءة التي تقول جوجو إنها كانت تحدث خلف الأبواب المغلقة.
كان عالم جوجو مرتبطاً بصورة وثيقة بالعائلة؛ فقد تلقت تعليمها في المنزل، وكانت الممارسات الدينية والعمل مرتبطة أيضاً بالأسرة، ما قلل احتكاكها اليومي ببالغين من خارج المنزل.
لكن السفر المرتبط بأعمال العائلة فتح أمامها نافذة إلى عالم آخر. فقد التقت نساء مستقلات لديهن وظائف وآراء وحدود وأصوات خاصة بهن، وبدأت تدرك أن الحياة التي تعرفها ليست الحياة الوحيدة الممكنة.
العنف ليس مجرد كدمة
تقول دريس إن العنف الأسري لا يقتصر على الضرب؛ فقد يكون جسدياً أو جنسياً أو نفسياً أو عاطفياً أو مالياً، وقد يظهر في الإهانة والتهديد والعزل والتحكم بالمال والعمل أو مراقبة الهاتف والموقع والعلاقات.
وتقول المعالجة النفسية سارة شامبين مارينو، وهي معالجة اجتماعية سريرية ومعالجة أسرية ومالكة مركز «إتيرنوايز» Eternways للخدمات الاستشارية، لـ«صدى الوطن»، إن العنف الأسري قد يشمل أيضاً الإهمال والاستغلال واستخدام التكنولوجيا للمراقبة والتحكم، فيما قد تظهر على الناجي علامات مثل الانسحاب والعزلة والقلق المتزايد.
وتلخص دريس إحدى العلامات بأن يبدأ عالم الشخص بالانكماش: تقل علاقاته وتضيق خياراته ويزداد خوفه من رد فعل الطرف الآخر. وتقول: «أحياناً لا تكون هناك كدمة ظاهرة للعيان، لكن يمكنك أن تشعر بحرية شخص تختفي شيئاً فشيئاً».
لماذا يصعب الرحيل؟
تعدد دريس عوائق كثيرة قد تجعل المغادرة صعبة: المال والسكن والأطفال والنقل والتكاليف القانونية والعزلة والخوف من الانتقام، وفي بعض الحالات مخاوف الهجرة والضغوط الثقافية أو الدينية والخوف من فقدان المجتمع.
وهناك أيضاً الحب والأمل. فالأمل، كما تقول، قد يساعد الإنسان على الاستمرار، لكنه قد يجعله ينتظر، بلا فائدة، تحسّن الشخص الذي يؤذيه، على أمل أن يعامله بشكل أفضل.
وتوضح شامبين أن مغادرة علاقة مسيئة قد تكون صعبة وغير آمنة، وأن اختلال القوة ونقص الموارد والتهديدات يجعل الخروج من دوامة العنف الأسري أكثر تعقيداً مما يبدو من الخارج.
وحتى بعد المغادرة، لا تنتهي آثار التجربة. إذ تقول دريس: «يمكنك أن تغادر بيئة مسيئة جسدياً قبل وقت طويل من أن تغادر تلك البيئة عقلك وجسدك».
وشملت رحلة تعافي دريس، العلاج النفسي ووضع الحدود للآخرين وبناء علاقات صحية واكتشاف هويتها خارج ما تعرضت له من إساءة واستغلال.
وكان بول إلى جانبها خلال رحلة التعافي. ويصف الزوج، التحوّل الذي شاهده بالقول إن جوجو انتقلت من «ضحية تقليدية إلى مناصِرة قوية».
ويقول إن قصص الإساءة «بدأت تتدفّق» بعد زواجهما، واصفاً إيّاها في تلك المرحلة من حياتها بأنها كانت «محطّمة من نواحٍ كثيرة». لكن التحوّل، بحسب قوله، جاء عندما قرّرت أن «تمتلك قصتها» وتكتبها لمساعدة الآخرين.
ويرى بول أن كتابها «اللوتس: كيف هزمتُ النظام الأبوي»، كان بداية ما أصبح لاحقاً منظمة «على أجنحة الملائكة»، مضيفاً أنه شاهدها تصبح أكثر قوة وجرأة، وأنه فخور بأنها «لم تستسلم قطّ».
