ديربورن – طارق عبدالواحد
أقام «المجلس الأميركي لحقوق الإنسان» AHRC حفله السنوي لتوزيع جوائز «روح الإنسانية» في صالة «نادي فيرلين» بمدينة ديربورن، مساء الجمعة الفائت، وسط حشد من الفعاليات المحلية والمسؤولين الرسميين والمنتخبين وممثلي المؤسسات المدنية والدينية، بالإضافة إلى عدد من المرشحين في منطقة ديترويت وعموم ولاية ميشيغن.
ومنح المجلس الحقوقي جائزة «صانع السلام العالمي» لدولة باكستان، تقديراً لـ«نهجها الدبلوماسي ودورها الحيوي في جهود الوساطة وتقريب وجهات النظر لتخفيف حدة التوتر بين الولايات المتحدة وإيران»، بحسب المدير التنفيذي للمنظمة، عماد حمد، الذي أوضح بأن «الدبلوماسية البناءة تظل الركيزة الأساسية لدعم الاستقرار الدولي وصون الكرامة الإنسانية»، مشدداً على أهمية تغليب الحوار وبناء جسور التواصل في إدارة الأزمات العالمية.
وتسلّم القنصل العام لباكستان في منطقة الغرب الأوسط الأميركي، زمان مهدي، الجائزة بالنيابة عن حكومة بلاده، موضحاً بأن مبادرة التكريم «تجدد المسؤولية لدى قيادة باكستان تجاه منطقة تضم نحو ثلاث مليارات نسمة لا سبيل للازدهار فيها إلا عبر السلام»، ومشيداً بدور المجلس الأميركي لحقوق الإنسان في تعزيز الحوار ومواجهة خطاب الكراهية لحماية الكرامة الإنسانية.
أما جائزة «القيادة المدنية وخدمة المجتمع» فكانت من نصيب القيادية السوداء، كاريل كونواي، التي «كرّست جلّ حياتها لدعم أحياء ومجتمعات مدينة ديترويت، إلى جانب العمل لتمكين الفئات الأكثر احتياجاً، فضلاً عن التزامها الراسخ بتعزيز حقوق الإنسان والعدالة الاجتماعية»، بحسب كتيّب الحفل الذي تميز بحضور كثيف للفعاليات الأميركية من أصل إفريقي.
كما قدّم المجلس جائزة «الصحة المجتمعية والأمل» لـ«عيادة الهدى» Huda Clinic في مدينة ديترويت، وهي مؤسسة خيرية تأسست عام ٢٠٠٤ لتقديم الخدمات الطبية والصحية مجاناً بالكامل للمرضى الذين لا يمتلكون تأميناً صحياً في منطقة ديترويت. وجاء هذا التكريم «تقديراً لرسالتها الإنسانية الراسخة في تجسيد معاني الكرامة والأمل، وتقديم الرعاية الطبية البدنية والنفسية القائمة على العاطفة والتكافل خلال الظروف الاقتصادية والاجتماعية الصعبة»، إذ تمكنت العيادة خلال العام المنصرم وحده من تقديم خدماتها لأكثر من ٧,٥٠٠ مريض، حيث تقدّر القيمة الإجمالية لتلك الخدمات الطبية بحوالي ١.٨ مليون دولار.
ومنح المجلس جائزة «ملاذ الأمل» لمؤسسة «فريدوم هاوس» في ديترويت، لالتزامها الثابت بتقديم الخدمات النفسية والقانونية والإنسانية للعائلات والأفراد الفارين من الاضطهاد وعنف النزاعات، لإعانتهم على التعافي وبناء حياة جديدة، قائمة على الحرية والكرامة.
وفي لفتة وفاء للقادة المجتمعيين، خصّ المجلس، الشيخ الراحل عبدالله الأمين، الذي يعدّ أبرز المشاركين في تأسيس «مركز المسلم» على شارع دايفيسون في ديترويت، عبر التذكير بمسيرته المفعمة بـ«قيم الإيمان والتفاني في خدمة المجتمع»، وكذلك «تخليداً لإرثه الممتد كقائد ملهِم وبنّاء جسورٍ ترسّخ قيم العدالة والتعاطف والوحدة الإنسانية في وجدان مدينة ديترويت، ليبقى عطاؤه النبيل مشعلاً يُلهم الأجيال القادمة ويضيء طريقها نحو التضامن والإخاء»، بحسب المجلس الحقوقي.
لفتة تكريمية
في المقلب الآخر، قدّم رئيس بلدية ديربورن عبدالله حمود درعاً تقديرية للقيادي الحقوقي عماد حمد، مشيداً بالنشاط الدؤوب للمجلس وبإصداراته الصحفية المتواصلة التي تتجاوز في كثافتها بعض المبادرات الإعلامية للكثير من المؤسسات المحلية.
