ديربورن
تعيش الجالية اللبنانية في منطقة ديربورن، وتحديداًً أبناء الجنوب الذين يشكلون أكبر مكوّنات الاغتراب في ولاية ميشيغن، حالةً من القلق والترقّب المستمر حول مصير مدنهم وقراهم الأم بمواجهة الأطماع الإسرائيلية التي عهدوها منذ عقود طويلة. وعلى وقع أخبار القتل والتدمير والنهب والتجريف، التي ترتكبها قوات الاحتلال على امتداد القرى والبلدات الحدودية، يبرز السؤال الأصعب في أذهان المغتربين الجنوبيين: هل سنعود ونبني من جديد؟
في جنوب لبنان، لا يُقاس الدمار بعدد الأبنية المهدّمة فقط، بل بما يخلّفه من فراغ ثقيل في حياة الناس. منازل بُنيت على مدى سنوات وعقود من العمل في الاغتراب انهارت خلال دقائق، أراضٍ ورثتها العائلات عبر أجيال احترقت أو جُرّفت، وساحات ومساجد وحتى مقابر اختفت معالمها تحت القصف. في القرى الممتدة من صور إلى بنت جبيل ومرجعيون وحاصبيا، لا يقتصر حديث أبناء تلك المناطق على حرب عابرة، كالجولات التي خبروها منذ نشأة كيان الاحتلال، بل عن معركة وجود ودفاع عن أرض وتاريخ متوارث.
بالنسبة إلى أبناء الجنوب، سواء داخل لبنان أو في الاغتراب، لا تمثّل الحرب الدائرة حالياً، مجرد مواجهة عسكرية جديدة لصد أطماع إسرائيل، بل لحظة فقد جماعي تتكرر بصور مختلفة: فقدان البيت الذي كان يُنتظر الرجوع إليه، الأرض التي شكّلت مصدر العيش والانتماء، الذكريات التي تراكمت داخل الجدران، وحتى الإحساس البسيط بالأمان. ومع كل غارة، لا يُدمَّر الحجر فقط، بل تُمحى تفاصيل حياة كاملة بُنيت على مدى عقود، في دورة قاسية من البناء والدمار وإعادة البناء.
دمار ممنهج
في أحدث مخططات التدمير والتهجير الإسرائيلية، رسم كيان الاحتلال، الأسبوع الماضي، خطاً جديداً، أسماه الخط الأصفر، تحت عنوان تشكيل منطقة أمنية عازلة، ممهّداً الطريق بذلك، أمام طرد سكان عشرات القرى والبلدات الحدودية، التي يتحدر منها عشرات آلاف اللبنانيين المقيمين في منطقة ديترويت، وأبرزها مدينة بنت جبيل.
في القرى الواقعة ضمن ما يُعرف بالخط الأصفر اليوم، والتي تمتد بعمق يتراوح بين أربعة وعشرة كيلومترات داخل الأراضي اللبنانية، تظهر النوايا الإسرائيلية بشكل أوضح. من الناقورة وعلما الشعب والبياضة وشمع وطيرحرفا والجبين وشيحين والظهيرة ويارين ومروحين والبستان وأم التوت في قضاء صور، إلى عيتا الشعب وراميا والقوزح ودبل وعين إبل ورميش والطيري وحانين ورشاف ويارون ومارون الراس وبنت جبيل وعيناثا وعيثرون وكونين وبيت ياحون في قضاء بنت جبيل، وصولاً إلى بليدة ومحيبيب وميس الجبل وحولا ومركبا وعديسة وكفركلا والخيام والطيبة ودير سريان وطلوسة والقنطرة ورب ثلاثين والقصير وعدشيت القصر وبرج الملوك في قضاء مرجعيون، ومن العباسية والمجيدية وعين عرب وكفرشوبا وشبعا في قضاء حاصبيا، لم تعد الأسماء تشير إلى مجتمعات مأهولة تضج بالحياة، بل تحوّلت إلى ما يشبه قائمة اغتيالات إسرائيلية للتاريخ والجذور والذاكرة الجمعية لأبناء تلك القرى والبلدات.
هناك، اختفت الحدود بين الشوارع والأحياء. الركام واحد، والخراب ممتد. هنا، ينتظر المغتربون صورة قمر اصطناعي أو لقطة فيديو عابرة للتعرف على معلم مفقود لتحديد مصير بيت أو مبنى أو حتى بستان زرعه الأجداد.
يقول سام مراد من عيثرون، إن الحي الذي نشأ فيه قبل هجرته إلى الولايات المتحدة، «لم يعد موجوداً»، موضحاً أنه لم يعد قادراً حتى على تحديد موقع منزله بدقة، بعدما سُويّت الأبنية بالأرض واختفت المعالم.
