ديربورن – إبتسام خنافر
في ثلاثينيات القرن العشرين، لم يكن الجنوب اللبناني جزءاً من صورة «الدولة» التي عمل الانتداب الفرنسي على ترسيخها في بيروت ومناطق أخرى. كانت قرى جبل عامل تعيش على هامش السلطة سياسياً واقتصادياً؛ طرقات زراعية خطَّتها أقدام الناس ودوابهم، مدارس قليلة، وخدمات صحية شبه غائبة، فيما اعتمدت العائلات بشكل شبه كامل على المواسم الزراعية للبقاء.
بعد سقوط الدولة العثمانية وبدء الانتداب الفرنسي على لبنان وسوريا، وجد أبناء الجنوب أنفسهم داخل حدود سياسية جديدة لم تُشبه حياتهم الطبيعية. ففي بنت جبيل والقرى المحيطة بها، لم يكن الناس يشعرون بأنّهم منفصلون عن فلسطين أو سوريا. كانت العلاقات العائلية والتجارية ممتدة عبر الحدود، والأسواق مترابطة، والناس يتنقّلون بين القرى الجنوبية والجليل الفلسطيني كما لو أنّهم يتحركون داخل جغرافيا واحدة.
لكنّ الانتداب الفرنسي فرض واقعاً مختلفاً. فإلى جانب التهميش الاقتصادي، بدأ شعور متزايد يتكوّن داخل أوساط أبناء جبل عامل بأنّ الجنوب يُترك لمصيره.
وفي هذا المناخ، أصبح التبغ أكثر من مجرد محصول زراعي، بل تحوّل إلى عمود فقري لحياة الجنوبيين وذاكرة لم تغادر وجدانهم قط.
في زيارة إلى منزل أبو خليل شرارة بمدينة ديربورن هايتس، كان الحديث يدور حول حال الجنوب اليوم، وكيف سوّى العدوان الإسرائيلي أجزاءً واسعة من بنت جبيل بالأرض. كان الجميع يتحدثون، فيما بقي هو صامتاً أكثر الوقت، غارقاً في شروده، كأنّه يستعيد شيئاً بعيداً.
وفجأة، التفت إليّ وسأل: «أتعرفين ثورة التبغ؟».
ثم أخذ يتحدث عنها ببطءٍ ووقار، لا كمن يروي حدثاً من الماضي، بل كمن يستحضر جزءاً من ذاته.
لمعت عيناه وهو يتحدث عن بنت جبيل، وعن الناس الذين واجهوا الجوع والانتداب معاً، وعن القرى المحيطة بها، وخصوصاً عيناثا، مؤكّداً أنّ العلاقة بينها لم تكن يوماً مجرّد جوارٍ جغرافي، بل وحدة حالٍ ومصير.
وتابع قائلاً: «الحال من بعضه… هذه القرى كانت دائماً جسداً واحداً». في تلك اللحظة، بدا وكأنّ الحديث عن ثورة التبغ لم يكن استعادةً لحدثٍ مضى، بقدر ما كان استحضاراً لذاكرة منطقة كاملة، وحكايةٍ قديمة لم تنفصل عن أهلها يوماً.
التبغ.. اقتصاد الجنوب وذاكرته
في تلك المرحلة، كانت مئات العائلات الجنوبية تعيش بالكامل تقريباً على زراعة التبغ. وتشير روايات محلية إلى أنّ إنتاج بنت جبيل وصل إلى نحو أربعين ألف كيلوغرام سنوياً، كان يُباع قسم منه في الأسواق الفلسطينية، فيما يشتري القسم الآخر مصنع محلي يعود لإلياس صويا، قبل أن تنتقل ملكيته لاحقاً إلى شركة «الريجي».
كان موسم التبغ يشبه دورة حياة كاملة في القرى الجنوبية. فمع بداية الصيف، تتحول الحقول إلى ورش عمل مفتوحة. الرجال يخرجون إلى الأرض منذ ساعات الفجر الأولى، فيما تجلس النساء أمام البيوت الحجرية لساعات طويلة يفرزن أوراق التبغ ويربطنها بخيوط طويلة قبل تعليقها على الشرفات والأسطح لتجف تحت أشعة الشمس.
