محمد العزير
غيّب الموت مؤخراً، رائد الإعلام والأخبار الأميركي تيد تيْرنِر، مؤسس شبكة «سي أن أن» CNN، عام 1980، كأول شبكة تلفزيونية إخبارية تبث على مدار الساعة، وقبلها محطة WTCG عام 1968، كأول محطة تلفزيون دائمة البث وعابرة للولايات، كاسراً بذلك الاحتكار المزمن للشاشة الصغيرة من قبل المحطات الوطنية الثلاث NBC وCBS وABC التي كانت تنفرد بالبرامج والأخبار وتنطفئ شاشاتها وتتوقف عن البث بعد منتصف الليل، لتعاود نشاطها في السادسة صباحاً مستهلة يومها بالنشيد الوطني الأميركي الذي ودعت به المشاهدين في ليلتها السابقة.
أحاط بشخصية تيرنر، الذي فارق الحياة عن عمر ناهز السبعة وثمانين عاماً، في مزرعة «أفالون» الشاسعة، التي يملكها في ولاية فلوريدا، بعد معاناته لسنوات من مرض «خرف أجسام ليوي» Dementia with Lewy bodies، الكثير من الانطباعات والحكايات ومنها ما هو غير صحيح أو غير دقيق، ويستحق التوقف عنده، خصوصاً وأن معظم الجمهور العربي الذي يعرف «سي أن أن» جيداً ويتابعها عن كثب، لا يعرف عن مؤسسها سوى القليل والمغلوط.
أولى المعلومات الشائعة عن تيرنر، خصوصاً في الأوساط العربية، أنه من أصل يهودي، وبالتالي موالٍ لإسرائيل، ويعود ذلك لسببين؛ الأول، اسم عائلته الذي ينتهي بحرف «الراء»، وهو الحرف الأخير في أسماء الكثير من العائلات اليهودية التي هاجرت إلى أميركا من أوروبا الوسطى والغربية، والثاني أنه حقق نجاحاً إعلامياً باهراً، والصورة النمطية العربية المعاصرة تصرّ على أن الصهيونية المرتبطة بالأصل اليهودي هي مصدر كل نجاح في هذا المضمار، فكيف والحال أن تيرنر نجح في الإعلام والتلفزيون والسينما وهوليوود؟
الحقيقة أن روبرت إدوارد تيرنر الثالث (تيد) المولود في التاسع عشر من تشرين الثاني (نوفمبر) 1938، ينتمي إلى عائلة تتبع الكنيسة الأسقفية الأميركية Episcopal Church، لكنه جاهر لاحقاً أكثر من مرة بعدم التزامه الديني أو الإيمان برسالات سماوية، قبل أن يعود إلى موقع «ربوبي» يقبل بوجود خالق دون أن يكون ذلك مرتبطاً بديانة معينة. أما موقفه من الصهيونية فكان أبرز مسبب للمتاعب له، حيث كان من قلة نادرة من الليبراليين الأميركيين الأثرياء غير الموالين للصهيونية وغير المؤيدين لإسرائيل، وكان ذلك، إلى جانب التنافس المهني، المحرك الكبير للخصومة بينه وبين روبرت مردوخ اليهودي الصهيوني الأسترالي الأصل الذي نقل أعماله من بريطانيا إلى أميركا عام 1986، ليستنسخ تجربة تيرنر عبر محطة «فوكس نيوز» الصهيونية اليمينية التي صارت قبلة المحافظين والجمهوريين وموجهّتهم.
المعلومة المغلوطة الثانية تقول إن تيرنر بدأ من الصفر مالياً، وأنه بنى إمبراطوريته البارزة بعصامية تتماشى مع الصورة النمطية الأميركية التي تقدّس تميمة تحقيق الحلم الأميركي، وتتغنى بالنجاحات التي يحرزها «رواد الأعمال» خصوصاً من الذين لم ينهوا دراستهم الجامعية، أمثال بيل غيتس (مؤسس مايكروسوفت) وستيف جوبز ( آبل) ومارك زوكربرغ (فيسبوك) ومايكل ديل (شركة ديل) ولاري أليسون (أوراكل) وغيرهم، والحقيقة أن تيرنر شأنه شأن المذكورين إنطلق في مسيرته من إرث وازن، فقد ورث عن أبيه روبرت تيرنر جونيور، الذي أقدم على الانتحار وهو في الواحدة والخمسين من العمر عام 1963، واحدة من أكبر شركات لوحات الإعلان والتي تحمل اسم العائلة، فضلاً عن عقارات وأراض وحسابات توفير، كما أن عدم إكماله لدراسته في «جامعة براون» الشهيرة في رود آيلاند عام 1959، لم يكن بسبب حاجته لدخول سوق العمل مبكراً ولكن لأنه ضبط مع صديقة له داخل غرفته في نزل الطلاب داخل حرم الجامعة، لكنه بعد ذلك بثلاثين سنة، عاد إلى الجامعة ليلقي خطاب التخرج في طلاب سنة 1989، ويقبل من الإدارة شهادة فخرية.
