ديربورن
استضاف نادي بنت جبيل الثقافي الاجتماعي في مدينة ديربورن مساء الثلاثاء الماضي لقاءً موسعاً جمع أبناء الجالية اللبنانية بمراسلة صحيفة «وول ستريت جورنال»، بيلا كوشينغ، في إطار مساعي الصحيفة لتوثيق حجم المآسي والخسائر التي تكبدها اللبنانيون الأميركيون وأسرهم في الوطن الأم جراء الاعتداءات الإسرائيلية المتواصلة على قرى وبلدات الجنوب والبقاع اللبناني، بالإضافة إلى الضاحية الجنوبية للعاصمة بيروت.
وخلال اللقاء الذي تضمن عرض صور توثيقية لمنازل ومصالح اللبنانيين الأميركيين المدمرة، ألقى عضو مجلس مفوضي مقاطعة وين، سام بيضون، الضوء على حجم الكارثة الإنسانية التي مني بها اللبنانيون، لافتاً إلى أن الاعتداءات الإسرائيلية الممنهجة منذ ثمانينيات القرن المنصرم كانت السبب الرئيس وراء تهجير آلاف الجنوبيين الذين يشكلون اليوم الشريحة الأكبر من الجالية في منطقة ديترويت الكبرى.
وأوضح بيضون، الذي ينحدر من مدينة بنت جبيل، أن اللبنانيين الأميركيين يشكلون جزءاً أصيلاً من النسيج الأميركي منذ مطلع القرن الماضي، مستذكراً تضحياتهم المتواصلة التي بدأت بمن قضوا على متن سفينة «تيتانيك» وصولاً إلى مأساتهم الراهنة، المتمثلة في تدمير مدنهم وقراهم وأحيائهم بقنابل «ممولة من أموال ضرائبنا»، على حد تعبيره.
ولفت بيضون إلى فداحة الخسائر المادية والمعنوية التي تكبدها اللبنانيون الأميركيون، وما استتبعها من مآسٍ أصابت أقرباءهم وأحباءهم في الوطن الأم، مستدركاً بالتأكيد على أن هذه الخسائر، مهما تعاظمت قيمتها، تظل ثانوية وتفقد معناها الفعلي أمام قدسية الأرواح البشرية التي أُزهقت جراء القصف العنيف والغارات الإسرائيلية المتواصلة التي استهدفت المدن والقرى اللبنانية خلال الأعوام الأخيرة، مؤكداً بأنه: «لا يمكن لأي مبنى أو قطعة أرض أن تقارن أبداً بقيمة حياة الإنسان».
وشبّه بيضون حجم الكارثة التي حلّت بمدينة بنت جبيل وغيرها من قرى وبلدات الجنوب بكارثة «هيروشيما» اليابانية، كما لم يتوانَ عن توصيف الانتهاكات الإسرائيلية الممنهجة بحق المدنيين اللبنانيين بأنها «حملة تطهير عرقي مشابهة جداً لما شهدناه في غزة»، متسائلاً بلهجة نقدية عن غياب الحدود القانونية والأخلاقية التي من شأنها ردع الدعم اللامحدود لإسرائيل؛ وقال: «لا ينبغي لأي دولة أن تكون فوق القانون الدولي، كما لا ينبغي لأي مدني أن يدفع ثمن الحسابات الجيوسياسية».
وطالب بيضون صحيفة «وول ستريت جورنال» بالالتزام بالمعايير والمواثيق الأخلاقية والموضوعية في تغطيتها الصحفية، وقال: «نطلب بكل احترام من الصحفية بيلا كوشينغ أن تُعدّ تقريراً عادلاً ومتوازناً وصادقاً، إذ لا نريد أن يتم تحريف ألمنا إلى رواية مختلفة، أو تسييس حزننا بشكل يتجاهل المعاناة الإنسانية الكبيرة في لبنان»، داعياً إدارة الصحيفة المرموقة إلى ضرورة نقل «روايتنا بالشكل الإنساني الذي نستحقه».
من جانبها، طالبت كوشينغ عشرات الحضور بتزويدها بما لديهم من وثائق وأدلة حول عمليات التدمير الممنهجة ونسف الأحياء السكنية التي تشهدها مناطقهم وأحياؤهم، ليتجاوز الحدث إطاره الرسمي ويتحول إلى منصة مفتوحة فاضت بشهادات حية وعاطفية من الأهالي، اتخذت إلى جانب التوثيق منحى وجدانياً مؤثراً يلامس حكايات البيوت والذكريات.
وركز الحضور في حديثهم مع كوشينغ على الأثر الإنساني العميق المترتب على فقدان المعالم التاريخية والرموز الاجتماعية لمدنهم وقراهم، معتبرين أن نسف البيوت لا يمثل مجرد خسارة مادية للممتلكات أو الجدران، بل هو محاولة ممنهجة لمحو ذاكرة جيل كامل ارتبط وجدانياً بأرضه وجذوره؛ كما شددوا على أن تدمير هذه الحواضر بما تضمه من إرث معماري واجتماعي يهدف إلى انتزاع الهوية التاريخية للسكان وقطع صلتهم بماضيهم، مما يجعل من إعادة الإعمار المنشودة معركة لاستعادة الذاكرة في المقام الأول.
وكان المجتمع اللبناني الأميركي في منطقة ديترويت قد شهد خلال الآونة الأخيرة جهوداً حقوقية مكثفة تُوجت بتحرك قضائي غير مسبوق هو الأول من نوعه في الولايات المتحدة؛ حيث أعلنت «الرابطة العربية الأميركية للحقوق المدنية» عن إطلاق عملية قانونية فدرالية لمحاسبة الإدارة الأميركية على تدمير أملاك مواطنيها في لبنان جراء الحرب الإسرائيلية المتواصلة.
وتعتزم الرابطة الحقوقية مقاضاة وزارتي الخارجية والدفاع الأميركيتين عبر دعوى جماعية نيابة عن مئات المتضررين، مستندة في مرافعتها إلى «قانون ليهي» لتأكيد أن الاستمرار في توريد الأسلحة والتمويل العسكري لجهات تتورط في سحق أحياء سكنية يملكها أميركيون يمثل إهمالاً قانونياً يرقى إلى مصاف المشاركة في الانتهاك، ويضع الحكومة الأميركية تحت طائلة المسؤولية المباشرة عن الأضرار التي لحقت بمواطنيها.







Leave a Reply