حتى الأطفال كانوا جزءاً من هذا الموسم.
كان نجاح المحصول يعني القدرة على دفع الديون، وتأمين الطعام، وشراء الملابس، ومواجهة الشتاء الطويل. وكانت رائحة التبغ اليابس تملأ الأزقة القديمة، فيما تتحرك القرى كلها على إيقاع الموسم الزراعي.
وتقول الحاجة سكينة جعفر، التي كبرت على روايات أهلها عن تلك المرحلة: «كان التبغ هو السنة كلها.. إذا خسرناه، خسرنا كل شيء».
ولم يكن التبغ مجرد مصدر رزق، بل جزء من الهوية الاجتماعية للجنوب، ارتبطت به حياة العائلات والعلاقات الاقتصادية وحتى تفاصيل الحياة اليومية.
احتكار الريجي
قبل احتكار شركة «الريجي» شراء التبغ وتصنيعه وبيعه، كان المزارعون يملكون هامشاً من الحرية في تسويق محصولهم. كانت مصانع الدخان منتشرة في جبل عامل والبترون، فيما استقبلت الأسواق الفلسطينية جزءاً أساسياً من الإنتاج، ما أتاح للفلاحين فرصة التفاوض وعدم الوقوع تحت سلطة الاحتكار.
لكنّ دخول «الريجي» في زمن الانتداب الفرنسي تحت اسم إدارة حصر التبغ والتنباك اللبنانية، غيّر المشهد بالكامل. إذ أصبحت الشركة الجديدة، الجهة الوحيدة التي تتحكم بالمحصول وأسعاره وكمياته، ما أثار مخاوف واسعة بين المزارعين من انخفاض الأسعار وتحولهم إلى رهائن اقتصاديين تحت سلطة احتكار مباشر مدعومة من الانتداب الفرنسي.
بالنسبة لأهالي الجنوب، لم يكن الأمر مجرد أزمة اقتصادية، بل بدا كأنّ السلطة الاستعمارية تحاول السيطرة على مورد رزقهم الوحيد.
يقول أبو خليل، وهو أحد أبناء بنت جبيل الذين ورثوا روايات تلك المرحلة عن آبائهم وأجدادهم: «شعر الناس بأنّ الفرنسي يهدد لقمة أولادهم».
وسرعان ما تحولت الحسينيات والمقاهي والأسواق الشعبية إلى مساحات غضب مفتوحة، فيما امتزج الحديث عن التبغ بالفقر والانتداب وفلسطين.
كان واضحاً أنّ الأزمة تتجاوز الزراعة نفسها، وأنّ الجنوب يُدفع تدريجياً نحو الخضوع الاقتصادي الكامل.
فلسطين في وجدان الجنوب
آنذاك، كانت فلسطين تعيش الثورة الكبرى ضد الانتداب البريطاني والهجرة الصهيونية الممنهجة، وكانت أخبار الاشتباكات والمعارك تصل يومياً إلى قرى الجنوب اللبناني.
لم تكن الثورة بعيدة عن وجدان أبناء بنت جبيل. فالعلاقات الاجتماعية والتجارية بين جبل عامل والجليل الفلسطيني جعلت الناس يشعرون بأنّ ما يحدث هناك يمسّهم مباشرة. وتشير روايات أبناء المنطقة إلى أنّ عدداً من شباب بنت جبيل أقاموا صلات مع مجموعات فلسطينية مقاومة، سواء عبر نقل السلاح أو إخفاء المطلوبين أو حتى المشاركة في القتال أحياناً.
كما تصاعد الرفض داخل أوساط أبناء جبل عامل لفصل لبنان عن سوريا، ما جعل المشاعر القومية والسياسية تمتزج تدريجياً بالغضب الاجتماعي الناتج عن أزمة التبغ.
وهكذا، لم تعد القضية مرتبطة بمحصول زراعي فقط، بل تحولت تدريجياً إلى مواجهة سياسية ووطنية كاملة، اختلطت فيها لقمة العيش بفكرة الحرية نفسها.
من الاحتجاج إلى الانتفاضة
مع تصاعد الغضب الشعبي، بدأت التظاهرات تخرج في بنت جبيل احتجاجاً على احتكار «الريجي» وسياسات الانتداب الفرنسي.
