إبتسام خنافر
بين المنافسة المشروعة واغتيال السمعة، تبدو الحملات الانتخابية وكأنها فقدت بوصلتها. فلو صدّق الناخب كل إعلان يشاهده، لتحوّل يوم الاقتراع إلى سؤال مختلف تماماً: كيف سُمح لهؤلاء جميعاً بالترشح؟ إعلان يؤكد أن المنافس خطر على الولاية، وآخر يرد بأن الخطر الحقيقي هو صاحب الإعلان الأول، وثالث يوحي بأن نهاية العالم لن تأتي بسبب الحروب أو الأزمات الاقتصادية، بل بسبب فوز مرشح بعينه. وبعد هذا السيل من التحذيرات الجنونية، يدخل الناخب مركز الاقتراع وهو لا يعرف إن كان جاء لاختيار مسؤول، أم لاختيار أقل المتهمين خطورة على مستقبله.
هناك فرق كبير بين أن يطلب المرشح صوت الناخب، وبين أن يقضي حملته كلها محاولاً أن يجعله يشمئز من منافسه. لكن هذا الفرق يبدو أنه أصبح أول ضحايا الموسم الانتخابي. لم تعد بعض الحملات تبدأ بعبارة: «هذه رؤيتنا»، أو «هذا ما سنفعله إذا فزنا». بل تبدأ عملياً برسالة مختلفة: دع برنامجنا جانباً الآن، ولنخبرك أولاً لماذا لا يستحق منافسنا احترامك. وهكذا تتحول الانتخابات من منافسة بين الأفكار إلى مسابقة في إنتاج النفور، ويصبح المطلوب من الناخب ألا يختار الأفضل، بل الأقل سوءاً.
من المثير للاستغراب أيضاً، مدى تركيز الحملات على نبش الماضي واصطياد التصريحات المجتزأة أو زلات اللسان. فتجد للمرشح المنافس هفوة لا تغتفر قبل عشرة أعوام، أو تعبيراً غير موفّق أو صورة مع شخصية مثيرة للجدل… أما أزمات السكن وارتفاع الأسعار وتدني مستوى التعليم وارتفاع الضرائب وتدهور الطرق ونظام الرعاية الصحية، فتبدو أحياناً مسائل ثانوية مملة يمكن العودة إليها لاحقاً، بعد الانتهاء من نبش أرشيف المنافس وعائلته وأصدقائه وربما زملائه في المرحلة الابتدائية. فهذا يجعل الإعلان أكثر إثارة وتأثيراً في عقول الناخبين.
وبالطبع، لا تكتمل الحبكة الانتخابية من دون الموسيقى الدرامية: صور بالأبيض والأسود، لقطات بطيئة، وصوت عميق يوحي بأن الولاية على بُعد ثوانٍ من الانهيار، ثم وجه المنافس وقد اختيرت له أسوأ زاوية ممكنة. أما الحقيقة، فتظهر أحياناً في أسفل الشاشة بخط صغير، وبسرعة تجعل قراءتها إنجازاً يحتاج إلى تدريب خاص: هذا الإعلان مدفوع من قبل الجهة الفلانية.
لا أحد يرفض المنافسة الانتخابية وحق التصويب على الخصم. فالعمل العام يتطلب المساءلة خاصة للمسؤولين الحاليين والسابقين، ومن يطلب ثقة الناس يجب أن يكون مستعداً لكشف سجله ومناقشة مواقفه وتحمل النقد. ومن حق الناخب أيضاً أن يعرف الأخطاء والتناقضات والوعود التي لم تُنفذ. لكن هناك فرقاً بين كشف الحقيقة وصناعة الفضيحة، وبين مساءلة المرشح وإهانته، وبين نقد موقف سياسي وتحويل صاحبه إلى شخص لا يستحق حتى الاحترام. فالنقد يساعد الناس على الاختيار، أما التشهير فهو محاولة لسلبهم القدرة على الاختيار.
