إبتسام خنافر
ربما مررتَ يوماً أمام بيتٍ لم يعد بيتاً، ورأيته واقفاً كظلٍّ باهت، بلا جدران ولا سقف، كأن الحياة انسحبت منه بهدوء دون أن تودّع. وربما شعرت بذلك الثقل الغريب في صدرك، حين لا تعرف هل تحزن على المكان.. أم على الذين كانوا فيه.
في جنوب لبنان، هناك أناس لا يقفون أمام بيوتهم ليدخلوها، بل ليودّعوها. يمشون فوق الركام كما لو أنهم يمشون فوق أعمارهم، يتوقفون عند زاوية، عند حجر، عند تفصيل صغير لا يراه أحد غيرهم، وكأنهم يحاولون أن يلتقطوا ما تبقّى من أنفسهم بين الحجارة. ثم، بصوت خافت، يكاد لا يُسمع، يقول أحدهم: «الحمد لله.. قدّر الله وما شاء فعل».
تسمعها، فتتساءل كيف خرجت هذه الكلمة الآن، ومن أين جاءت في مكان لم يبقَ فيه شيء. لكن الحقيقة أنها لا تأتي من الخارج، بل من ذلك العمق البعيد في الإنسان، من مكان لا تصل إليه الفوضى كلها، ولا يستطيع الخراب أن يبلغه بالكامل.
وربما تعرف هذا الشعور جيداً، حين يحدث شيء فجأة ويقلب حياتك في لحظة: حادث، خوف، ثانية واحدة كان يمكن أن تنتهي بشكل مختلف تماماً. تخرج منها وأنت لا تفهم كيف بقيت، تنظر إلى نفسك وإلى العالم حولك كأنك تراه لأول مرة، ثم تقولها دون تفكير: «الحمد لله». لا تقولها لأنك قوي، بل لأنك كنت قريباً جداً من خطبٍ لا يُحتمل… ونجوت.
لكن هناك لحظات لا تشبه النجاة ولا تشبه الخسارة العابرة، لحظات يكون الفقد فيها إنساناً، وجهاً تعرفه، صوتاً كان يملأ يومك، قلباً كان جزءاً منك. أمٌّ تنظر إلى ابنها، ولا يعود النظر كما كان، تمرّ يدها على وجهه كما اعتادت، لكن الدفء غائب، والزمن واقف، والعالم كله يبدو بعيداً بشكل لا يُصدق. في تلك اللحظة، لا تبحث عن كلمات، ولا تنتظر عزاءً، ولا تفكر في الغد، بل تفعل شيئاً واحداً فقط تهمس: «الحمد لله». ليس لأن قلبها لا ينكسر، بل لأنه انكسر.. ولم تجد ما تمسكه به إلا هذه الكلمة.
«الحمد لله» ليست دائماً كلمة خفيفة كما نرددها، بل أحياناً تكون أثقل من كل ما نحمله. نقولها في الفرح فنشعر أنها طبيعية ومفهومة، لكننا نقولها أيضاً في الحزن، وحينها لا تكون شرحاً لما يحدث، ولا تبريراً له، ولا محاولة لتجميله، بل تصبح شيئاً أقرب إلى العودة. كأن الإنسان، حين تضيق به الدنيا، يبحث عن مكان يرجع إليه، فلا يجد إلا هذه الكلمة.
ربما قلتها يوماً وأنت لا تشعر بها، وربما قلتها وأنت تبكي، وربما خرجت منك لا ككلمة، بل كأنها تنهيدة طويلة. وفي كل مرة كانت تعني شيئاً مختلفاً، لكنها كانت دائماً تعني أنك لم تنقطع، وأن هناك خيطاً، مهما كان رفيعاً، ما زال يربطك بالله.
ثم يأتي وقت يهدأ فيه كل شيء، لا ضجيج، لا ناس، لا محاولات للتماسك، وتبقى وحدك مع ما حدث، مع الفراغ، مع الأسئلة التي لا تجد لها جواباً. في تلك اللحظة، حين لا يراك أحد ولا تنتظر منك الحياة أن تكون قوياً، تقولها مرة أخرى: «الحمد لله». لكنها هذه المرة تخرج ببطء، مثقلة، صادقة أكثر من أي وقت آخر، كأنها تمرّ عبر كل وجعك قبل أن تخرج… من مكانٍ عميق ينزف… ولكنه ما زال ينبض.
وربما، وأنت تقرأ الآن، تتذكر لحظة قلت فيها هذه الكلمة، ولم تكن بخير، وربما فهمت، ولو قليلاً، أن «الحمد لله» ليست للنجاة، بل لأننا، حتى عندما نخسر، لا نريد أن نخسر كل شيء.
نعود إليها.. كما يعود الإنسان إلى بيته، حتى لو لم يبقَ من البيت إلا أثر…






Leave a Reply