ليفونيا
وفقاً للتقويم اليولياني، أحيت الكنائس الأرثوذكسية في منطقة ديترويت، في عطلة نهاية الأسبوع المنصرم، عيد الفصح المجيد، وفي مقدمتها، كنيسة «القديسة مريم» سانت ماري) الأنطاكية الأرثوذكسية) في ليفونيا، حيث أقيم قداس حاشد حضره قنصل لبنان العام في ديترويت إبراهيم خليل شرارة، بمشاركة واسعة من أبناء الجاليات العربية الأورثوذكسية.
وجاء قدّاس القيامة ليل السبت–الأحد الماضي محمّلاً برسائل الأمل والرجاء، التي عبّر عنها القنصل شرارة في كلمته عبر التشديد على إيمانه بقدرة لبنان على النهوض من أزماته، فيما أكد كاهن الرعية الأب جورج شلهوب أن عيد الفصح يشكّل جوهر الإيمان المسيحي، باعتباره إعلاناً لانتصار الحياة على الموت وتجدد الأمل مهما اشتدت الظروف، مشدداً على أهمية الوحدة والمحبة، خصوصاً في ظل التحديات والانقسامات التي يشهدها العالم اليوم.
وكانت احتفالات الفصح الأورثوذكسية قد بدأت مع «سبت لعازر» و«أحد الشعانين»، واستمرت عبر سلسلة من الصلوات والرتب الدينية طوال «أسبوع الآلام» الذي يسبق عيد الفصح المجيد وقيامة السيد المسيح (ع)، مروراً بـ«الجمعة العظيمة» و«سبت النور».
ويأتي عيد الفصح المجيد، بحسب الكنيسة الأرثوذكسية، مباشرة بعد الصوم الكبير وهو أقدس وأطول أصوام السنة الكنسية 55 يوماً)، ويجمع بين الصوم الأربعيني المقدس وأسبوع الآلام بهدف التهيئة الروحية لعيد القيامة عبر الانقطاع عن الطعام (من المنتجات الحيوانية والألبان والبيض)، والتركيز على الصلاة، التوبة، والأعمال الخيرية، مع السماح بالزيت والخمر في عطلات نهاية الأسبوع.
ولم تقتصر المناسبة على بعدها الروحي، بل اتخذت أيضاً طابعاً عائلياً واجتماعياً، إذ امتلأت الكنيسة بالعائلات والأطفال الذين شاركوا في تقاليد العيد، وتوزّع البيض الملوّن رمزاً للحياة الجديدة، في مشهد عكس تلاقي الأجيال واستمرارية الذاكرة الجماعية.
كما تميّزت صلاة الغروب «الأغابي» بقراءة الإنجيل بعدة لغات، من بينها العربية والإنكليزية والفرنسية والألمانية والإيطالية والسويدية، في تعبير حي عن وحدة الكنيسة وتنوّع جذورها الثقافية، ورسالة القيامة التي تتجاوز الحدود.
وفي عظته، أكد الأب جورج شلهوب أن «القيامة ليست حدثاً نحتفل به مرة في السنة، بل هي حياة نعيشها كل يوم، حين نختار الرجاء بدل اليأس، والمحبة بدل الانقسام».
وأضاف: «في عالم يزداد انقساماً، نحن مدعوون إلى أن نكون شهوداً لوحدة حقيقية تنبع من الإيمان، وأن نحمل نور القيامة إلى بيوتنا ومجتمعنا».
كما شدد على أهمية الثبات في الإيمان «مهما اشتدت الصعوبات»، حيث «تبقى القيامة وعداً إلهياً بأن النور أقوى من الظلمة، وأن الحياة تنتصر دائماً».
القنصل شرارة
خلال الاحتفال، رحّب الأب شلهوب بقنصل لبنان العام إبراهيم شرارة، مشيداً بدوره في تعزيز التواصل مع مختلف مكونات الجالية اللبنانية، ومشاركته المستمرة في مناسباتها.