على أجنحة الملائكة
قبل تأسيس الجمعية، كانت جوجو وبول يساعدان نساء بصورة غير رسمية. وأثناء عملها في مجال الرهن العقاري، ساعدت ثلاث نساء كن يتعرضن للعنف الأسري على الخروج من جحيمهن والحصول على مساكن مستقلة.
كان نجاح هؤلاء الضحايا، بالنسبة لدريس، دليلاً إضافياً على أن التعليم والدخل والنجاح لا يحصّن أحداً من الإساءة.
وبتشجيع من بول وأحد مرشديها، حولت دريس هذا الجهد إلى عمل منظم، فوُلِدت جمعية «على أجنحة الملائكة» رسمياً عام ٢٠٢٢، وأصبح بإمكان المجتمع المشاركة من خلال التبرعات والخدمات والموارد.
وتقول دريس إن الجمعية ساعدت منذ تأسيسها أكثر من ٢٦٠ ناجياً وناجية، إضافة إلى عدد كبير من الأطفال. وتشمل المساعدات، الإقامة الطارئة في الفنادق والإيجار أو أقساط السكن، والنقل والمركبات وتأمينها، والمساعدة القانونية والأمنية، والعلاج النفسي، والإعانة في تغيير مكان السكن وتوفير الاحتياجات الأساسية. كما تتعاون المنظمة مع شركاء مجتمعيين لتوفير موارد أخرى، بينها العلاج النفسي المجاني وفرص التمكين المالي.
ويبدأ الحصول على المساعدة بتقديم طلب عبر موقع الجمعية، ثم تتم مراجعة الحاجة ومدى إلحاحها. وقد تكون الاستجابة غرفة فندق في الليلة نفسها أو وسيلة نقل إلى مكان آمن أو مساعدة في فاتورة عاجلة.
وتقول دريس إن الجمعية لديها إجراءات للمراجعة، لكنها تحاول تجنب «الروتين غير الضروري»، لأن الشخص الذي يعيش أزمة لا ينبغي أن يضطر إلى رواية قصته مراراً قبل الحصول على المساعدة.
وترفض دريس وصف عمل الجمعية بأنه «إنقاذ» للناجين. فدورها، كما تقول، هو منحهم الموارد والخيارات. وأحياناً، يصنع الفارق غرفة فندق أو سيارة أو محامٍ أو مبلغ لتأمين مسكن، أو شخص يقول: «أنا أصدقك. ماذا تحتاج؟».
وتعتمد الجمعية على التبرعات والشراكات مع المؤسسات ومنظمات المجتمع وإيردات الرعاية والمناسبات فضلاً عن المنح من القطاعين العام والخاص.
وتقول دريس إن أحد أكبر التحديات هو مواكبة الطلب المتزايد، مشيرة إلى أن مشاكل العنف الأسري لا تتبع توقيت دورات المنح أو فعاليات جمع التبرعات.
المشكلة أكبر من الأرقام
بحسب بيانات شرطة ولاية ميشيغن لعام ٢٠٢٢، سجلت الولاية ٦٤,٥٤٥ حادثة عنف أسري شملت ٦٩,٧٦٥ ضحية، وكانت الإناث يشكلن ٧٠.٧ بالمئة من الضحايا. وفي العام السابق، بلغ عدد الحوادث ٦٦,٤٩٠ وعدد الضحايا ٧١,٢٨٤.
لكن الأرقام الرسمية لا تعكس الحقيقة كاملة، إذ ما هي إلا الحالات التي تصل إلى جهات إنفاذ القانون.
وبحسب شامبين، أظهرت دراسة في ميشيغن نُشرت عام ٢٠٢٥ أن ٦٠ بالمئة من النساء العربيات الأميركيات اللواتي شملتهن الدراسة أفدن بتعرضهن للعنف الأسري، مستدركة بأن هذ النسبة تخص عينة الدراسة حصراً ولا تعني أن ٦٠ بالمئة من النساء العربيات الأميركيات في الولاية يتعرضن للتعنيف الأسري.
