ديترويت
في ليلة الهالوين عام ١٩٢٦، لفظ الساحر العالمي هاري هوديني، أنفاسه الأخيرة داخل إحدى مستشفيات مدينة ديترويت بعد أيام قليلة من تقديم عرضه المسرحي الأخير قبل مئة عام.
وهوديني المولود لأسرة يهودية في العاصمة المجرية بودابست، بتاريخ ٢٤ آذار مارس ١٨٧٤، يعتبر أشهر ساحر في التاريخ الحديث، ولطالما ارتبط اسمه بالإثارة والقدرة الخارقة على تحدي الموت والهروب من أصعب القيود والزنازين المائية. لكن بالنسبة لمدينة ديترويت، فإن اسمها ارتبط بـ«العقدة الوحيدة التي لم يتمكن هوديني من فكها»، وهي عقدة الموت.
فقبل وفاته بأيام قليلة، كان هوديني يفاخر –كعادته– بعضلات بطنه القوية لدرجة تحمل أي لكمة. وتحدى خلال عرض له في مدينة مونتريال الكندية أحد أفراد الجمهور الذي قام بضربه عدة لكمات مفاجئة على بطنه قبل أن يستعد هوديني ويشد عضلاته بالشكل المناسب. وتسببت هذه اللكمات في تفاقم حالة التهاب الزائدة الدودية لديه دون أن يعلم، وظن أن الألم مجرد كدمات عادية.
واستمر هوديني في جولته متوجهاً إلى ديترويت، وعلى متن القطار ارتفعت درجة حرارته لتصل إلى ١٠٤ درجات فهرنهايت. ورغم توسلات الأطباء له بالذهاب إلى المستشفى فوراً، إلا أن عناده وتمسكه بشعاره الدائم «العرض يجب أن يستمر»، جعلاه يصعد على خشبة مسرح «غاريك» في ديترويت يوم ٢٤ أكتوبر ١٩٢٦.
وبالفعل، قدم هوديني عرضاً مذهلاً استمر لقرابة الساعتين والنصف وهو يعاني من آلام مبرحة وينهار خلف الكواليس بين الفواصل المسرحية. وبمجرد أن أُغلق الستار في نهاية العرض، انهار الساحر تماماً وتم أُسدل إلى مستشفى «غرايس» على عجل، حيث تبين للأطباء أن زائدته الدودية قد انفجرت بالفعل قبل عدة أيام مسبّبةً تسمّماً حادّاً في الدم.
وعلى أثر ذلك، خضع هوديني لعمليات جراحية طارئة، وحارب الموت لعدة أيام في الغرفة رقم ٤٠١، قبل أن يعلن الأطباء وفاته في عصر يوم الهالوين ٣١ أكتوبر عن عمر يناهز ٥٢ عاماً.
بعد وفاته، نُقل جثمان هوديني إلى دار جنازات في ديترويت حيث يتم تحنيطه قبل نقله على متن قطار من «محطة ميشيغن المركزية» إلى نيويورك،. وهو داخل تابوت برونزي كان يستخدمه في أحد عروض الهروب من الموت.
اليوم، وبعد مرور قرن من الزمان، ما تزال ديترويت تحتفظ بذكرى الساحر الأيقوني عبر جولات تاريخية ومتاحف تستذكر خطواته الأخيرة، لتبقى المدينة شاهدة على اللحظة التي عجز فيها «ملك الهروب» عن التملص من قبضة ملك الموت.
يذكر أن هوديني ولد باسم أريك ويس في المجر، وكان والده حاخاماً يهودياً. وقد هاجرت عائلته إلى الولايات المتحدة عندما كان طفلاً صغيراً، واستقرت في البداية في ولاية ويسكونسن حيث تولى والده قيادة الجالية اليهودية هناك قبل الانتقال بالأسرة إلى نيويورك.
ودُفن هوديني داخل مقبرة «ماكبيلاه» اليهودية في منطقة كوينز بمدينة نيويورك، وفقاً للطقوس اليهودية.
هوديني وميشيغن
لم تكن ميشيغن مجرد محطة عابرة انتهت فيها حياة هوديني، بل كانت إحدى المحطات المفضلة والأكثر حيوية في مسيرته المهنية. فقد زار ديترويت وحدها ١٩ مرة لإقامة العروض بين عامي ١٨٩٤ و١٩٢٦، وارتبط اسمه بالعديد من الحوادث والمغامرات المثيرة في أنحاء ولاية ميشيغن، من بينها قفزة الموت من فوق جسر جزيرة بل آيل في خريف ١٩٠٦، حيث قام بربط يديه بالأصفاد الحديدية خلف ظهره، وتكبيل قدميه بأوزان ثقيلة تزن قرابة ٣٠ كيلوغراماً، ثم قفز من أعلى الجسر إلى مياه نهر ديترويت المتجمدة.
وغاب هوديني تحت الماء لثوانٍ حبست أنفاس الآلاف من الجماهير المحتشدة على ضفاف النهر، قبل أن يطفو على السطح حراً طليقاً حاملاً الأصفاد المفتوحة في يده.
كذلك، اشتهر هوديني بقدرته على الهروب من «سترة المجانين». وفي إحدى زياراته لديترويت، قام بربط قدميه بالحبال وتدلى مقلوباً رأساً على عقب من أعلى مبنى صحيفة «ديترويت فري برس» المطل على حديقة غراند سيركس بارك في وسط المدينة. ونجح هوديني يومها، في التخلص من السترة المشدودة بالكامل أمام آلاف المتفرجين الذين سدوا الشوارع لمشاهدة التحدي.
وفي سنواته الأخيرة، كرس هوديني وقتاً كبيراً لكشف دجل «محضّري الأرواح» الذين يخدعون الناس. وخلال زياراته لميشيغن وديترويت، كان يتخفى بملابس متنكرة ويزور جلسات تحضير الأرواح السرية في المدينة ليفضح حيلهم البصرية والميكانيكية أمام العامة، مما خلق له عداوات كثيرة مع الجماعات الروحانية في ميشيغن التي ادعت لاحقاً أن «الأرواح» هي من انتقمت منه في الهالوين.
وتأثرت ولاية ميشيغن تاريخياً بزخم هوديني والمعاصرين له؛ حيث تضم الولاية إرثاً ساحراً ممتداً حتى اليوم، بما في ذلك، قرية كولون التي تُلقب رسمياً بـ«عاصمة السحر في العالم». وعلى الرغم من أن هوديني لم يعش فيها، إلا أن منافسه وصديقه اللدود الساحر الشهير السير هاري بلاكستون اتخذها مقراً له في عشرينيات القرن الماضي، وتضم البلدة مقبرة شهيرة تضم رفاة أكثر من ٣٠ ساحراً عالمياً.
وفي مدينة مارشال بجنوب ميشيغن أيضاً، يبرز المتحف الأميركي للسحر، والذي يضم أكبر مجموعة عامة من مواد التذكارات ومعدات السحرة في النصف الغربي من الأرض، ويحتوي على أوراق وصور وأدوات هروب أصلية استخدمها هوديني بنفسه.






Leave a Reply