ديربورن
في أكبر تحرك شعبي تشهده ديربورن منذ توسّع الاعتداءات الإسرائيلية على لبنان في الثاني من شهر آذار )مارس( الفائت، احتشد مئات المتظاهرين في منتزه «السلام» بغربي المدينة مساء الجمعة 10 نيسان )أبريل( الجاري تنديداً بوحشية دولة الاحتلال وإصرارها على ارتكاب المجازر بحق المدنيين اللبنانيين رغم مساعي وقف إطلاق النار في المنطقة.
وتضمّنت التظاهرة كلمات خطابية وإضاءة شموع تخليداً لأرواح الشهداء، لاسيما أولئك الذين ارتقوا جرّاء الغارات الإسرائيلية المتزامنة التي طالت أكثر من مئة موقع في لبنان يوم الأربعاء 8 أبريل الجاري، متسبّبة بمقتل 357 شخصاً وإصابة نحو 1,223 آخرين، وفقاً للأرقام الرسمية الصادرة عن وزارة الصحة اللبنانية.
ومنذ توسع العدوان في أوائل مارس المنصرم، بلغت حصيلة الشهداء خلال شهر ونصف، أكثر من 2,167 شهيداً و7,061 جريحاً، بحلول 15 أبريل الحالي، فضلاً عن دفع نحو 1.2 مليون نسمة إلى النزوح.
وتميّزت الوقفة الاحتجاجة بحضور لافت للأطفال الذين رفعوا صوراً لضحايا العدوان، لاسيما الأطفال منهم والعائلات التي قضت بأكملها، وسط مشاركة العديد من الفعاليات السياسية والحقوقية والمجتمعية، من بينهم سكرتيرة ولاية ميشيغن جوسلين بنسون وقنصل لبنان العام بديترويت إبراهيم خليل شرارة والنائب عن مدينة ديربورن في مجلس ميشيغن التشريعي العباس فرحات، وعضو مجلس مقاطعة وين سام بيضون، بالإضافة إلى عدد من المسؤولين المحليين وأعضاء المنظمات الحقوقية في منطقة ديربورن.
وفي مستهل الفعالية التي رفعت خلالها الأعلام اللبنانية بكثافة، تضرّع راعي كنيسة «أم المخلص الأسقفية» الأب حليم شقير إلى إله الرحمة والسلام لتعزية المحزونين وشفاء المنكسرين، داعياً في هذه «الجمعة العظيمة أن يكون النور أقوى من الظلمة والحياة أقوى من الموت، وأن يتحول القادة نحو الحكمة والسلام».
وأطلق الشيخ محمد عياد من «المركز الإسلامي في أميركا» صرخة تستحث الضمائر الحية لرفض الصمت حيال الجرائم الإسرائيلية في لبنان، بالدعاء لرفع الظلم عن وطن الأرز وكامل منطقة الشرق الأوسط لتخفيف آلام الثكالى والأيتام، وقال «لتكن هذه الشموع الموقدة شاهدةً على موقف الحق في وجه الظلم».
وتخللت الفعالية التضامنية مشاركات وجدانية مؤثرة للأطفال الذين تصدروا المشهد، حيث قرأ بعضهم قصائد جسدت أحلامهم باللعب والأمان بعيداً عن هدير الطائرات، كما وجهت إحدى الطالبات رسالة حاشدة بالمشاعر تساءلت فيها عن ذنب أقرانها في لبنان الذين استيقظوا على واقع سلبهم براءتهم ومستقبلهم، مؤكدة أن أطفال الاغتراب يرفضون الصمت تجاه ما يحل بعائلاتهم ووطنهم الأم.
وقرأت الطفلات نور الهدى هاشم وفاطمة الزهراء هاشم وزينة فواز، وهن طالبات في الصف الرابع الابتدائي، قصيدة مشتركة باسم الضحايا الأطفال في لبنان، جاء فيها: «كان ينبغي أن نلعب في الحديقة، وأن نركض دون خوف، وألا ننظر إلى السماء متسائلين عما يقترب. كان ينبغي أن نتعلم في مدارسنا، نكتب القصص ونرسم الأحلام، وألا نترك كل شيء خلفنا أو نسمع صرخات تفطر القلوب. كان ينبغي أن نكون أطفالاً، لا أكثر، لا أن نكون شجعاناً لأننا مضطرون، ولا أقوياء لأننا رأينا الكثير. كان ينبغي أن نكون مجرد أطفال، سعداء وأحرار».
