انقطعت الكهرباء. خلال أقل من دقيقة، حدد كل شخص في البيت أولوياته. أحدهم أسرع إلى إغلاق باب الثلاجة بإحكام حتى لا يتبدّد ما بقي من برودتها، آخر بدأ يبحث عن الشواحن والبطاريات الاحتياطية… طفل لم يسأل عن الظلام، بل سأل السؤال الذي يلخص جيلاً كاملاً: «أين الواي فاي؟».
في الخارج، كانت الأشجار التي أسقطتها العاصفة تملأ الشوارع.
وبينما كان آلاف السكان في ميشيغن يتابعون خرائط انقطاع الكهرباء أكثر مما يتابعون نشرات الطقس، بانتظار رسالة تخبرهم عن موعد تقديري محدّث لعودة التيار.
في تلك اللحظات، يدرك الناس بلا أدنى شك أن الكهرباء ليست مجرد خدمة، بل هي عصب الحياة.
العاصفة التي ضربت منطقة ديترويت خلال عطلة عيد الاستقلال، لم تكن تجربة فريدة في حياة السكان الذين لطالما عانوا من انقطاعات الكهرباء المتكررة كلما غضبت الطبيعة أو تقلب مزاجها.
فالأشجار التي تسقط بفعل الريح العاتية لتقطّع أسلاك الشبكة، تكشف في كل مرة حجم اعتمادنا على الطاقة في كل تفصيل من تفاصيل حياتنا.
فأصحاب المطعم لا يخافون الظلام بل يخشون أن تفسد المواد الغذائية. وأصحاب الصيدلية لا يقلقون من انطفاء المصابيح، بل من فساد الأدوية التي تحتاج إلى التبريد. والمتاجر ومحطات الوقود لا تستطيع خدمة الزبائن عند صناديق المحاسبة أو المضخات بسبب انقطاع التيار.
العامل لا يفكر في عتمة المكان بقدر قلقه من خسارة مدخول يوم العمل الذي خسره. والأم عليها أن تعيد حسابات إطعام العائلة للأيام القادمة بعد أن اضطرت إلى التخلص من مخزونات الطعام قبل أيام.
وسط هذا المشهد الفوضوي، تعود نوستالجيا الوطن الأم إلى ذاكرة أبناء الجالية العربية الذين خبروا معنى أن تكون الكهرباء رفاهية أو ضيفاً عزيزاً لا يلتزم بالمواعيد. فيشكرون الله على نعمة أزمة تستمر أياماً، لا أزمات مستعصية عمرها عقود.
تستيقظ الذاكرة.
يكفي أن ينطفئ الضوء حتى تعود التفاصيل.
تعود الشموع. ويعود هدير المولّد الكهربائي، وأهزوجة «إجت الكهربا» لتنعش الذاكرة.
كان الأب يرتب يومه على ساعات التغذية، لا على ساعات العمل. والأطفال كانوا يحولون انقطاع الكهرباء إلى بداية سهرة، لا نهايتها.
لعبة «آخر حرف» أو «سوق عكاظ» في الغناء.. أوراق اللعب، جلسات الشرفة، وحكايات لا تزال تعيش في الذاكرة أكثر من الأيام التي ينيرها التيار.
لم يكن أحد يحب انقطاع الكهرباء. لكن الناس كانوا يعرفون كيف يمنعون العتمة من أن تدخل إلى قلوبهم.
اليوم، يبدو أن المشهد قد تغيّر كثيراً. فعندما تنقطع الكهرباء، لا يجلس الناس معاً كما كانوا يفعلون. الجميع متوتر. كل واحد يتفقّد هاتفه. كم بقي في البطارية؟ هل توجد إشارة؟ أين يمكن شحن الهاتف؟
والحقيقة هي أننا لا نخاف من الظلام… بل نخاف من الانقطاع عن العالم الرقمي. وهذا، في حد ذاته، يكشف الكثير عن حقيقة المجتمع الذي أصبحنا نعيش فيه اليوم.
غير أن الحنين إلى بساطة الزمن الماضي، لا يجب أن يمنعنا من طرح الأسئلة الصعبة.
فما حدث في منطقة ديترويت لم يكن مجرد حادث عابر. بل هو كارثة متكررة تستوجب مساءلة حقيقية لشركة الكهرباء التي تنهار خدماتها جزئياً مع كل عاصفة قوية، دون أن يمنعها ذلك من زيادة الفواتير دورياً بذريعة تحسين الشبكة.
وإذا كانت العواصف أصبحت أكثر شدة، وباتت جزءاً من واقع مناخي جديد، أفلا يتعين على شبكة الكهرباء أن تواكب التغير المناخي؟
الناس لا يطالبون بمنع العواصف. لكنهم يطالبون بشبكة أكثر موثوقية وقدرة على الصمود أمام تقلبات الطقس، واستجابة أسرع لإصلاح الأعطال، واستثمار حقيقي في بنية تحتية تواكب متطلبات الواقع الجديد.
فالكهرباء لم تعد رفاهية يمكن الاستغناء عنها. إنها المستشفى والمصنع والمدرسة والمتجر والمطعم وإشارة المرور والعمل من المنزل والاتصال بالعالم…
وحين تتوقف، لا ينطفئ الضوء فقط.. بل يعاني الاقتصاد كله من الشلل.
الأنظمة لا تُختبر في الأيام الهادئة بل في عزّ الأزمة. عندما تغرق الطرق ببرك المياه وبقايا الأشجار المتساقطة وعندما تتعطل الخدمات وعندما ينتظر الناس إجابات، لا وعوداً.
فالثقة لا تُبنى بعد انتهاء العاصفة، بل قبل أن تبدأ.
المجتمعات القوية ليست تلك التي لا تضربها العواصف… بل تلك التي تتعلم من كل عاصفة، حتى لا يتحول انقطاع الكهرباء إلى مجرد خبر موسمي، ولا تتحول الأزمات إلى كوارث متكررة وكأنه لا مناص من التعايش معها.






Leave a Reply