ديربورن – إبتسام خنافر
في زمن تتسارع فيه التحولات الثقافية وتتعمّق فيه أسئلة الهوية، خصوصاً في مجتمعات الاغتراب، لم تعد الموسيقى مجرد مساحة جمالية أو وسيلة ترفيه، بل تحوّلت إلى لغة حيّة لحفظ الذاكرة الجماعية وإعادة صياغتها. فهي لا تكتفي بنقل التراث، بل تعيد إنتاجه ضمن سياقات جديدة، تمنحه استمرارية ومعنى، وتحوّله إلى تجربة معاصرة قابلة للتفاعل. في هذا الإطار، جاءت أمسية الأوركسترا العربية الوطنية في ديربورن، مساء 18 نيسان (أبريل) 2026، كحدث يتجاوز مفهوم الحفل الموسيقي، ليصبح مساحة إنسانية وثقافية متكاملة، تتداخل فيها التجربة الفردية مع الوجدان الجماعي، ويصبح فيها الصوت وسيلة لفهم الذات والانتماء.
موسيقى الواقع
منذ اللحظة الأولى، بدا واضحاً أن ما يُقدَّم على مسرح غايدو في «مركز فورد للفنون» ليس مجرد أداء تقني، بل سرد موسيقي يحمل تجربة حقيقية. قاد المايسترو مايكل إبراهيم الأمسية بمشاركة ٥٠ موسيقياً ومغنياً برؤية تنطلق من أن الموسيقى لا تُفصل عن الواقع، بل تنبثق منه. وقد تجسّد ذلك بوضوح في عمله «أصداء تحت النار: بيروت»، الذي افتتح به الحفل. هذا العمل لم يُكتب في عزلة، بل وُلد من تجربة عاشها خلال وجوده في لبنان في لحظة توتر إنساني حاد.
يقول إبراهيم: «كنت في لبنان لإحياء حفل، وكان من المفترض أن أغادر، لكن تم تمديد إقامتي… ثم بدأت الأحداث». فهو لا يحب أن يسميها حرباً «لأنها ليست صراعاً متكافئاً». حينها، برز مشهد يختصر كل شيء: «كنا عالقين في زحمة السير لساعات… الناس خائفون، وكل شيء كان مشحوناً بالتوتر… في ذلك اليوم وُلد اللحن الرئيسي للمقطوعة». لم يكن تأليفاً نظرياً، بل استجابة مباشرة لحالة عاشها المؤلف.
انعكس ذلك في البناء الموسيقي للمقطوعة التي شارك في عزفها ٣٩ موسيقياً على ٢٥ آلة موسيقية مختلفة، حيث استخدمت مؤثرات صوتية تحاكي صفارات الإنذار، لتخلق حالة سمعية تجعل الجمهور لا يستمع فقط، بل يعيش التجربة بكل أبعادها.
ويؤكد إبراهيم أن «الموسيقى عبر التاريخ كانت دائماً مرتبطة بالأحداث… تنقل قصصاً وتجارب»، مضيفاً: «وضعت كل مشاعري في هذه القطعة».
في موازاة البعد الموسيقي للحفل، تبرز الفنانة إيمان عبد الغني كصوت يقود الحالة الطربية، وهو ما توقّف عنده المايسترو إبراهيم، مشيراً إلى الدور المحوري الذي لعبته في بناء العلاقة مع الجمهور، مؤكداً أن حضورها لم يكن مجرد أداء غنائي، بل عنصراً أساسياً في خلق حالة تواصل حي داخل القاعة، مضيفاً أن «الجمهور كان معها من اللحظة الأولى… يغنّي، يردّد، ويتفاعل بشكل طبيعي، كأنهم يعرفون هذه الأغاني منذ زمن».
ويشير إلى أن إيمان عبد الغني، بصفتها مطربة مصرية تنتمي إلى المدرسة الطربية الكلاسيكية، استطاعت أن تنقل هذا الإرث إلى المسرح، من خلال أدائها لأغنيات للسيدة فيروز، وأعمال من ريبرتوار السيدة أم كلثوم، إلى جانب أغنيات تحمل طابع بلاد الشام، ما جعل البرنامج أكثر قرباً من الجمهور. ويضيف إبراهيم أن «هذا النوع من الغناء يفتح أفقاً للجمهور ليكون جزءاً من العمل… ليس فقط مستمعاً، بل مشاركاً في الحالة». ويؤكد أن التفاعل الذي شهده الحفل لم يكن عابراً، بل جزء من طبيعة هذا النوع من الموسيقى، قائلاً: «في الطرب، العلاقة بين المطرب والجمهور علاقة مباشرة… وإيمان استطاعت أن تخلق هذه العلاقة بسرعة، وهذا ليس سهلاً».
على طريق الحرير
بعد المعزوفة الافتتاحية، انتقل الحفل إلى برنامجه الأساسي «على طريق الحرير: موسيقى بلاد الشام وشمال أفريقيا»، الذي عكس رؤية قائمة على التنوع والتوازن. لم يكن البرنامج مجرد تجميع لمقطوعات، بل بناء مدروس، يتنقل بين المقامات والإيقاعات والأنماط، في رحلة موسيقية متكاملة.
يشرح إبراهيم قائلاً: «أتعامل مع البرنامج كأنني أرتب باقة ورد… أو قائمة طعام»، في إشارة إلى دقة الاختيار والتدرّج في الحالة. وقد ظهر هذا بوضوح في التنقل بين القطع الآلية والغنائية، وبين الإيقاعات الهادئة والمقاطع الأكثر حيوية، في بناء تصاعدي يحافظ على تفاعل الجمهور.