وتوجّه شرارة إلى الحضور بكلمة مُقتضبة خلال القدّاس، شدّد فيها على أهميّة ترسيخ قيم الشراكة والتضامن بيْن اللبنانيين، مُعرباً عن أمله في أن يحمل عيد القيامة هذا العام رسالة محبّة وتضامن ووحدة بين اللبنانيين، وأن يشكّل رجاءً بقيامة لبنان ونهوضه واستقراره، كما قيامة جميع دول الشرق، وبقدرة شعوبها على العيش بسلام واستقرار وازدهار وطمأنينة. ورحّب الأب شلهوب بالقنصل العام، مشيداً بدوره في تعزيز التواصل مع مختلف مكوّنات الجالية اللبنانيّة، ومشاركتها مناسباتها.
كما شارك القنصل العام في عدد من القداديس والرتب الدينية لدى مختلف الطوائف المسيحية، بدءاً من قداس أحد الشعانين في كنيسة مار مارون في ديترويت، مروراً برتبة الجمعة العظيمة في كنيسة القديسة رفقا المارونية في ليفونيا، وصولاً إلى قداس عيد القيامة في كنيسة السيدة مريم الأرثوذكسية في ليفونيا أيضاً.
وعقب القداس، حرص القنصل العام على لقاء أبناء الجالية في أجواء عكست عمق الانتماء وحرصه على التواصل مع جميع مكونات الاغتراب اللبناني.
كنيسة القديسة مريم
تعود جذور كنيسة القديسة مريم الأنطاكية الأرثوذكسية في ليفونيا، إلى عام 1972، حين تأسّست كمبادرة إيمانية متواضعة قادها الأب جورج شلهوب نفسه، بمشاركة عدد من العائلات المهاجرة من لبنان وفلسطين والأردن وسوريا. وقد تم في ذلك العام، شراء أرضٍ تُقدّر مساحتها بنحو ثلاثة أفدنة، لتكون نواة هذا الصرح الروحي البارز على شارع ميريمان.
وفي عام 1976، جرى تدشين مبنى الكنيسة التي تم الاعتراف بها رسمياً عام 1977، لتبدأ مسيرة نمو تدريجية شملت تأسيس مدارس الأحد، وتفعيل الجمعيات الرعوية، وبناء مركز ثقافي في تسعينيات القرن الماضي، وإطلاق الأنشطة الشبابية والاجتماعية التي أسهمت في ترسيخ حضور الكنيسة داخل الجالية.
وبحلول عام 2004، بدأت الكنيسة أعمال بناء وتوسعة رئيسية لتحويل المكان إلى مركز روحي وثقافي واجتماعي متكامل، يضم مرافق حديثة لخدمة مختلف الأنشطة، ويعكس الهوية الأنطاكية الأرثوذكسية على طراز البازيليكا المعماري.
وشملت ورشة البناء تركيب القبة النحاسية اللامعة المميزة، وأعمالاً حجرية مزخرفة قبل أن تبدأ مرحلة التصميم والرسومات الداخلية التي امتدت بدورها لنحو 12 عاماً.
واليوم، لا يقتصر دور الكنيسة على توفير خدمات العبادة والطقوس الدينية للآلاف من رعيتها، بل يمتد ليشمل النشاطات التربوية والثقافية التي تعزز الهوية والانتماء لدى الأجيال الجديدة، ضمن إطار يجمع بين الإيمان والانفتاح على المستقبل.
وتعتبر كنيسة القديسة مريم في ليفونيا اليوم، واحدة من أبرز وأكبر الكنائس الأرثوذكسية في ولاية ميشيغن، وهي تابعة لأبرشية أميركا الشمالية الأنطاكية. كما توجد كنائس هامة أخرى مثل كنيسة مارمتى للسريان الأرثوذكس في ستيرلينغ هايتس، وكنيسة سانت ماري في بيركلي.
وتضم ميشيغن كنائس أرثوذكسية متعددة التبعية من بينها الأنطاكية والروسية والصربية والقبطية والرومانية. ويشكل الأرثوذكس حوالي واحد بالمئة فقط من سكان ولاية البحيرات العظمى، أي حوالي مئة ألف نسمة.







Leave a Reply