وورن
في مدينة وورن بولاية ميشيغن، شهد مقرّ «المنظمة الإسلامية في أميركا الشمالية» IONA، مساء الأحد 17 أيار (مايو) الجاري، انعقاد المؤتمر الإسلامي السنوي السابع عشر تحت شعار «هذا هو الإسلام»، بمشاركة نخبة من العلماء والقيادات الدينية، وحضور واسع من أبناء الجالية المسلمة من مختلف الخلفيات والمذاهب الإسلامية.
وجاء المؤتمر في وقت تتزايد فيه التحديات التي تواجه المسلمين في الولايات المتحدة والعالم، في ظل تصاعد موجات الإسلاموفوبيا، والانقسامات السياسية والمذهبية، واستمرار المآسي الإنسانية في عدد من الدول الإسلامية، وفي مقدمتها الحرب المستمرة في قطاع غزة ولبنان.
وركّزت كلمات المشاركين على أهمية تعزيز الوحدة الإسلامية، وترسيخ ثقافة الحوار والانفتاح والتعاون بين المسلمين، إلى جانب ضرورة بناء مؤسسات قوية قادرة على خدمة الجاليات الإسلامية والدفاع عن قضاياها داخل المجتمع الأميركي.
وشارك في المؤتمر كلّ من الشيخ باقر برّي، إمام «المجمع الإسلامي الثقافي» في ديربورن، وأمير «المنظمة الإسلامية في أميركا الشمالية» الشيخ مصطفى الترك، والإمام عبدول رشيد من «مركز المسلم» في ديترويت، حيث شدّد المتحدثون على أن المرحلة الراهنة تتطلب خطاباً إسلامياً وحدوياً جامعاً يبتعد عن التحريض والانقسام، ويُعلي قيم الاحترام والتعايش والعمل المشترك.
وفي كلمة رئيسية اتّسمت بالطابع الوحدوي، استعرض الشيخ باقر برّي تجربة اللقاءات الشهرية التي جمعت خلال السنوات الماضية عدداً من الأئمة والعلماء والقيادات الإسلامية من مختلف المدارس والمذاهب، موضحاً أن الهدف منها لم يكن عقد لقاءات شكلية أو بروتوكولية، بل تأسيس تعاون حقيقي يخدم المسلمين ويواجه التحديات المشتركة التي تعاني منها الجالية الإسلامية.
وقال بري: «نحن بحاجة إلى الانتقال من اللقاءات الرمزية إلى تعاون حقيقي يخدم المسلمين ويعالج قضاياهم المشتركة». وتابع بأن تلك اللقاءات ساهمت مع مرور الوقت في إزالة الكثير من الصور النمطية وسوء الفهم المتبادل بين المسلمين، وأثبتت أن غالبية الخلافات التي تُغذّي الانقسامات تقوم على الجهل المتبادل أكثر مما تقوم على معرفة حقيقية بالآخر.
وقال: «اكتشفنا من خلال الحوار أن هموم المسلمين واحدة، وأن كثيراً من مشاعر التعصب والعداء ناتجة عن سوء الفهم أكثر من كونها خلافات حقيقية»، مؤكداً أن المسلمين، رغم اختلاف مدارسهم الفقهية، يتشاركون الهموم والآمال نفسها، ويتطلعون جميعاً إلى مجتمعات يسودها العدل والاستقرار والكرامة والفرص المتساوية.
وأشار الشيخ برّي إلى أن الأمم لا تتقدم إلا من خلال التعاون والوحدة وبناء المؤسسات القوية، مستشهداً بالتجربة الأوروبية التي استطاعت تجاوز حروب مدمرة وصراعات تاريخية لتبني نموذجاً قائماً على الشراكة الاقتصادية والسياسية.
وقال: «الأمم تبني قوتها من خلال الوحدة والتعاون وبناء المؤسسات، لا من خلال استنزاف نفسها في النزاعات المذهبية».
كما شدد على أن الأمة الإسلامية اليوم بحاجة إلى التركيز على تحديات الحاضر والمستقبل بدلاً من إعادة إنتاج صراعات الماضي، مؤكداً أن المسلمين جميعاً يريدون تعليماً أفضل واقتصاداً أقوى وعدالة واستقراراً وكرامةً لشعوبهم، لا المزيد من التنازع والانقسامات.
وتناول بري في كلمته الحرب المستمرة في الشرق الأوسط، مؤكداً أن المسلمين بمختلف مذاهبهم وقفوا إلى جانب الشعب الفلسطيني باعتبار حقوقه قضيةً إنسانية وأخلاقية قبل أي اعتبار مذهبي أو سياسي.
وقال: «عندما تعرّضت غزة للقتل والدمار، لم يسأل المسلمون إن كان الفلسطينيون سنة أم شيعة، بل رأوا شعباً مظلوماً يستحق الدعم والمساندة». وأضاف أن المآسي التي يعيشها الفلسطينيون كان يفترض أن تكون سبباً لتقارب المسلمين ووحدتهم، لا مناسبة لتبادل الاتهامات والخطابات التحريضية التي تُعمّق الانقسام داخل الأمة.
كما تطرّق بري إلى عدد من القضايا الخلافية المرتبطة بالمذهب الشيعي، موضحاً أن كثيراً من الاتهامات المتداولة تعود إلى سوء فهم أو إلى تعميمات غير دقيقة، مؤكداً أن الشيعة الإمامية يؤمنون بالقرآن الكريم كاملاً كما أُنزل على النبي محمد (ص)، ويرفضون الادعاءات المتعلقة بتحريف القرآن.
وأشار إلى أن عدداً كبيراً من علماء ومراجع الشيعة يرفضون خطاب السبّ والإساءة وإثارة الكراهية تجاه رموز المسلمين، ويفرقون بين الحوار العلمي والخلاف الفكري من جهة، وبين التحريض والعداء الطائفي من جهة أخرى.
وأوضح كذلك أن مفهوم «التقية» لا يعني النفاق كما يُشاع، بل يرتبط بحماية الإنسان لنفسه في ظروف الخوف والاضطهاد، مستشهداً بآيات قرآنية تؤكد مشروعية حفظ النفس في حالات الإكراه والخطر.
وشدد على أن الاختلافات الفكرية والفقهية لا ينبغي أن تتحول إلى تكفير أو عداوة أو عنف، داعياً إلى اعتماد لغة الحوار والحكمة والاحترام المتبادل.
وقال: «اختلافاتنا الفكرية والفقهية لا ينبغي أن تتحول إلى عداوة أو تحريض، بل يجب أن تُدار بالحكمة والاحترام والحوار». وأضاف قائلاً: «الدين جاء ليبني الإنسان الرحيم العادل، لا ليبثّ الكراهية والانقسام بين الناس».
واختُتم المؤتمر بالدعوة إلى ترسيخ خطاب الاعتدال والانفتاح، وتعزيز التعاون بين المراكز والمؤسسات الإسلامية بما يخدم مصالح عموم المسلمين الأميركيين ويعزز حضورهم الإيجابي داخل المجتمع الأميركي، وسط تأكيد المشاركين على أهمية استمرار الحوار والتواصل بين مختلف المكوّنات الإسلامية لبناء مستقبل أكثر وحدة واستقراراً للأجيال القادمة.







Leave a Reply