كذلك، شهدت الأمسية مشاركة فرقة «جوقة» بقيادة لوبانا القنطار، إلى جانب «جوقة صوت الفرح» للأطفال، الذين أضفوا بعداً إنسانياً وجماعياً على فقرات الحفل، خاصة في المقاطع التي اعتمدت على الغناء المشترك، حيث بدت اللحظة وكأنها تتجاوز الأداء إلى المشاركة المجتمعية. ومن أبرز محطات الحفل، أداء أغنية «تك تك يا أم سليمان»، التي شكّلت ذروة التفاعل، حيث غنّى الجمهور وردّد الكلمات، في مشهد أعاد إحياء ذاكرة جماعية مشتركة، وأكد على قوة الموسيقى في استحضار الانتماء.
الموسيقى كفعل مقاومة
من جانبه، يقدّم المطرب والشريك المؤسس للأوركسترا العربية الوطنية، أسامة بعلبكي، قراءة مختلفة لدور الموسيقى انطلاقاً من الواقع الثقافي والسياسي.
يقول: «في هذا الوقت تحديداً، يجب أن نحكي ونغني ونُظهر ثقافتنا»، مؤكداً بأننا «نحارب بالموسيقى». بالنسبة له، لا يُعدّ الفنّ ترفاً، بل ضرورة، خاصة في ظل الأزمات. ويشير إلى أن قرار الاستمرار في إقامة الحفلات، رغم الظروف الصعبة، لم يكن سهلاً، لكنه كان موقفاً واعياً. كما يصف التفاعل الجماهيري قائلاً: «الجمهور تفاعل مع كلّ شيء… يغني معنا ويصفق بحرارة». ويروي موقفاً مؤثراً: «بعض الحاضرين جاءوا رغم أن بيوتهم تعرّضت للقصف قبل أيام… كانوا يريدون أن يثبتوا أن لا شيء يمكن أن يسكتهم». هذه الشهادات تعكس أن الحفل لم يكن مجرد حدث فني، بل مساحة صمود، حيث تتحول الموسيقى إلى فعل حضور ومقاومة.
وفي حديثه عن التحديات الثقافية، تطرّق بعلبكي إلى الصورة النمطية التي تُقدَّم عن العرب في بعض وسائل الإعلام، مشيراً إلى أنها غالباً ما تكون مشوّهة ومختزلة. يقول: «في كثير من الأحيان يتم تصوير العرب على أنهم إرهابيون أو جهلة»، مضيفاً أن هذه الصورة لا تعكس الواقع، ولا تعبّر عن عمق الثقافة العربية وتنوعها.
ويؤكد رئيس مجلس إدارة الأوركسترا أن ما تقدّمه منظمته هو رد مباشر على هذه الصورة، قائلاً: «نحن نحارب هذه الفكرة بالموسيقى… لأن الموسيقى التي نقدمها هي أكبر دليل على أننا شعب مثقف، لدينا تاريخ، ولدينا فن أصيل». ويضيف أن الفن، وخاصة الموسيقى، يشكّل واجهة حقيقية للمجتمع، ويكشف عن هويته بعيداً عن الصور النمطية السطحية.
ويرى بعلبكي أن تقديم هذا النوع من الموسيقى على مسارح عالمية لا يهدف فقط إلى الترفيه، بل إلى إعادة تعريف صورة العرب، وإظهار جانبهم الثقافي والإنساني، قائلاً إن «الموسيقى قادرة على أن توصل الحقيقة بشكل أقوى من أي خطاب».
تعود بدايات الأوركسترا الوطنية العربية إلى عام 2009، حين بدأت كمبادرة صغيرة، قبل أن تتحول تدريجياً إلى مؤسسة فنية متكاملة.
وفي هذا الصدد، يقول إبراهيم: «بدأت هذا المشروع بفكرة كبيرة وواضحة… ومع كل ما تعلمناه، بنينا هذا العمل خطوة خطوة». وبالفعل، استطاعت الأوركسترا أن تخرج من إطار الفرق التعليمية، لتقدّم نموذجاً مهنياً يعتمد على موسيقيين محترفين، وتنظيم إنتاجي متكامل، ورؤية فنية واضحة. إذ يشير إبراهيم إلى دور الرواد قائلاً: «هناك من سبقونا ووضعوا الأساس، مثل سيمون شاهين».
هوية تتجاوز الحدود
في رؤيته لهوية الأوركسترا، يطرح إبراهيم مفهوماً واسعاً، قائلاً: «العروبة ليست مجرد دم… بل ثقافة تمتد عبر ثلاث قارات»، مشيراً إلى أن نسبة كبيرة من أعضاء الأوركسترا من غير العرب، ما يعكس قدرة الموسيقى على تجاوز الحدود الجغرافية والثقافية. كما يؤكد على أهمية التوثيق الرقمي، حيث يتم تسجيل العروض ونشرها عبر منصة «يوتيوب»، ما يتيح وصولها إلى جمهور عالمي، ويحفظها كجزء من ذاكرة معاصرة.
ورغم هذا النجاح، لا تخلو التجربة من التحديات، خاصة في ما يتعلق بالتمويل. يقول بعلبكي: «المنح تقلّصت بشكل كبير… وبعض البرامج توقفت»، ما يفرض الاعتماد على مصادر دعم بديلة. ومع ذلك، تستمر الطموحات، حيث تسعى الأوركسترا إلى إنشاء مدرسة للموسيقى العربية، وتوسيع برامج التعاون الثقافي، في محاولة لضمان استمرارية المشروع وتطوره.
ويختم إبراهيم بالقول: «كل هذه الموسيقى هي نتيجة قرون من التبادل الثقافي والمحبة»، مشدداً على أن مشروع الأوركسترا يتجاوز حدود الفن، ليصبح مساحة لقاء، وذاكرة حيّة، وجسراً يجمع الناس».







Leave a Reply