وأضافت القصيدة: «كل طفل يستحق فرصة لينمو، ليضحك، وليشرق ببراعة، ولينام بسلام، ولا يشعر بالخوف، ويغمض عينيه في الليل. لا ينبغي لأي طفل أن يضطر للسؤال ‘هل سأكون آمناً اليوم؟’.. نحن أطفال هذا العالم، حياتنا تهم، وأصواتنا أيضاً. نطلب السلام والحب والأمل لكل طفل مثلنا تماماً».
من جانبها، قدمت الطالبة في مدرسة «يونيفرسال ليرنينغ أكاديمي»، لارا موسى، مداخلة وجدانية رسمت خلالها مأساة الأطفال اللبنانيين الذين يستيقظون يومياً على تساؤلات قاسية حول الأمان والبقاء، واصفةً كيف «غيرت السماء لغتها» فجأةً لتسلب مئات الأطفال أحلامهم ومستقبلهم.
وأكدت موسى أن الأطفال لم يُخلقوا ليكونوا هدفاً للحروب، بل لتصدح ضحكاتهم في الملاعب وتزهر أحلامهم بعيداً عن الرعب، مشيرةً إلى أن «هؤلاء الضحايا الذين سُلبوا فرصة أن يكبروا ولم ترتفع قاماتهم ليعانقوا نظرات أمهاتهم، باتت ذكراهم أمانة تستوجب كسر حاجز الصمت».
وشددت موسى على أن الفوارق الطائفية تذوب تحت قصف القنابل، داعيةً جميع اللبنانيين إلى الوقوف كصوت واحد ضد استباحة الطفولة، ومؤكدة بأن الحق في العيش والنمو دون ذعر هو حق بشري أصيل وليس امتيازاً، كما دعت الحضور لإدراك رمزية الشموع المضاءة ليس فقط كفعل للتذكر، بل كفعل «مقاومة ضد الإبادة»، لكي يظل نور الضحايا حياً في الضمائر.
الناشطة المجتمعية سهيلة أمين ألقت كلمة بالنيابة عن المنظمين أكدت فيها أن ما يشهده لبنان ليس مجرد عناوين إخبارية عابرة، بل هو أزمة إنسانية مروعة خلفت أكثر من 1.2 مليون نازح ومجتمعات أبيدت وهجّرت بأكملها، لافتة إلى أن الجالية اللبنانية في منطقة ديربورن تعيش حالة حداد عميق ومستمر على فقدان أقاربهم وأحبائهم في الوطن الأم.
وتتحدر معظم الأسر اللبنانية في منطقة ديربورن، من قرى ومدن الجنوب اللبناني التي تشهد منذ عام 2024 عملية تدمير ممنهجة على يد القوات الإسرائيلية في محاولة متجددة لتهجير أبنائها.
ودعت أمين إلى ضرورة تجاوز الانقسامات الطائفية والسياسية بين اللبنانيين داخل وخارج لبنان، معتبرة أن الوحدة في هذه المرحلة المصيرية ليست مجرد شعار بل هي «استراتيجية بقاء وقوة» لمواجهة الدمار الذي لا يفرق بين لبناني وآخر، وقالت إن الصمود لا يعني الاكتفاء بالصمت أو التنديد وإنما يتطلب جهداً منظماً ومتواصلاً لتحقيق العدالة لأهالي الضحايا.
وأضافت أمين: «لا يمكننا الاكتفاء بمشاعر الحزن والأسى بينما تُهدم البيوت فوق رؤوس ساكنيها، علينا أن نحول هذا الغضب وهذا الحزن إلى فعل حقيقي، وأن نضغط على كل مسؤول منتخب ليعلم أن أصواتنا لن تذهب سدى، وأننا لن نقبل بتمويل الحروب أو السكوت عن قتل المدنيين، مؤكدة بأن الوقت الحالي هو «لحظة النهوض بالفعل من أجل العدالة ومن أجل ضمان مستقبل آمن لأطفالنا وأجيالنا القادمة».
من جانبه، دعا ناشر صحيفة «صدى الوطن» أسامة السبلاني، بكلمة مقتضبة، اللبنانيين الأميركيين إلى رصّ الصفوف والالتفاف حول قضاياهم الوطنية في هذا الظرف العصيب، مستلهماً قيم الصمود والكرامة التي طالما جسّدها اللبنانيون عبر تاريخهم المشهود في مقاومة الاحتلال الإسرائيلي.
وشدد السبلاني على أن المقاومة التي حطمت غطرسة الغزاة في الجنوب اللبناني، تملك اليوم العزيمة ذاتها لصد العدوان وكسر شوكته مهما غلت التضحيات، مؤكداً إيمانه المطلق بانتصار الحق اللبناني في نهاية المطاف.







Leave a Reply