وتشير شامبين في المقابل، إلى عوائق عديدة قد تسهم في عدم الإبلاغ عن حالات العنف الأسري داخل المجتمع العربي الأميركي، بينها اللغة والجهل بالموارد المتوفرة وانعدام الثقة بالمؤسسات فضلاً عن الأعراف والصور النمطية المتعلقة بالأدوار الجندرية.
أما دريس، فتؤكد أن العنف الأسري ليس «مشكلة عربية أميركية»، بل وباء يطال مختلف الثقافات والأديان والأعراق والمستويات الاجتماعية والاقتصادية. لكن بعض الناجين في المجتمع العربي الأميركي تحديداً قد يواجهون عوائق إضافية تتعلق بسمعة الأسرة وإبقاء الأمور الخاصة داخل المنزل والاعتبارات الدينية أو المرتبطة بالأجيال والخوف من النبذ.
وبالنسبة إليها، لا يتعارض حب جذورها اللبنانية والفلسطينية مع الحديث عن المشكلة، مؤكدة أنها تريد للمرأة العربية التي تتعرض للإساءة أن تعرف أن قول الحقيقة لا يعني خيانة ثقافتها، وأن البحث عن الأمان لا يعني إلحاق العار بعائلتها.
حياة أخرى ممكنة
في مطلع تشرين الأول أكتوبر، من السادسة حتى التاسعة والنصف مساءً، تنظم جمعية «على أجنحة الملائكة» فعالية «القيادة من أجل الناجين» في ملعب «توب غولف» بمدينة أوبرن هيلز، لجمع الأموال للمساعدات المباشرة، ومنها السكن الطارئ والإيجار والنقل.
وتقول دريس إنه بينما قد يرى الحاضرون أشخاصاً يلعبون الغولف ويتناولون الطعام، فإنها ترى في هذه المناسبة، الأموال التي تجمع لدفع إيجار غرفة فندقية لامرأة لا تجد مكاناً آمناً للنوم، أو استئجار وسيلة نقل تساعد ناجية على الاحتفاظ بعملها.
وعندما سألت «صدى الوطن» دريس عما تستطيع أن تمنحه للناجين اليوم وكانت تتمنى لو حصلت عليه عندما كانت طفلة، اختارت كلمة واحدة: «الإمكانية».
تقول إنها كانت تتمنى لو أن شخصاً أراها أن الحياة خارج منزلها «ممكنة»… أن يقول لها: «هذا ليس كل ما في الحياة. ولا يجب أن تمضي بقية حياتك هنا».
فالنساء المستقلات اللواتي رأتهن في شبابها أظهرن لها عالماً مختلفاً تتمتع فيه المرأة بالاستقلالية والحرية وحق الاختيار. واليوم، قد تقدّم «على أجنحة الملائكة» غرفةً فندقية أو مساعدة في الإيجار أو النقل أو العلاج، لكن ما تحاول منحه، وفق دريس، هو شيء أعمق من ذلك بكثير، وهو أن يرى الناجي أن لديه خيارات وأن حياة أخرى ممكنة.
قبل سنوات، كانت دريس تنظر إلى أولئك النساء المتمكّنات وتفكّر: «ربما أستطيع يوماً أن أكون مثلهن». وها هي اليوم قد أصبحت مصدر إلهام ومساعدة لكل امرأة أو فتاة صغيرة، تطلب مساعدتها بحثاً عن إمكانية عيش حياة أفضل بعيداً عن العنف الأسري.
وتدعو دريس كل من يتعرض للعنف الأسري أو يحتاج إلى أي نوع من المساعدة إلى عدم التردد في التواصل مع «على أجنحة الملائكة»، مؤكدة أن الجمعية تعمل على الاستماع إلى احتياجات كل حالة ومحاولة توفير المساعدة المناسبة أو ربطها بالموارد المتاحة.
الهاتف:
248.980.0464
الموقع الإلكتروني:
البريد الإلكتروني:
info@otwoa.org






Leave a Reply