أما محمد ن. من بليدة، فيشير إلى أن البساتين التي كانت تفصل بين البيوت وتمنح قريته الأم رونقها الخاص تحولت إلى مساحات سوداء محروقة، وأن الأشجار التي زرعها الآباء والأجداد لم تعد موجودة.
وفي يارون، يشير أليكس جعفر بحرقة إلى أن أسماء الأزقة والأحياء التي كانت تدل على العائلات لم تعد تعني شيئاً، بعدما اختفى كل ما كان يربط الاسم بالمكان.
بيت العائلة
في ديربورن، تتحدث سلمى فرحات عن بيت العائلة في برعشيت الذي بُني على مدار سنوات طويلة من العمل في الاغتراب. «غرفة بغرفة، وطابق بطابق، وبعد سنوات من الادخار والتعب، اكتمل البيت كما أردناه».
وتضيف «لم يكن البناء سريعاً، بل عملية امتدت لسنوات، بحسب كل تحويل مالي. أما اليوم، فلم يبقَ منه شيء». «لم نخسر بيتاً فقط… خسرنا تعب العمر كله».
وفي يارون، يروي جعفر أن منزله كان لا يزال قيد الإنجاز، وكان يعمل على استكماله تدريجياً، قبل أن ينهي القصف، المشروع بالكامل في لحظات، «كأن السنوات مُحيت».
أما أبو علي ناصر، وهو من قضاء بنت جبيل ويعيش في الولايات المتحدة أيضاً، فيروي قصة تتكرر كثيراً بين المغتربين. عمل لسنوات طويلة، ليلاً ونهاراً، وأرسل الأموال إلى والده في لبنان ليشرف على بناء المنزل. استغرق البناء نحو عشر سنوات، ولم يتمكن من الجلوس في منزله سوى مرة واحدة بعد الانتهاء منه، قبل أن يُدمَّر.
يقول: «هل سنبقى أحياء لنعود ونبني؟ وهل سيبني أبناؤنا من جديد؟»، ثم يستدرك قائلاً: «لكننا سنبني… دائماً نبني». بين السؤال والإجابة، يظهر التردد بين اليأس والإصرار الذي يطبع تجربة أبناء الجنوب.
في ميس الجبل، تقول مها وحيد، إنها بنت منزلها وجهّزته بكل متطلباته، من الأثاث إلى أدق التفاصيل، بعد سنوات من العمل، قبل أن يُدمَّر بالكامل. تضيف: «لم يبقَ حجر واحد». بالنسبة إليها، لم يكن المنزل مجرد بناء، بل مساحة للاستقرار والعودة، ومشروع حياة كان مؤجلاً.
وفي ميشيغن أيضاً، تروي امرأة من يارون فتحت هاتفها بصمت، ومرّرت إصبعها بين صورتين: في الأولى منزلها كما كان، مليئاً بالحياة، وفي الثانية كومة من الركام. قالت: «هنا كان بيتي… وهكذا أصبح»، ثم تضيف بصوت مثقل: «لا يهم المنزل… خسرت ذكرياتي، مع إخوتي، مع رائحة أبي وأمي، مع كل التفاصيل التي عشتها».
في شهادة أخرى تعبّر عن عمق العلاقة مع المكان، يقول أحد المغتربين مخاطباً منزله عبر «فيسبوك»: «هذا هو بيتي. سامحني يا بيتي، بنيتك ثلاث مرات ولم أستطع أن أحميك. لا أحد يقول لي إن الله سيعوّض عليّ، فبيتي هو روحي وأهلي وذكرياتي. كان بيتي مكاناً يجتمع فيه الأحبة من كل مكان. بيتي ليس مجرد حجارة».
في بنت جبيل
في بنت جبيل التي تتحدر منها أسر لبنانية أميركية كبيرة، مثل بزي وبيضون وسعد وحمود… كان السوق مركز الحياة في المدينة، المكان الذي تنبض فيه تفاصيلها اليومية. كل يوم خميس، كانت القرى المحيطة تتجه إليه، ويأتي الناس من كل حدب وصوب… للشراء، للقاء، للحديث، وللحياة نفسها. يقول أحد أبناء المدينة المغتربين: «كنا نعرف أن الخميس هو يوم السوق… يوم الناس». أما اليوم، فلم يعد السوق كما كان. جزء كبير منه قد دُمّر، ونصفه تقريباً أصبح أكوام ركام وذكريات تحتضر. ويضيف: «لم نخسر محلاتنا فقط… خسرنا المكان الذي كان يجمعنا».
الألم الأكبر بالنسبة للكثيرين من أبناء بنت جبيل تمركز في «حاكورة نص الضيعة»، حيث يقع المسجد الكبير الذي دمّرته أيضاً آلة الحقد الإسرائيلية. فالمسجد، الذي يعود تاريخه إلى الحقبة الرومانيّة لم يكن يوماً مجرّد مكان للعبادة، بل كان قلب المدينة النابض، وذاكرتها الحيّة، ومركزها الثقافي والاجتماعي الذي لا يُختزل.