المشكلة أن نصف الحقيقة أكثر نشاطاً في موسم الانتخابات من الحقيقة كاملة. فالحقيقة الكاملة تحتاج إلى شرح وسياق ووقت، أما نصف الحقيقة فيكفيه عنوان غاضب وصورة قاتمة وثلاثون ثانية مدفوعة الثمن.
بشكل عام، يبدو أن بعض الحملات أدركت أن تخويف الناخب أسهل من إقناعه، وأن زرع النفور أسرع من بناء الثقة، وأن مهاجمة المنافس أقل كلفة من كتابة برنامج متماسك.
يقال إن «في الحرب والحب كل شيء مباح»، ويبدو أن الانتخابات انضمت إلى هذا المثل من دون أن تستشير الحرب أو الحب، وبالتأكيد من دون أن تستشير الأخلاق. فالغاية أصبحت الفوز، والسمعة تحولت إلى وسيلة، والحقيقة إلى مادة قابلة للقص واللصق. وما دام الإعلان لا يخالف القانون، فلا يبدو أن أحداً يتوقف طويلاً ليسأل إن كان يخالف الضمير.
لكن أخطر ما تفعله هذه الحملات ليس تشويه صورة مرشّح بعينه، بل تشويه صورة السياسة كلها. عندما يسمع الناخب كل يوم أن الأول فاسد، والثاني كاذب، والثالث متطرف، والرابع غير مؤهل، قد يصل إلى أخطر نتيجة يمكن أن تصل إليها أي ديمقراطية: الجميع سواء، فلماذا أصوّت؟ وهنا تحقق الحملات السلبية انتصارها الأكبر. ليس عندما تُسقط منافساً، بل عندما تُسقط ثقة الناس. وليس عندما تغيّر صوتاً، بل عندما تُبقي ناخباً في منزله. لكن العزوف عن التصويت لا يعاقب الحملات التي انحدرت بلغتها، بل يكافئها. فمن يقرر عدم الإدلاء بصوته قرفاً، لا يُخرج نفسه من نتائج الانتخابات فحسب، وإنما يترك للآخرين حق تحديد مستقبله بالنيابة عنه. فالقرارات التي تُتخذ بعد الانتخابات ستصل إلى البيت والمدرسة والشارع وفاتورة الضرائب والرعاية الصحية وفرص العمل، سواء شارك المواطن في الاختيار أم اكتفى بدور المشاهد.
لهذا، لا ينبغي أن يتحول الاشمئزاز من بعض الحملات إلى اشمئزاز من التصويت نفسه. إذ كلما ارتفع الضجيج، يجب أن تزداد مسؤولية الناخب في البحث. وكلما ازدادت الاتهامات، أصبح التحقق أكثر إلحاحاً. وكلما حاولت حملة أن تفكر نيابة عنك، عليك أن تتمسك أكثر، بحقّك في التفكير والاختيار بنفسك. اقرأ واسأل وقارن وتحقّق من المصدر، ثم صوّت.
صوّت، لا لأن الحملات كانت راقية، بل لأن مستقبلك أهم من مستوى تلك الحملات. صوّت، لأن أفضل رد على من يحاول أن يختار عنك، هو أن تختار بنفسك. فالانتخابات قد تنتهي في يوم واحد، لكن نتائجها تبقى سنوات. واللافتات تُزال، والإعلانات تختفي، أما الكلمة التي شوّهت سمعة إنسان فقد تبقى إلى الأبد.
فعندما يصبح اغتيال السمعة برنامجاً انتخابياً، تصبح الديمقراطية نفسها المرشح الخاسر.
في الختام، يبقى الأمل في أن يأتي موسم انتخابي يُفاجأ فيه الناخب بإعلان يقول ببساطة: هذه خطتنا، وهذه حلولنا، وهذا ما سنفعله إذا منحتمونا ثقتكم. قد يبدو هذا الإعلان مملاً للمشاهد وصنّاع الدعاية على حد سواء، لكنه، على الأقل، أكثر احتراماً لعقول الناس.






Leave a Reply