شارك في التحركات الشعبية، الفلاحون والتجار والطلاب والوجهاء، فيما برزت أسماء قادت الحراك الشعبي والسياسي، من بينها علي بزّي والشاعر موسى الزين شرارة وأنيس الإيراني والحاج علي بيضون.
لكنّ سلطات الانتداب رأت في هذه التحركات خطراً حقيقياً، خصوصاً في ظل أجواء الثورة الفلسطينية المشتعلة، فبدأت حملة اعتقالات واسعة طالت عدداً من الناشطين والوجهاء في محاولة لكسر الحركة الاحتجاجية وإعادة السيطرة على الشارع.
غير أنّ الاعتقالات جاءت بنتيجة عكسية. فالأهالي لم يتراجعوا، بل خرجوا إلى الشارع بأعداد أكبر، وبات واضحاً أنّ الجنوب دخل مرحلة مواجهة مفتوحة مع السلطة الفرنسية.
يوم السرايا… لحظة انفجار الغضب
خرج الأهالي بأعداد كبيرة نحو السرايا الفرنسية في بنت جبيل مطالبين بإطلاق سراح المعتقلين.
امتلأت الأزقة بالرجال المتجهين نحو السرايا، فيما وقفت النساء على الشرفات الحجرية يزغردن ويهتفن ضد الانتداب. وارتفع الغبار من الطرقات الترابية الضيقة، بينما تحولت البلدة الصغيرة إلى ساحة غضب مفتوحة.
ومن بين الحشود، برزت امرأة شعبية عُرفت باسم «العدرة»، كانت تقود المتظاهرين بأهازيج شعبية على نمط «الحوربة»، أحد أشهر ألوان الغناء الشعبي في جبل عامل، وكانت تهتف: «بدنا نكسر باب الحبس وبدنا نطلّع بو عدنان»، في إشارة إلى موسى الزين شرارة ورفاقه المعتقلين.
لكنّ المشهد انتهى بالرصاص.
فتحت القوات الفرنسية النار على المتظاهرين، فسقط مصطفى العشي من بنت جبيل، ومحمد الجمال وعقيل دعبول من بلدة عيناثا شهداء أمام السرايا.
وفي تلك اللحظة، تحولت المظاهرة إلى انتفاضة مفتوحة، حيث اندفع المتظاهرون نحو المبنى وحطّموا باب السجن وأخرجوا المعتقلين، ثم أنزلوا العلم الفرنسي عن السرايا، في واحدة من أكثر اللحظات رمزية في تاريخ الجنوب خلال مرحلة الانتداب.
يقول محمود شاهين، المقيم في ديربورن: «كان الناس يشعرون يومها بأنّهم لا يدافعون فقط عن التبغ، بل عن كرامتهم وحقهم في الحياة».
مصير مشترك
لم تكن أحداث عام 1936 محصورة ببنت جبيل وحدها، بل امتدت إلى القرى المحيطة.
يقول السيد مصطفى فضل الله، ابن بلدة عيناثا، إنّ العلاقة بين عيناثا وبنت جبيل: «لم تكن يوماً مجرد علاقة جوار جغرافي، بل علاقة اجتماعية ووطنية متجذّرة».
ويضيف: «في تلك المرحلة، لم يكن أهالي عيناثا وبنت جبيل يشعرون بأنّهم يعيشون في بلدتين منفصلتين. الناس كانت تتحرك بين القريتين بشكل يومي تقريباً، والأسواق واحدة، والعائلات متداخلة، وحتى الهموم كانت مشتركة».
وأشار فضل الله إلى أنّ استشهاد عقيل دعبول «يعكس حجم الترابط بين القريتين، ويؤكد أنّ الانتفاضة لم تكن حدثاً محصوراً داخل بنت جبيل وحدها».
ورأى الرجل الثمانيني أنّ «ثورة التبغ» شكّلت محطة أساسية في تكوين الوعي السياسي الجنوبي، لأنّها كشفت مبكراً أنّ الجنوب كان يرى نفسه جزءاً من معركة أكبر، تتجاوز التبغ نفسه، وترتبط بالكرامة والهوية ورفض السيطرة الأجنبية.
