إبتسام خنافر
هناك كلمة أصبحت تختصر أيامنا كلها. كلمة صغيرة، لكنها تختصر إيقاع حياة كاملة: مشغول!
نقولها عندما يرنّ الهاتف، ونكتبها في رسالة اعتذار، ونؤجل بها زيارة أو لقاء أو وعداً قطعناه ولم نجد له مكاناً في يوم مزدحم.
مع مرور الوقت، لم تعد هذه الكلمة تصف يوماً ضاغطاً، فقد أصبحت تصف جيلاً كاملاً يعيش تحت وطأة المسؤوليات. وفي حقيقة الأمر، أننا لا نبالغ حين نقول إننا مشغولون.
فالحياة لم تعد سهلة كما كانت. كل شيء يحتاج إلى وقت أطول وجهد أكبر ومال أكثر. نعمل ساعات إضافية لأن الأسعار ترتفع، ونفكر في المستقبل قبل أن ينتهي يومنا، ونركض لا لأننا نحب الركض، بل لأن الحياة أوحت إلينا بأن التوقف قد يكون أكثر كلفة مما نحتمل.
لكن المشكلة لا تبدأ هنا. المشكلة تبدأ عندما يتحول الانشغال من ظرف عابر إلى أسلوب حياة، عندما يصبح تأجيل مكالمة الأم أمراً عادياً، وتأجيل زيارة الأب أمراً مفهوماً، وتأجيل جلسة مع صديق أمراً مبرراً. ليس لأن هؤلاء فقدوا مكانتهم، بل لأننا نطمئن، من دون أن نشعر، أنهم سيتفهمون، وأنهم سيبقون هناك حتى نجد الوقت.
وهنا تكمن المأساة الصغيرة التي لا ننتبه إليها.
نحن لا نقول للبنك إننا مشغولون عندما يحين موعد سداد القسط، ولا لشركة الكهرباء عندما تصل الفاتورة، ولا لمدير العمل عندما يطلب إنجاز مهمة. نرتب أولوياتنا بدقة، لأننا نعرف أن للتأخير ثمناً.
وعندما نعود إلى البيت في آخر اليوم، لا يكون التعب في أجسادنا وحدها، إذ تغلغل في عقولنا أيضاً. نجلس أمام شاشة أو نقلّب الهاتف بلا هدف أو نصمت طويلاً.
لسنا نهرب ممن حولنا، لكن نحاول أن نستعيد شيئاً من أنفسنا بعد يوم استنزف كل ما فينا.
قبل سنوات، كان كارم محمود يغني: «شغول عليك مشغول»… كانت الكلمة يومها تعني أن القلب منشغل بمن يحب، وأن الغياب عنه مستحيل.
أما اليوم، فأصبحت تعني، في كثير من الأحيان، أننا لا نجد وقتاً لمن نحب.
لم تتغيّر الكلمة… لكننا نحن الذين تغيّرنا.
والحقيقة أن من نحبهم لا يريدون الكثير. فالأم لا تنتظر هدية، وإنما تنتظر صوتاً. والأب قد تكفيه زيارة قصيرة يشعر فيها أنه ما زال جزءاً من يومك. والطفل لا يتذكر عدد الألعاب التي اشتريتها له، بقدر ما يتذكر أنك جلست معه. والصديق لا يحتاج إلى موعد رسمي، فهو يحتاج فقط إلى لحظة يشعر فيها أنه لم يتحول إلى مجرد اسم في قائمة الاتصالات.
فالعلاقات لا تُقاس بعدد السنوات، ذلك أنها تُقاس بعدد اللحظات التي منحناها لمن نحب.
ومع ذلك، نقنع أنفسنا دائماً بأن الحياة ستبدأ لاحقاً،
بعد المشروع القادم، وبعد الترقية، وبعد أن تتحسن الظروف، وبعد أن نؤمن مستقبل أولادنا.
لكن القائمة لا تنتهي. فكلما انتهى سبب، ظهر آخر، وكلما زال ضغط، بدأ ضغط جديد… وتمضي الأيام بصمت، وتكبر أعمارنا، وتتغيّر وجوه أحبائنا من دون أن نشعر.
لسنا مخطئين لأننا نعمل ونسعى بلا هوادة لتحقيق العيش الكريم، لكن ربما علينا، بين حين وآخر، أن نتوقف للحظة، لا لنهرب من مسؤولياتنا، وإنما لنتأكد أننا لا نؤجل الحياة نفسها.
فقد نمضي أعمارنا كلها ونحن نؤمّن متطلبات العيش..ثم نكتشف أن العيش كان يحتاج إلى أشياء أبسط بكثير: مكالمة، زيارة، جلسة قصيرة أو دقائق نقضيها مع الأشخاص نفسهم الذين نركض ونتعتب من أجلهم.
حينها، لن يكون السؤال: كم كنا مشغولين؟ إذ سيكون السؤال الذي يستحق أن نسأله قبل فوات الأوان: هل نحن مشغولون بالحياة.. أم مشغولون عن الحياة؟






Leave a Reply