ابتسام خنافر
تأخر الطقس الجميل في ميشيغن هذا العام. بقيت السماء الرمادية معلقة فوق رؤوسنا لأسابيع أطول مما اعتدنا، وكأن الشتاء يرفض أن يغادر.
لكن ما إن ظهرت الشمس لعدة أيام متتالية حتى حدث شيء يصعب تفسيره بالأرصاد الجوية وحدها.
امتلأت الحدائق فجأة بالناس. عادت الدراجات إلى الشوارع. ازدحمت المقاهي بمقاعدها الخارجية. ارتفعت أصوات الأطفال داخل الأحياء.
وحتى الذين كانوا يخرجون لقضاء حاجة ضرورية فقط خلال الشتاء، أصبحوا يخرجون بلا سبب واضح سوى أن الطقس بديع.
في تلك اللحظات تذكرت أغنية فيروز «حبّيتك بالصيف». وربما لم يكن الأمر مجرد أغنية حب.
فالصيف، بالنسبة لكثيرين، ليس فصلاً من فصول السنة فقط. إنه حالة نفسية كاملة، شعور جماعي بأن الحياة أصبحت أخف، وأن العالم عاد يفتح أبوابه من جديد. والحقيقة أن هذا الشعور ليس وهماً.
فالإنسان، رغم كل ما وصل إليه من تطور، ما زال مرتبطاً بالطبيعة أكثر مما يظن.
عندما تقصر ساعات النهار في الشتاء ويختفي الضوء مبكراً، يتغير شيء في داخلنا.
ترتفع معدلات الاكتئاب الموسمي، ويشعر كثير من الناس بالخمول وتقلّب المزاج وفقدان الطاقة.
بعضهم يحتاج إلى علاج أو أدوية لمواجهة تلك الأشهر الثقيلة التي تبدو أطول من غيرها.
وليس الاكتئاب وحده ما يزداد في الشتاء.
فالأطباء يتحدثون أيضاً عن ارتفاع الأمراض التنفسية وأمراض القلب خلال الأشهر الباردة. وتشير الإحصاءات في كثير من الدول إلى أن معدلات الوفيات ترتفع في الشتاء مقارنة بفصل الصيف. وكأن البرد لا يهاجم أجسادنا فقط، بل يثقل أرواحنا أيضاً.
لكن أكثر ما يثير التفكير هو ما يحدث خلف الأبواب المغلقة.
في الشتاء يمضي الناس وقتاً أطول داخل المنازل. تقل الحركة، وتقل اللقاءات، وتزداد العزلة.
بالنسبة للبعض قد يكون ذلك مجرد موسم هادئ، لكنه بالنسبة لآخرين يتحوّل إلى وحدة حقيقية.
ساعات طويلة من الانغلاق، وأيام قصيرة تذوب بسرعة في الظلام، وفرص أقل للتواصل مع الآخرين.
أما الصيف فيفعل العكس تماماً.
إنه يدفع الناس إلى الخارج… إلى المشي أو الجلوس في الهواء الطلق وزيارة الأصدقاء والسفر وحضور الأعراس والمهرجانات. فجأة تصبح الحياة أكثر حركة.
والمفارقة أن كثيراً من الإرشادات التي ينصح بها الأطباء لتحسين الصحة النفسية تحدث تلقائياً في الصيف: التعرض للشمس، النشاط البدني، التواصل الاجتماعي، وقضاء الوقت في الهواء الطلق.
حتى الاقتصاد يبدو وكأنه يستجيب لهذا التغيير.
في ميشيغن، كما في معظم الولايات الأميركية الشمالية، تنشط الحركة التجارية وانتقال الأسر إلى مساكن جديدة. فهم يفضلون أن تكون الأسابيع الانتقالية قبل انطلاق العام الدراسي، حين يكون الطقس جميلاً، على أن تكون بدايات لفصل جديد في الحياة.
المطاعم تستقبل مزيداً من الزبائن والمنتزهات تمتلئ بالزوار وتنتعش السياحة والأعمال الموسمية.
الأموال تتحرك بسرعة أكبر لأن الناس أنفسهم يتحركون أكثر.
حتى التاريخ عرف هذه الحقيقة بطريقته الخاصة.
فالجيوش القديمة كانت تفضل التحرك في مواسم الدفء عندما تكون الطرق سالكة والأيام أطول.
وكأن البشر، سواء كانوا ذاهبين إلى سوق أو عرس أو حتى إلى حرب، كانوا يحتاجون دائماً إلى الضوء
ربما لهذا السبب لا يبدو الصيف مجرد تغيير في درجات الحرارة.
إنه تذكير سنوي بأن الإنسان كائن اجتماعي، وأن صحته مرتبطة بالحركة والضوء والناس من حوله أكثر مما يعتقد.
وعندما نتأمل الشوارع اليوم، بعد أشهر طويلة من البرد والغيوم، نفهم لماذا ينتظر الناس الصيف بهذه اللهفة. ليس لأنهم يحبون الحر، بل لأنهم يحبون ما يفعله الصيف بهم، فهو يعيدهم إلى الأرصفة والحدائق والمقاهي. يعيد الأعراس إلى القاعات والضحكات إلى الساحات. يعيد شيئاً من الخفة إلى القلوب التي أثقلها الشتاء. وربما، لهذا السبب، عندما يتأخر الصيف، نشعر جميعاً أننا لا ننتظر فصلاً جديداً فحسب، بل نحن ننتظر عودة الحياة.







Leave a Reply