بدوره، يشير محمد فرج، إلى أنّ حكايات ثورة التبغ لم تكن مجرّد روايات قديمة تُحكى في المجالس، بل جزءٌ من الوعي الجنوبي الذي انتقل من جيل إلى آخر: «كنّا نسمع عن بنت جبيل كما لو أنّها مدينة واجهت الانتداب وحدها. كبار السن كانوا يتحدثون عن يوم السرايا، وعن الشهداء، وعن النساء اللواتي خرجن يهتفن في الشوارع، وكأنّ تلك الأحداث لم تغادرهم أبداً».
ويضيف الرجل الجنوبي المهاجر منذ عقود: «كان اسم عقيل دعبول يُذكر دائماً في أحاديث الكبار في قريتنا. لم يكونوا يعتبرونه شهيد بلدة فقط، بل شهيد الجنوب كله. حتى الذين لم يعيشوا تلك المرحلة كانوا يشعرون أنّهم يعرفون تفاصيلها من كثرة ما سمعوا عنها». ويتابع: «ما بقي من ثورة التبغ ليس مجرد قصة احتجاج على محصول زراعي، بل الإحساس بأنّ هذا الجنوب اعتاد منذ وقت مبكر أن يواجه الظلم، سواء جاء على شكل احتلال، أو احتكار، أو حرمان».
شاعر كتب الثورة من الزنزانة
من أبرز وجوه الانتفاضة، الشاعر موسى الزين شرارة، الذي تحوّل لاحقاً إلى أحد رموزها الثقافية والسياسية.
وخلال اعتقاله في سجن صور الانفرادي، كتب قصيدته الشهيرة التي أرّخت للانتفاضة: «بلْ نحنُ يا سجنُ رهطٌ ثارَ ثائرُهُ/ لمّا رأى الحقَّ مغصوباً ومُهتضما».
وقد مُنع نشر القصيدة في لبنان خلال الانتداب، قبل أن تُنشر لاحقاً في مجلة «الهاتف» العراقية.
كما برز في تلك الأيام، دور النساء خلال الانتفاضة، وخصوصاً «العدرة»، التي تحولت إلى أحد الأصوات الشعبية التي قادت الهتافات في الشارع الجنوبي.
الجنوب يهبّ خلف بنت جبيل
لم تبقَ أحداث بنت جبيل محصورة داخل البلدة. فبعد سقوط الشهداء واقتحام السرايا، امتدت موجة التضامن إلى مناطق واسعة من الجنوب اللبناني، كما شهدت مناطق في لبنان وسوريا إضرابات ومظاهرات دعماً لبنت جبيل ومزارعي التبغ فيها.
وأُقيم مهرجان تأبيني للشهداء في حسينية بنت جبيل، تحدث فيه موسى الزين شرارة وعلي بزّي، فيما أرسل الشاعر بشارة الخوري «الأخطل الصغير» قصيدة تحية لأبناء الجنوب جاء فيها: «شرفٌ عاملَ وفّيتَ العُلى/ حقَّها إنّ وعدَ الحُرِّ دينْ».
وكانت تلك اللحظة تعبيراً عن تحوّل بنت جبيل إلى رمز يتجاوز حدود البلدة نفسها، لتصبح واحدة من أبرز محطات الذاكرة الوطنية في الجنوب اللبناني.
يشير الباحث حسن علي شرارة في كتابه «حصاد الذاكرة» إلى أنّ انتفاضة بنت جبيل كشفت مبكراً حجم التداخل بين القضايا الاجتماعية والوطنية، وكيف تحوّل الفلاح البسيط إلى جزء من مواجهة أوسع مع الاستعمار.
وبعد ما يقارب التسعين عاماً على «ثورة التبغ»، لا تزال بنت جبيل تحمل الذاكرة نفسها.
ففي الجنوب، لم يكن التبغ مجرد محصول زراعي، بل حكاية ناسٍ رفضوا أن يُذلّوا في أرضهم، وحوّلوا الدفاع عن لقمة العيش إلى بداية وعيٍ سياسيٍّ بقي حيّاً في الذاكرة حتى اليوم.







Leave a Reply