وأوضح حمود بأن الدفاع عن حقوق الإنسان يتطلب تطبيق قيم العدالة بشكل عالمي وشامل، مشدداً على أن مثل هذه اللقاءات تعتبر «فرصة حقيقية لتقريب المسافات وكسر الحواجز التي يسعى البعض لإقامتها، لا سيما في المواسم السياسية»، وقال إن الكراهية تتغذى وتزدهر حين تتباعد المجتمعات وتتسع الفجوات بينها.
وسلّط رئيس البلدية الضوء على أهمية تعزيز الشراكة والروابط الوثيقة بين ديربورن وديترويت، مستشهداً بالتحول التاريخي في منطقة شارع تايرمان الحدودي بين المدينتين والذي تحول تحت إدارته إلى مساحة للتلاقي والاحتفاء السنوي المشترك، بعدما كانت لعقود رمزاً للتفرقة والتمييز والرقابة الشرطية.
وقال حمود إن التحديات والظروف الاقتصادية والاجتماعية التي تواجه السكان على جانبي الطريق هي واحدة، مشدداً على ضرورة أن تنعكس جهود بناء الجسور والتفاهم على القواعد الشعبية والواقع اليومي للسكّان وألا تقتصر على اللقاءات النخبوية، معرباً عن التزامه الشخصي والرسمي بالعمل المستمر على مدار العام لمواجهة أسباب التوتر والتفرقة، لضمان صون الحقوق الإنسانية للجميع، وتعزيز التعايش السلمي بين مختلف المكونات والخلفيات.
كما قدّم مدير شرطة ولاية ميشيغن، ومدير إدارتي الطوارئ والأمن الداخلي بالولاية، العقيد جيمس غريدي، شارة التقدير الرسمية بشرطة ولاية ميشيغن لحمد، تقديراً لجهوده الدؤوبة في توحيد الصفوف وبناء الجسور بين المجتمع وأجهزة إنفاذ القانون.
لا مساومة على الحقوق
رئيس مجلس إدارة المجلس الأميركي لحقوق الإنسان، الدكتور صالح مصلح، رحّب بالحضور الكثيف، معرباً خلال كلمته عن اعتزازه بالمشاركة الواسعة التي تعكس التزاماً جماعياً متبادلاً بالقضايا المحورية التي تُشكل جوهر رسالة المجلس الحقوقي، وفي مقدمتها الدفاع عن حقوق الإنسان وحماية الحريات المدنية وصون الكرامة البشرية لكل فرد دون تمييز.
وأكد الدكتور مصلح أن فريق العمل في المجلس يعمل بلا كلل لتحقيق هذه المبادئ السامية من خلال التوعية المجتمعية، والمدافعة عن السياسات العادلة والبرامج التعليمية، إلى جانب التصدّي الصلب للانتهاكات، ليظل المجلس صوتاً حياً في وجه الظلم وسنداً للمجتمعات والمجموعات المهمشة على المستويين المحلي والدولي.
وفي كلمة له، أوضح حمد بأن التمسك بحقوق الإنسان والدفاع عن الحريات المدنية والدستورية يمثل واجباً أخلاقياً ووطنياً لا يتجزأ ولا يخضع للمساومات، وقال: «إننا نمر في واحدة من أكثر المراحل دقة وصعوبة في التاريخ المعاصر على مستوى صيانة الحقوق المدنية وحرية التعبير والعدالة الاجتماعية، مما يفرض علينا جميعاً رفع الصوت عالياً ورفض الصمت أو التواطؤ أمام الانتهاكات والظلم». وأضاف حمد بأن جوائز «روح الإنسانية» التي يمنحها المجلس سنوياً ليست مجرد عنوان أو شعار براق، بل هي ممارسة ميدانية وعطاء متواصل وشجاعة في الوقوف مع الضحايا والمستضعفين في كل مكان، والعمل بلا كلل لبناء الجسور وتكريس مبادئ الحق والعدالة والسلام الشامل.
وفي تصريح لصحيفة «صدى الوطن»، عبّر حمد عن سعادته الغامرة واعتزازه العميق بـ«الحضور المميز والتواجد اللافت للأفارقة الأميركيين سواء في القاعة أو على منصة التكريم»، مؤكداً على عمق العلاقات التاريخية والوطيدة التي يحرص المجلس، إلى جانب المؤسسات العربية الأميركية الأخرى، على نسجها وتعزيزها مع المجتمع الإفريقي الأميركي في منطقة ديترويت الكبرى.
وأوضح حمد بأن الحضور الكثيف للأميركيين من أصل أفريقي في هذه الاحتفالية يمثل «الرد الأقوى والأبلغ على كافة محاولات التفريق التي تسعى لتمزيق النسيج المجتمعي وتأجيج الكراهية بين بعضنا البعض، والتي يحاول بعض الانتهازيين استغلالها لتحقيق مآرب خاصة»، في إشارة إلى محاولات الشحن والتوتير العرقي بين العرب والسود عقب الحادث المروري الذي وقع في منطقة وورنديل، الشهر المنصرم.






Leave a Reply