إبتسام خنافر
في كل عام يأتي عيد الأب محمّلاً بالصور والرسائل والكلمات الدافئة. تمتلئ شاشات الهواتف بوجوه الآباء، وتزدحم صفحات التواصل الاجتماعي بعبارات الحب والامتنان، ويبدو العالم في ذلك اليوم وكأنه يتجه في اتجاه واحد؛ نحو الآباء. يبحث الناس عن صورة قديمة، أو يفتشون عن كلمات تليق برجل كان حاضراً في بدايات حكاياتهم، بينما يقف آخرون على طرف هذا المشهد بصمت طويل. ليس لأنهم أقل حبّاً لآبائهم، بل لأنهم ينظرون إلى هذا اليوم بطريقة مختلفة.
فالذين فقدوا آباءهم لا يحتاجون إلى عيد الأب كي يتذكروهم. الآباء لا يغيبون عن ذاكرة أبنائهم حتى يحتاجوا إلى مناسبة تعيدهم إليها. غير أن هذا اليوم يأتي كل عام ليوقظ شيئاً آخر. يأتي ليذكّرهم بحجم الغياب، وبأن هناك فراغات في الحياة لا يملأها الزمن مهما تقادم، ولا تنجح الأيام في طمسها مهما ازدحمت بالأحداث.
وفي خضم احتفال العالم، يعود كثيرون إلى ذكرياتهم دون إرادة منهم. ليس إلى يوم الرحيل بالضرورة، بل إلى كل ما جاء بعده. إلى السنوات التي مضت وهم يتعلمون كيف يعيشون من دون الرجل الذي كانوا يظنون، في أعماقهم، بأنه سيبقى دائماً بجانبهم. يكتشفون أن الفقد لم يكن خسارة شخص وحسب، وإنما خسارة شعور لا يمكن تعويضه أبداً. الشعور بالأمان كان يرافقهم دون أن ينتبهوا إليه، قبل أن يدركوا قيمته حينما اختفى.
ولعل أكثر ما يؤلم في رحيل الأب، أن الإنسان لا يفقده هو وحده، بل يفقد نسخة من نفسه كانت موجودة بوجوده. النسخة التي كانت تعرف أن هناك رجلاً في هذا العالم يمكن العودة إليه مهما اشتدت الحياة. النسخة التي كانت تمضي مطمئنة لأنها تعرف أن ظهرها ليس مكشوفاً تماماً للأيام.
لا تبدو خسارة الأب كغيرها من الخسارات. فهي لم تكن على الأرجح، أول خسارة في حياة الإنسان، لكنها غالباً ما تكون أول هزيمة حقيقية. لأنها المرة الأولى التي يكتشف فيها المرء أن هناك أموراً لا يمكن تعويضها، ولا يمكن للوقت أن يعيدها مهما طال، ولا يمكن للنجاحات أو محاولات التماسك أن تزيل ندوبها.
ربما لهذا السبب لا يرتبط اليتم بعمر معين. فقد يصبح الإنسان أباً لأبناء وأحفاد، وقد يحمل مسؤوليات الحياة كلها فوق كتفيه، لكنه حين يفقد أباه يكتشف أن هناك جزءاً داخله لم يكبر أبداً، وما زال يردد كلمة: بابا! هو الجزء الذي ما زال يبحث عن ذلك الشعور القديم بالأمان، وما زال يؤمن، رغم كل شيء، بأنه سيعانق أباه مجدداً ليشكو له هموم الدنيا.
وأقسى ما في الفقد أن الشوق لا يلحظ الأشياء الكبيرة وإنما يعشّش في التفاصيل الصغيرة. يشتاق الأبناء إلى صوت كان ينادي أسماءهم بطريقة لا يجيدها أحد سواه. إلى دعاء كانوا يسمعونه كل يوم حتى ظنّوا أنه سيبقى معهم إلى الأبد. إلى نظرة فخر سريعة لم ينتبهوا لقيمتها إلا بعد أن أصبحت ذكرى. وإلى حضن كان قادراً، في لحظة واحدة، على أن يجعل الحياة أقل قسوة مما هي عليه.
لا يشتاق الأبناء إلى الكلمات التي كان يرددها آباؤهم بقدر ما يشتاقون إلى طريقة قولها. فهناك أشياء لا تسكن المعنى، بل تسكن الصوت. وحين يغيب الأب، يبقى الاسم كما هو، لكن القلب يعرف أن أحداً لن يناديه بالطريقة نفسها مرة أخرى.
وفي كثير من الليالي، لا يتمنى الذين فقدوا آباءهم مالاً أكثر ولا نجاحاً أكبر ولا مكانة أعلى. كل ما يتمنونه أن يعودوا أبناءَ وبناتٍ صغاراً لبضع دقائق فقط. أن يجلسوا أمام آبائهم ويخبروهم كيف مضت السنوات من بعدهم، وكم كانت الحياة أثقل مما توقعوا، وكم مرة احتاجوا إليهم ولم يجدوهم، وكم مرة حققوا شيئاً جميلاً ثم التفتوا بعفوية بين الوجوه بحثاً عن عينين اعتادتا أن تكونا أول من يفرح بهم.
ومع مرور السنوات يفهم الأبناء آباءهم أكثر. يدركون حجم التعب الذي كان مختبئاً خلف الصمت، وحجم القلق الذي كان يتوارى بالحزم، ويكتشفون أن الآباء، قبل أن يكونوا آباء، كانوا بشراً يحاولون النجاة من شرور الحياة كالآخرين، لكنهم كانوا يفعلون ذلك وهم يحملون في قلوبهم مسؤولية من يحبون.
ومع مرور السنوات أيضاً، تصبح الألقاب أصغر. تتراجع المناصب، وتفقد الشهرة شيئاً من بريقها، ويكتشف الإنسان أن أعظم ما يحمله في هذه الحياة ليس ما حققه بنفسه، بل اسم الرجل الذي سبقه إليها. يكفي كثيرين منهم أن يُقال: ابن فلان أو ابنة فلان. فهناك آباء يتركون لأبنائهم إرثاً أكبر من المال والممتلكات؛ يتركون لهم اسماً يحملونه بفخر، وحباً يرافقهم حتى آخر العمر، وشعوراً عميقاً بالانتماء لا يستطيع الزمن أن ينتزعه من قلوبهم.
وفي عيد الأب، بينما يحتفل كثيرون بآبائهم، يجلس آخرون في صمت طويل. يحملون في صدورهم شوقاً لا يراه أحد. شوقاً لرجل رحل منذ سنوات، لكنه ما زال حاضراً في تفاصيل حياتهم كلها. لأن بعض الآباء لا يرحلون مرة واحدة، بل يرحلون في كل مرة نحتاجهم فيها، وفي كل مرة نشتاق إليهم، وفي كل مرة نتمنى لو أن الحياة منحتنا دقيقة إضافية معهم.
وفي عالم يطارد الناس فيه الألقاب كلها، يبقى لبعض الأبناء لقب واحد يكفيهم فخراً العمر كله.






Leave a Reply