محمد العزير
وسط الخسارات الدامية والمآسي المتتالية والدمار الهائل في لبنان، وبعد حرب مفتوحة منذ الثامن من أكتوبر 2023، أليس من المطلوب والضروري إعادة النظر في مجمل السلوك السياسي والمؤسسي والإعلامي وحتى العسكري للقوى النافذة، وبالتحديد «حزب الله»، وهل يمكن للبنانيين، مقيمين ومغتربين، أن يأملوا بمقاربة جديدة في هذه المرحلة الفائقة الحساسية، خصوصاً وأنه يبدو، أن أمام لبنان فرصة «نادرة» لوقف الحرب الإسرائيلية الهمجية والقذرة ضده، والتي تسعى بلا هوادة إلى استنساخ الإبادة في قطاع غزة على أرضه تحت مرأى العالم ومسمعه؟
قدم لبنان منذ إعلان حرب الإسناد الأولى لغزة وحتى اليوم، بعد سبعة أسابيع على حرب الإسناد الثانية لإيران من أبنائه وبناته 6,501 شهيداً، ومن الجرحى 32,641، وفق الإحصاءات التي لم تلحظ بالطبع من سقط في القرى الأمامية على الحدود اللبنانية الفلسطينية، والتي شهدت أعمال قصف وتدمير شاملة، ولم يعرف بعد، مصير عشرات المقاتلين الذين صمدوا في بلداتهم وواجهوا توغلات الاحتلال ببسالة نادرة، كما أدّت الحرب المفتوحة إلى تهجير أكثر من مليون ومئتي ألف إنسان من الجنوب والضاحية الجنوبية وبعلبك والبقاع، فضلاً عن الخسائر المادية التي ناهزت الثلاثين مليار دولار، والتي كان نصيب العمران منها كبيراً، حيث دمرت أو تضررت حوالي 160 ألف وحدة سكنية ومبنى، إلى جانب الخسائر غير المباشرة في القطاعات الاقتصادية وخصوصاً السياحة. ألا تستدعي هذه الأرقام المهولة في وطن صغير وقفة صادقة لتلمّس المستقبل؟
هذا بلا شك موضوع شائك، ويزيد من تعقيده أنه في حضور الدم يحلّ الانفعال بجدارة محل النقاش الهادئ، ولطالما تكرر القول عند كل مفترق مهم، أن الوقت الآن ليس مناسباً للتنظير، ومنذ أن شاعت مقولة لا صوت يعلو فوق صوت المعركة أيام عبد الناصر، صار صوت السلاح هو الأعلى، بصرف النظر عن النتائج التي يجنيها السلاح، ودون أية مراجعة موضوعية لمجريات الأمور، وبالطبع دون أية مساءلة، حتى لا يقال محاسبة، عن القرارات والمواقف التي سرعان ما تتغلف بثوب من القداسة ما دامت قائمة على الحرب والدم و«الشهادة»، لكن هذا السياق المتمادي لم يعد مجدياً وليس التسليم به فعل إيمان بـ«القضية»، بل يكاد يصبح في ظل ميزان القوى القائم حالياً، أشبه بالإنتحار العمْد.
والحال أن خطاب النصر الدائم، رغم فداحة الخسارة، لم يعد يجدي، حتى ولو أرفق باعتراف موارب بتفوّق «موضعي» للعدو، ولم تعد السردية القائمة منذ أكثر من أربعة عقود في لبنان، ومنذ أكثر من 70 سنة عربياً، قابلة للاستمرار منطقياً، ولا كافية لتبرير كل ما جرى خلال تلك العقود المتعبة، والتي آلت إلى أسوأ مما كانت عليه الأمور في بداياتها، وهذه هي الحقيقة الواضحة لمن لا يريد دفن رأسه في رمال التعصب أو الاختباء الوهمي وراء إصبع رقيق من الكيدية والمناكفة.
ومع تلافي الدخول في تفاصيل داخلية قد تقود النقاش إلى مكان آخر، يمكن القول إن «حزب الله» قدّم نفسه في لبنان كمشروع مقاومة للاحتلال الإسرائيلي تحت مسمى المقاومة الإسلامية، مع الإشارة إلى أن اللبنانيين هبوا إلى مقاومة الاحتلال بعد اجتياح العام 1982، وأجبروا الاحتلال على الانكفاء عن معظم المناطق التي احتلها والعودة إلى حدود الشريط الحدودي الذي أقامه في اجتياحه الأول في آذار 1978، والذي يعيد العمل على تجديده اليوم، وكانت المقاومة التي أطلقت على نفسها تسمية «الوطنية» تضم أطيافاً واسعة من القوى الحزبية ذات المشارب القومية والتقدمية والدينية، ولم تكن لها بنى مؤسسية أو هيكلية إدارية ما عدا ما يتعلق بالعمل الفدائي المقاوم حصراً، وذلك قبل الإعلان الرسمي عن قيام «حزب الله» كتنظيم سياسي (1984).
