تكتسب الانتخابات العامة في الثالث من تشرين الثاني نوفمبر المقبل، أهمية استثنائية وغير مسبوقة بالنسبة للعرب والمسلمين الأميركيين في ولاية ميشيغن، ليس فقط بسبب ضرورة تثبيت الانتصارات التاريخية التي تحققت في جولة التمهيديات التي أجريت في آب أغسطس الفائت، والتي من شأنها أن تعيد تشكيل وزنهم السياسي لسنوات وربما لعقود قادمة، وإنما أيضاً لهزيمة الخطاب العنصري الذي يكاد يبلغ ذروته في محاولة الجمهوريين البائسة لمنع فوز أول سناتور مسلم بعضوية مجلس الشيوخ الأميركي.
فقد أثبت صوت العرب الأميركيين في ولاية ميشيغن، مرة أخرى، قوّته الانتخابية الحاسمة في تجيير بطاقة الحزب الأزرق لصالح المرشح المصري الأصل، عبدول السيد، رغم الأموال الطائلة التي أنفقتها حملة منافسته هايلي ستيفنز. وقد ساهمت منطقة الديربورنين بشكل خاص، بفوز المرشح التقدمي بفارق ١٥ ألف صوت تقريباً على مستوى الولاية بأكملها.
ولا بأس هنا من التذكير بالنتائج العظيمة التي حققها الثلاثاء الفائت، الناخبون الفلسطينيون في دولة الاحتلال، الذين توافدوا إلى مراكز الاقتراع بنسبة إقبال تاريخية بلغت ٨٠ بالمئة رغم الظروف السياسية الضاغطة، وهي الكثافة التي باتت تهدد بإقصاء رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو من سدة الحكم، محولة كتلة النواب العرب لأول مرة منذ عقود من هامش معادلة الحكم في إسرائيل إلى قلبها في ظل عدم حسم أي من المعسكرين التقليديين للأغلبية بشكل قاطع.
وإذا جاء إنجاز السيد في أغسطس الماضي وسط إقبال انتخابي محدود في ديربورن، فلنا أن نتخيل ما الذي يمكن أن يحصل لو أدلى ٨٠ بالمئة من الناخبين العرب والمسلمين الأميركيين بأصواتهم في ولاية البحيرات العظمى في انتخابات الثلاثاء القادم، إذ لن تكون النتيجة أقل من زلزال سياسي ينجم عنه إيصال أول سناتور مسلم إلى مبنى الكابيتول في العاصمة واشنطن رغم الماكينة الانتخابية لمنافسه الجمهوري مايك روجرز التي يقودها الرئيس دونالد ترامب بنفسه، وكذلك نائبه جاي دي فانس، اللذين لا يتورعان عن شيطنة السيد بسبب خلفيته الدينية والإثنية بما يهدد بنسف القيم الديمقراطية في الولايات المتحدة.
وفي الواقع لا تبدو هزيمة روجرز مجرد أمنية مؤجلة أو رهاناً بعيد المنال، بل باتت واقعاً ملموساً ترسم معالمه استطلاعات الرأي الأخيرة التي تظهر تخلّفه عن السيد الذي تمكن عبر أفكاره الجريئة وأدائه المتوازن من استقطاب اهتمام لافت على امتداد البلاد، بفضل شجاعته وثباته في تبني القضايا العادلة ومواجهة اللوبيات النافذة.
وإذا كان الرجل يتصدى لهذه المعارك الشرسة وهو ما يزال مرشحاً يُفترض أن تُكبّله حسابات المناورة والترشح، فإن وصوله إلى مبنى الكابيتول في واشنطن كسناتور مُنتخب، بلاً من السناتور الحالي غاري بيترز، لن يكون مجرد تبديل في الوجوه، بل تحولاً نوعياً في موازين التأثير، إذ إن انتقاله إلى المجلس التشريعي الأعلى في البلاد، سيمنح القضايا العادلة سنداً تشريعياً وخرقاً تاريخياً يُفكّك هيمنة السرديات التقليدية، ويسهم في إعادة رسم قواعد اللعبة السياسية في واشنطن برمتها.
ولعل هذا بالضبط ما يخيف الجمهوريين الذين فقدوا صوابهم من فوزه ببطاقة الحزب الديمقراطي، ليواصلوا مهاجمته على مدار الساعة بأبشع وأحط السلوكيات السياسية، وممن؟ من قمة الهرم السياسي في الولايات المتحدة الذين يفترض بهم أن يكونوا أمناء على الدستور الأميركيين وحماة للقيم الديمقراطية الأميركية.
بالتأكيد، وكما يردد السيد في جميع إطلالاته الانتخابية، لا ينبغي أن يكون الترشح للخدمة العامة في أميركا بهذه الصعوبة.
