محمد العزير
قُضي الأمر. قال الناخب الأميركي كلمته، وبدلاً من أن تنتج صناديق الاقتراع «موجة زرقاء» تمنح الأغلبية للحزب الديمقراطي في الكونغرس، أطلقت إعصاراً شاملاً، أطاح ما بناه –أو خرّبه– المحافظون لحوالي خمسة عقود، وقلبت المسار اليميني الديني المتشدد الذي اختطه الحزب الجمهوري منذ صعود نجم رونالد ريغان أواخر سبعينيات القرن الماضي، والذي اتسم بالتركيز على التعبئة الفئوية للبيض ذوي الأصول الأوروبية في مواجهة التعددية، والنكوص عن المكاسب الليبرالية التي توجها إقرار قوانين الحقوق المدنية والدستورية وإنهاء الفصل العنصري منتصف الستينيات، واستعداء الملونين والأقليات والمهاجرين، وصولاً إلى ظاهرة دونالد ترامب الشعبوية التي شوّهت الوجه الديمقراطي لأميركا وكادت أن تحوّلها إلى دولة استبداد.
حفلت نتائج التصويت بالكثير من المفاجآت والمعطيات التي جعلت من الانتخابات الأخيرة أكثر بكثير من مجرد معركة سياسية بين حزبين كبيرين يتناوبان على السلطة وفق آليات تقليدية يخسر فيها حزب الرئيس في الانتخابات النصفية، التي ينظر إليها تقليدياً كاستفتاء على أدائه وشعبيته.
إن ما جرى الثلاثاء الماضي، يحمل مؤشراً واضحاً على بداية تحوّل عميق في المزاج الشعبي سيطبع المسار السياسي العام لسنوات طويلة، وربما لعقود مقبلة، مع ما يترتب على ذلك من تغيير في مقاربة القضايا الحيوية وإعادة ترتيب الأولويات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والتشريعية.
أما أبرز مؤشرات هذا التحول وفق نتائج الانتخابات الأخيرة فقد تجلت في أكثر من مستوى:
– نهاية ظاهرة ترامب: توجت الموجة الشعبوية التي سادت أميركا في العقد الأخير، المسار المتزمت الذي بدأ مع ريغان، وقام على «ممارسة السياسة بطرق أخرى»، حين انصب جهد المحافظين على تغيير قواعد اللعبة من خارجها من خلال تحزيب القضاء عبر تسمية وتزكية قضاة مُسيّسين صغار السن للمحاكم الفدرالية والمحكمة العليا التي صارت في السنوات الماضية، أشبه بذراع عدلي للحزب الجمهوري، وكذلك تغيير جغرافية الدوائر الانتخابية ديموغرافياً لإقصاء الملونين والأقليات، وإطلاق العنان للشركات الكبرى والأثرياء لتمويل الحملات السياسية، ورفع لواء «الحرب الثقافية» التي استهدفت التعددية والحريات الشخصية، وحوّلت الإجهاض والمثلية الجنسية ومناهج التعليم والهجرة وبرامج التمكين الإقتصادي للنساء والأقليات إلى معارك حامية عززت الانقسام الداخلي. فقد بيّنت استطلاعات الرأي أن ثلث الذين أدلوا بأصواتهم يعتبرون أن «حال الديمقراطية» الأميركية كان الحافز الأول وراء اقتراعهم بعد الاقتصاد (39 بالمئة) ومعنى ذلك أن النتائج لم تكن هزيمة لترامب كرئيس، وإنما كظاهرة.
– إنهاء الهيمنة الصهيونية: أظهرت الانتخابات في جولتيها التمهيدية والعامة، أن الحياة السياسية تحررت إلى حد كبير من ربقة النفوذ الحاسم لمؤيدي إسرائيل والذي كان من الثوابت منذ خمسينيات القرن الماضي. وترجم هذا التحول صعود الجناح الليبرالي في الحزب الديمقراطي والذي حقق نتائج باهرة. ومع أن السياسة الخارجية شكلت 4 بالمئة فقط من أولويات الناخبين، كان الدعم غير المشروط الذي تقدمه أميركا لإسرائيل، نقطة محورية في حملات المرشحين التقدميين، الذين شن عليهم «اللوبي الصهيوني» حملات مالية وإعلامية شعواء باءت بالفشل، ولم تنجح مئات ملايين الدولارات التي أنفقها مؤيدو دولة الاحتلال والاستيطان، ولا المواقف المخزية للقيادات التقليدية للديمقراطيين في وقف المدّ الليبرالي، الذي التحق به كثير من رموز الإعلام المحافظ، ما يعني أن الضيق من الهيمنة الصهيونية لم يقتصر على العلاقة مع إسرائيل، بل كان معظمه لدوافع داخلية أدت إلى النتائج الراهنة (وكان لفضيحة ملف إبستين وتداعياتها أثراً كبيراً في ذلك).