وحتى بعد سعي «حزب الله» إلى احتكار المقاومة، بمساعدة ودعم كبيرين من النظام السوري الذي كانت قواته تسيطر على لبنان، وكانت قيادته تتحكم بالسياسة فيه، كانت أولوية مواجهة الاحتلال تملي على اللبنانيين، وخصوصاً القوى التي تضررت مباشرة من تمدد «حزب الله» وانفراده، اعلان دعم المقاومة ومساندتها، لكن المقابل لم يكن من النوعية نفسها، ولم يكن تشكيل ما أطلق عليها إسم «سرايا المقاومة» بديلاً لـ«المقاومة الوطنية»، بل أمست على غرار «الجبهة الوطنية التقدمية» في سوريا، مجرد ديكور تنوعي في خدمة الحزب القائد، مقابل منافع سلطوية ومالية، كذلك وسّع «حزب الله» اهتماماته إلى ما هو أبعد من المقاومة، فاتجه إلى النيابة والوزارة والتعليم والصحة والإعلام والمال، وصارت حارة حريك، خصوصاً بعد خروج القوات السورية من لبنان بعد اغتيال رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري عام 2005، المركز الأول للقرار في لبنان دون منازع.
وتحت شعار المقاومة، ثم حماية المقاومة، أمسك «حزب الله» بالسياسة في لبنان من عنقها، ولم يلتزم بمقررات مؤتمر الحوار الوطني الذي دعا اليه حليفه رئيس مجلس النواب نبيه بري عام 2006، بل زاد على ذلك مواصلة سياسة النظام السوري لجهة تحويل المخيمات الفلسطينية، (التي أقر المؤتمر في بنده الأول نزع السلاح منها)، إلى بؤر دائمة للفلتان الأمني والخروج على القانون، فيما أباح مناطق نفوذه في بعلبك والهرمل والضاحية، للأعمال الخارجة على القانون من الجريمة المنظمة إلى الإتاوات وزراعة وتصنيع وتجارة المخدرات والممنوعات، ولا يمكن التنكر لهذه الأعمال ولا التنصل من المسؤولية عنها ففي كل مرة كانت الحكومة تبادر إلى خطوة مهما كانت رمزية للحد من ذلك (على سبيل المثال الحملة على الدراجات النارية المخالفة) كان الحزب يتصدى لذلك علناً ويمنعها.
وتحت شعار المقاومة، عمد «حزب الله»، وهذه المرة بالمشاركة مع شقه الثاني في الثنائي إلى تعطيل مجلس النواب لأكثر من سنة، ومحاصرة السراي الحكومي في قلب بيروت للمدة نفسها (2006)، وبعد تحكمه بتشكيل الحكومات (ولو دون إعلان رسمي) خصوصاً بعد مؤتمر الدوحة الذي اجترح مبدأ الثلث المعطل عام 2008، منع مجلس النواب من الانعقاد لانتخاب رئيس للجمهورية لمدة سنتين ونصف بعد نهاية ولاية الرئيس ميشال سليمان، من أجل المجيء بحليفه الجنرال ميشال عون رئيساً (2016)، وكرر الأمر نفسه بعد نهاية ولاية عون إلى ما بعد حرب الإسناد الأولى التي أنهت سنتين ونيّف من إقفال المجلس، وفي واحدة من أكثر التصرفات العلنية لتثبيت هيمنته، عمد الحزب في أوائل العام 2011، إلى فرط الحكومة عبر استقالة ثلثها «المعطل» بينما كان رئيسها في حينه سعد الحريري يلتقي الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما، لتنطلق في بيروت الشماتة السياسية من أوساط الحزب بأنه أدخل الحريري إلى البيت الأبيض رئيساً، وأخرجه رئيساً سابقاً!
المقاومة كانت المنطلق الافتراضي لمسيرة «حزب الله» التي أصبحت فعلياً ومعنوياً وعسكرياً أكبر من الدولة، فصار قادراً على التدخل العسكري المباشر في سوريا لدعم نظام بشار الأسد، وعلى التدخل في العراق واليمن، وتعكير العلاقات العربية للبنان، وخصوصاً دول الخليج العربي التي ناصبها الحزب العداء وكال لها من الهجاء والتهجم على أعلى مستوى، هذا مع التغاضي عن بعض الأعمال الأمنية فيها، والتي أنكرها الحزب تباعاً، قبل أن يتجدد الحديث عنها بعد الجولة الأخيرة من الحرب، وبعد أن دعا أمين عام الحزب الجديد الشيخ نعيم قاسم إلى فتح صفحة جديدة مع السعودية وكرر الإعلان عن حق الشعب السوري في اختيار قيادته!
بين المقاومة وبين واقع الحال الذي تغيّر بشدة بعد حربين مدمرتين، ثمة مسافة كافية لإعادة النظر التي لا يمكن أن تتأخر أكثر لأن السردية القديمة انتهت، ولبنان يحتاج، لا بل يستحق مقاربة أكثر واقعية ووطنية وصدقاً مع الذات.






Leave a Reply