وللعارفين، تستعيد معركة السيد في سباق مجلس الشيوخ الأميركي، محطةً فارقة في التاريخ السياسي للولايات المتحدة؛ إذ تُعيد إلى الأذهان الصراع التاريخي الذي خاضه الرئيس الراحل جون كينيدي عام ١٩٦٠. ففي ذلك الوقت، واجه المرشح الديمقراطي حملات تشكيك وتجييش واسعة بسبب ديانته الكاثوليكية، حيث سعى خصومه السياسيون والمحافظون إلى وصمه بالولاء المزدوج وادعاء أن وصوله إلى البيت الأبيض يعني ارتهان القرار الأميركي لبابا الفاتيكان.
واليوم، يتكرر مشهد الاختبار الحضاري للديمقراطية الأميركية بنفس الأدوات والأساليب التي تستغل الهوية الدينية للمرشح العربي الأميركي بغرض التشكيك في انتمائه ووطنيته، في خطوة تكشف عن استمرار الفكر الإقصائي نفسه، وتؤكد أن الطريق نحو ترسيخ التعددية في المؤسسات التشريعية الأميركية لا يزال محفوفاً بالمعارك الفكرية والسياسية، والشعبية أيضاً.
لقد كسر السيد في تصفيات أغسطس المنصرم سقفاً لطالما وُصِم بالاستحالة، وفتح كوّة عميقة في جدار العمل السياسي التقليدي، غير أن فوزه المأمول في انتخابات الثالث من نوفمبر المقبل، لن يكون مجرد انتصار انتخابي عابر، بل حدث مفصلي يزيل الحواجز والعقبات التاريخية كافة من أمام الأجيال القادمة للعرب والمسلمين الأميركيين. كما أن وصوله إلى مبنى الكابيتول سيُنهي عقدة التهميش، ويُقرّ بحق المجتمعات العربية والإسلامية في الشراكة الوطنية الكاملة وصناعة القرار، محولاً ثقلها الانتخابي من ورقة ضغط موسمية إلى قوة تأسيسية دائمة ترسم ملامح المستقبل السياسي في الولاية والبلاد برمتها.
وعلى مفترق الطرق هذا، فإننا في «صدى الوطن» نهيب بجميع الناخبين في ولاية ميشيغن على الخروج إلى مراكز الاقتراع والإدلاء بأصواتهم لإسماع كلمتهم في تأييد المرشحين الملتزمين بالوفاء بوعودهم والمؤهلين لمعالجة التحديات الشائكة في مجتمعاتنا المحلية، وفي عموم ولاية ميشيغن التي نعتبرها موطناً لنا ولأبنائنا.
كما تهيب «صدى الوطن» بشكل خاص بالناخبين العرب الأميركيين التوجه بكثافة إلى صناديق الاقتراع والتصويت لصالح عبدول السيد وبقية المرشحين الذين تدعمهم اللجنة العربية الأميركية للعمل السياسي، مُذكّرةً بأن خيارات الصحيفة واللجنة السياسية لا تنطلق من حسابات فئوية ضيقة ولا تقتصر على دعم المرشحين العرب والمسلمين فحسب، بل تمتد لتشمل نخبة من الكفاءات الوطنية في مجتمع الأميركيين من أصل أفريقي، وفي مقدمتهم نائب الحاكم غارلين غيلكريست في سباق سكريتاريا الولاية، والمرشح دونافان ماكيني في سباق مجلس النواب الأميركي الدائرة ١٣، إلى جانب دعم المرشح اليهودي إيلي سافيت في سباق مدعي عام الولاية، تأكيداً على أن معيار الدعم الأساسي يرتكز دائماً على الكفاءة، والانحياز لقضايا العدالة الاجتماعية، والخدمة المخلصة لكافة أطياف المجتمع.
وجرياً على عادتها في جميع المواسم الانتخابية، تتبنى «صدى الوطن» قائمة المرشحين الذين قررت اللجنة العربية الأميركية للعمل السياسي أيباك تأييدهم في مختلف السباقات المحلية والوطنية والقضائية، وكذلك الاستفتاءات الانتخابية في مدينة ديربورن وفي ولاية البحيرات العظمى، والتي يمكن الاطلاع عليها في الصفحة ٥ أو عبر الملصق المرفق.
إننا في استحقاق الثالث من نوفمبر ٢٠٢٦ لن نكون مجرد ناخبين يُدلون بأصواتهم في استحقاق روتيني، وإنما نحن على موعد حقيقي مع صناعة التاريخ وإعادة كتابة قواعد التمثيل السياسي في هذه الولاية، فلا تتركوا هذه الفرصة التاريخية الثمينة تذهب أدراج الرياح، ولا تدعوا السلبية أو التقاعس يُبددان المكتسبات التي حققها مجتمعنا المحلي خلال العقود المنصرمة، ولا تهدروا أصواتكم في معركة الردّ على خطاب التحريض والكراهية.
إن التوجه بكثافة إلى صناديق الاقتراع هو الردّ الفعلي على حملات التهميش والتشكيك بانتمائنا وهويتنا الأميركية، وهو السبيل الوحيد لتحويل تطلعات مجتمعنا من مجرد آمال مؤجلة إلى واقع سياسي ملموس يفرض احترامه على الجميع ويصنع المستقبل للأجيال القادمة.
صدى الوطن






Leave a Reply