دمار شامل
الدمار لم يقتصر على البيوت والمباني، إذ يشير محمد شامي، ابن قضاء بنت جبيل، إلى أن البساتين احترقت بالكامل، وأن أشجار الزيتون التي تحتاج إلى عقود لتنمو اختفت خلال أيام. يقول: «هذه ليست خسارة موسم… هذه خسارة عمر».
في عيثرون، يؤكد الأهالي أن الأرض لم تعد تُعرف، وأنها فقدت شكلها ومعناها، كأنها لم تعد تنتمي إليهم كما كانت.
حتى المقابر لم تسلم من هذا الدمار. تقول سلمى إنها لم تعد تعرف مكان قبر والدها، بعدما اختفت المعالم. هذه الخسارة لا تُقاس مادياً، بل تمس علاقة الإنسان بماضيه وبجذوره، وكأن القصف لم يكتفِ بتدمير الحاضر، بل امتد ليطال الذاكرة الأخيرة.
كما طال الدمار، المدارس والمستشفيات، التي كانت تمثّل الحد الأدنى من الاستقرار. مدارس كانت تستقبل الأطفال صباحاً، وتشكّل مساحة للتعلم والاستمرار، أصبحت اليوم مدمّرة أو مغلقة، وساحاتها فارغة. أما المستشفيات والمراكز الصحية، التي كانت تمثّل خط الأمان الأخير، فقد تضررت أو خرجت عن الخدمة.
الذاكرة التي تُنشر
في موازاة ذلك، تحولت وسائل التواصل الاجتماعي إلى أرشيف مفتوح للفقد. ينشر الناس صور منازلهم قبل الدمار وبعده، في محاولة لإثبات أن ما كان موجوداً لم يعد كذلك. بيت مليء بالحياة، بالصور العائلية، بالتفاصيل الصغيرة، يتحول إلى ركام بلحظة واحدة.
يكتب أحدهم من ديربورن أن تعب سنوات طويلة انتهى في لحظة واحدة، فيما يشارك آخرون مقاطع تُظهر دخول جنود إلى منازل مدمّرة أو مهجورة، والتجول داخلها، في مشاهد تمثل بالنسبة إلى أصحاب البيوت انتهاكاً إضافياً لخصوصية المكان.
في الاغتراب، تتخذ هذه الخسارة شكلاً مختلفاً، لكنها لا تقل قسوة. في ميشيغن، يجلس المغترب وراء هاتفه، يتابع الأخبار ومقاطع الفيديو، ويرى منزله يُدمَّر، أرضه تحترق، وقريته تختفي تدريجياً، دون أن يستطيع التدخل. يقول محمد من بنت جبيل: «أصعب شيء هو أن ترى كل شيء ينهار… ولا تستطيع أن تفعل شيئاً». المغترب هنا لا يخسر بيتاً فقط، بل يخسر السبب الذي جعله يتحمّل الغربة، المشروع الذي كان يعمل من أجله، والعودة التي كان ينتظرها.
تقول مريم من بلدة بليدة: «هذه الحرب لم تبدأ اليوم… بدأت منذ عام 1948». بالنسبة إليها، ما يجري اليوم ليس حدثاً منفصلاً، بل امتداد لتاريخ طويل من الخوف والدمار. فمنذ عام 1978، مروراً باجتياح 1982، ثم سنوات الاحتلال حتى عام 2000، وصولاً إلى حرب 1996 وحرب 2006، عاش الجنوب دورات متكررة من الدمار وإعادة البناء. في كل مرة، كان الناس يعودون، يعيدون بناء منازلهم، ويزرعون أرضهم من جديد، رغم الخسائر.
سنعود… وسنبني
لكن ما يجري اليوم يبدو مختلفاً وأكثر وحشية. للمرة الأولى، يُدمَّر كل شيء في وقت واحد: البيت، الأرض، السوق، المدرسة، المستشفى، المقبرة، والذاكرة. لم يعد هناك ما يمكن الإمساك به.
ورغم كل ذلك، يتكرر جواب موحّد يصر عليه الجنوبيون لدى سؤالهم عن المستقبل: سنعود ونبني من جديد!
يقول هادي د. «الغزاة يدمرون، وأبناء الأرض يعيدون البناء بالحجر وبالذاكرة. يعيدون إحياء المكان لأنهم يحملونه معهم. ومهما امتلكت إسرائيل من آلة تدمير، فإنها لا تملك سوى القدرة على محو الشكل، لا المعنى»، مؤكداً بثقة بأننا «سنعود ونرفع الأنقاض، ونبني من جديد».









Leave a Reply