المعلومة الثالثة وهي أن تيرنر من الجنوب، أي الجنوب الأميركي الذي خسرت ولاياته الحرب الأهلية عام 1864، وأُجبرت على العودة إلى الاتحاد الفدرالي دون تخلي معظم نخبها عن المشاعر والسياسات العنصرية والتمييزية ضد السود والأقليات ولا تزال. لكنه في الحقيقة، مولود في مدينة سينسيناتي بولاية أوهايو في الغرب الأوسط وانتقل مع عائلته إلى ولاية جورجيا الجنوبية وهو في سنّ التاسعة، وعندما أنهى دراسته الثانوية في مدرسة خاصة في ولاية تينيسي المجاورة، انتقل إلى الساحل الشرقي ليلتحق بالجامعة، ولم يعد إلى الجنوب حتى سن الثانية والعشرين، وهو في سلوكه السياسي وثقافته أبعد ما يكون عن الجو الجنوبي، لكن صفة «لسان الجنوب» رافقته نظير مواقفه غير المسايرة، كما أن حرصه على العيش في مزارع كبيرة وركوب الخيل واعتمار قبعة رعاة البقر جعلت مظهره أكثر قابلية للهوية الجنوبية.
المعلومة الرابعة غير الدقيقة أيضاً، هو أنه كان منغمساً بالإعلام، وخصوصاً التلفزيون إلى حد كبير، لكن هذه المقاربة وإن كانت ترتكز إلى نجاحه الريادي في ميدان الشاشة الصغيرة حيث أحدث فيها تحولاً أثّر في العالم أجمع، فإنها تغفل حقيقة انشغالاته الموازية التي لا تقل أهمية عنها، فهو إلى جانب مواصلة الاهتمام بقطاع لوحات الإعلان الذي ورثه عن أبيه وطوّره، اشترى العديد من محطات الإذاعة المحلية في ولايات عديدة، قبل أن يستحوذ على ملكية أعرق استديو في هوليوود «وورنر» ويعيد تنشيط أرشيفه الكبير من الأفلام الكلاسيكية، تحت مظلة شبكة TCM المخصصة لعرض الأفلام القديمة، كذلك نجح في الاندماج مع أكبر شركة إنترنت مطلع التسعينات (أميركا أونلاين)، إلى ذلك كان تيرنر حتى التسعينات أكبر ملّاك منفرد للأرض في أميركا، وبلغت مساحة المزارع والأراضي التي يملكها حوالي تسعة آلاف كيلومتر مربع.
وفي المجال الرياضي يعتبر تيرنر من أشهر أصحاب نوادي الدرجة الأولى في لعبة البيسبول فقد اشترى عام 1976، نادي «أتلانتا بريفز» وقاده إلى النهائيات والبطولة أكثر من موسم من خلال متابعته اليومية لتمرينات ومباريات الفريق، كما اشترى نادي «أتلانتا هوكس» لكرة السلة، ونادي «أتلانتا تراشيرز» للهوكي، واتحاد المصارعة World Championship Wrestling، كذلك كان تيرنر من أبطال رياضة الزوارق الشراعية في المنافسات العالمية ونجح في إحراز البطولات لصالح أميركا أكثر من مرة، وتعود علاقته بهذه الرياضة النخبوية المكلفة إلى سنواته الجامعية.
من الصعب الإحاطة بشخصية غنية ومتميزة وناجحة في مقالة واحدة، لكن ما لا بد من الإضاءة عليه في مسيرة تيد تيرنر هو أنه ينتمي إلى قلة من الأثرياء الذين اهتموا بالصالح العام قدر اهتمامهم بمصالحهم الشخصية وفي الوقت الذي كانت الرأسمالية تفلت من عقالها مع انتهاء الحرب الباردة، فالرجل الذي بدأ حياته محافظاً في شبيبة الحزب الجمهوري سرعان ما اكتشف أن العالم أوسع من مصالح دولة أو فئة أو عرق، لكنه أصغر من التغاضي عما فيه من مشاكل ومحن. اعتنق تيرنر العولمة الإنسانية، ليس قولاً وحسب، بل في مبادراته وأفعاله والتي كان أبرزها التبرع بثلث ماله الخاص (مليار دولار) عام 1997، لصالح الأمم المتحدة لتمويل برامج تعنى بحماية البيئة وصحة الأم والطفل، وحقوق الإنسان، كذلك ساهم في تأسيس «مبادرة الخطر النووي» للحد من انتشار الأسلحة الذرية، كذلك أسس «أولمبياد النوايا الحسنة» في الثمانينيات لتجاوز حقبة المقاطعة الرياضية بين الشرق والغرب بعد الغزو السوفياتي لأفغانستان.
المؤسف أن تيرنر عاش حلماً ليبرالياً نبيلاً، وعمل بجدّ لتحقيقه، لكنه عاش ليراه يتبدّد بالأدوات التي ساهم هو نفسه في تطويرها، ولاسيما في مجال الإعلام، الذي تجاوز «سي أن أن» إلى «فوكس نيوز» ثم إلى التواصل الاجتماعي الذي كان وعداً بمزيد من الديمقراطية والتنوع قبل أن تحوله الرأسمالية العارية إلى أداة للاستبداد والتسلط وتفريخ فاشية من نوع جديد.






Leave a Reply