– تصحيح الاقتصاد ولجم المليارديرات: حل الاقتصاد في صدارة اهتمامات الناخبين (39 بالمئة) وفي حين كان الحديث عن الغلاء المستفحل وارتفاع معدلات التضخم أكثر شيوعاً، لم يكن التصويت مقتصراً على الجانب المعيشي، بل تعدّاه إلى جوانب أعمق وأكثر بنيوية. فلسنوات طويلة، وخصوصاً بعد نهاية الحرب الباردة، جنحت أميركا نحو المزيد من سياسات الرأسمالية العارية على حساب الاقتصاد المتوازن والتنمية والبنى التحتية، وتعرضت موازنات شبكة الأمان الاجتماعي لتجفيف تدريجي بدد الكثير من التقديمات والخدمات الاقتصادية والاجتماعية للطبقات المتوسطة والدنيا، وجرى اقتطاع تمويل الضمان الصحي والمدارس وإلغاء برامج التمكين للنساء والأقليات، فيما شاع الإحتفاء بالأثرياء وأصحاب المليارات الذين تحولوا إلى نجوم في المجتمع والإعلام، وتزايد الفساد بشكل غير مسبوق، بعد إلغاء التشريعات التي حاولت الحد منه عقب الانهيار المالي الكبير عام 2008، لذلك كانت الانتخابات الأخيرة عبارة عن مواجهة حامية بين التيار الليبرالي الصاعد وبين الأثرياء، وخصوصاً الذين كونوا ثرواتهم من التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي في وادي السيليكون والذين كانوا رافعة أساسية لولاية ترامب الثانية، وانخرطوا بشكل مباشر في التنافس الانتخابي وضخوا مئات ملايين الدولارات لتثبيت نفوذهم، لكن الناخب كان صريحاً في رفضهم، لا كأشخاص وإنما كحالة شاذة «تخرّب» الاقتصاد، وقال نصف المقترعين إن الفساد قضية ملحّة بالنسبة لهم، فيما رفض 60 بالمئة منهم، السياسات الاقتصادية الراهنة، بما فيها السياسة الجمركية، وبناء المراكز البيانية العملاقة للذكاء الاصطناعي، فيما أعرب 71 بالمئة منهم عن دعمهم للنقابات العمالية، وهي أعلى نسبة تأييد منذ ستينيات القرن الماضي.
– تكساس على طريق كاليفورنيا: إذا كانت نتائج الانتخابات ككل أكثر من مفاجئة، فإن انتخابات ولاية تكساس تحديداً، كانت صادمة وتؤشر إلى تحوّل بنيوي بالغ الأهمية سيؤثر على السياق العام في أميركا. فتكساس هي الولاية الثانية من حيث عدد السكان (32 مليوناً) بعد كاليفورنيا (39 مليوناً)، وهي الاقتصاد الثاني أميركياً والثامن عالمياً بإنتاج محلي قيمته 2.9 تريليون دولار، (كاليفورنيا الأولى أميركياً والخامسة عالمياً بـ4.9 تريليون). ولطالما قدّمت تكساس نفسها كمنافس بديل لكاليفورنيا، ومعقل ثابت للحزب الجمهوري، ونقطة جذب للمستثمرين والأثرياء الذين لا يطيقون الضرائب والقوانين البيئية والعمالية على الساحل الغربي، لكن المجد المحافظ الذي بنته الولاية لعقود كرأس سهم لسياسات اليمين، انهار في ليلة واحدة. إذ عصف ناخبو تكساس بالتركيبة التي قامت على العنصرية والتمييز والتضييق على الناخبين غير البيض والعداء للمهاجرين، فانتخبوا الديمقراطية جينا هينوخوسا حاكمة للولاية لتكون أول سيدة من أصول لاتينية تشغل المنصب، وأول مرشح غير جمهوري يفوز بالمنصب منذ 42 سنة، كما انتخبوا جيمس تالاريكو لعضوية مجلس الشيوخ الأول كأول ديمقراطي يمثل الولاية منذ العام 1988. كذلك حسم الناخبون، معركة الأغلبية في مجلس نواب الولاية لصالح الديمقراطيين للمرة الأولى منذ 2002، كما منحوا الحزب الأزرق معظم المناصب العليا على مستوى الولاية.
لم يكن هذا التحوّل نتيجة لحظة سياسية عابرة، بل جاء في سياق تغيير بنيوي سبق لكاليفورنيا نفسها أن شهدته قبل ثلاثة عقود، كانت كالفورنيا (التي انتجت ريغان نفسه) كثيرة الشبه بتكساس، لكن العامل الديموغرافي غيّر كل شيء، وكان للنمو السكاني لذوي الأصول اللاتينية الدور الأبرز في ذلك، وهذا ما تحقق في تكساس نفسها، حيث يشكل هذا المكون الديموغرافي 40 بالمئة من السكان، فيما يشكل البيض 36 بالمئة والسود 12 بالمئة، والباقي من الأقليات.
حاول الجمهوريون في تكساس بكل طاقتهم أن يمنعوا «القدر» الديموغرافي، ولكن دون جدوى، غير أن مبالغتهم في محاولة التصدي له وإن نجحت في تأخيره قليلاً، أدت إلى انفجاره في وجههم بشكل لم يكن يتوقعه أحد. وبالنظر إلى الواقع السياسي الراهن، ليس هناك من معطى ظاهر يمنع أن تصبّ الولاية المحافظة تاريخياً، أصواتها الأربعين في المجمع الانتخابي الرئاسي لصالح مرشح ديمقراطي في سباق البيت الأبيض 2026، مما يمنحه، مع أصوات كاليفورنيا الأربعة والخمسين، أكثر من ثلث الأصوات المطلوبة للفوز بالرئاسة.
ببساطة، إن نتائج الانتخابات لن تقتصر على تغييرات مؤقتة في موازين الأغلبية والسلطة في واشنطن وعواصم الولايات، بل تشي بتحول ليبرالي عميق لا مناص منه.





Leave a Reply