التقرير الأسبوعي
بعد أسبوع من التفاوض بالنار، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الخميس الماضي، عن «التوصّل إلى تسوية رائعة مع إيران»، منهياً بذلك، ليلتين من الضربات العسكرية التي ردّت عليها طهران بقصف قواعد أميركية في الكويت والأردن والبحرين، وذلك بعد أن كانت الجمهورية الإسلامية نفسها قد ضربت العمق الإسرائيلي مطلع الأسبوع الفائت، فارضةً معادلة جديدة على الجبهة اللبنانية، مفادها بأن ضرب الضاحية الجنوبية لبيروت سيقابله ضرب مناطق شمال الكيان.
وجاء إعلان ترامب حول «انتهاء الحرب» بعد تهديده بقصف إيران قبل أن يعلن تراجعه بإلغاء قرار القصف استناداً إلى تقدم المسار الدبلوماسي.
وأفاد الرئيس الأميركي بأن النقاط النهائية حظيت بموافقة الولايات المتحدة وإسرائيل والسعودية والإمارات وقطر وتركيا وباكستان والبحرين والكويت والأردن ومصر وغيرها، مؤكداً أننا «أنهينا اليوم الحرب مع إيران».
ووصف ترامب الاتفاق بأنه «تسوية عظيمة» وقال: «نحن بصدد وضع اللمسات الأخيرة على الوثائق»، مضيفاً أن «التوقيع على الاتفاق قد يجري في أوروبا نهاية هذا الأسبوع» إلا أنه لن يتمكّن هو من الحضور وإنما سيحضر نائبه، جي دي فانس، وقال إن «مضيق هرمز سيفتح بشكل رسمي بمجرد التوقيع على الاتفاق»، وإنه تحدّث مع عدد من قادة دول الشرق الأوسط بينهم أمير قطر، تميم بن حمد آل ثاني. كما زعم أن الولايات المتحدة «انتصرت عسكرياً في هذه الحرب».
ونقلت شبكة «سي أن أن» عن الرئيس الأميركي قوله –خلال تجمع انتخابي– إن «إيران وافقت على عدم امتلاك سلاح نووي مطلقاً وهو ما أصررنا عليه».
بدورها، أكدت الخارجية الإيرانية أن نص التفاهم جاهز «تقريباً» لكن الاتفاق مع واشنطن لم يصبح نهائياً بعد.
وبحسب المراقبين، لا يعني التوصل إلى مذكرة تفاهم بين الولايات المتحدة وإيران بالضرورة إنهاء الخلافات الأساسية بين الطرفين، إذ لا تزال ملفات حساسة مرشحة للترحيل إلى جولات تفاوض لاحقة.
وبذلك، فإن فرص الوصول إلى تسوية شاملة ما زالت محدودة، مما يجعل إدارة الصراع واحتواء تداعياته خياراً أكثر واقعية في المرحلة الحالية، حيث تبقى قضايا مثل مضيق هرمز والترتيبات الاقتصادية والأمنية الكبرى، عالقة، في وقت تتجه فيه دول المنطقة والأسواق العالمية إلى التكيف مع واقع جديد يتسم بهدنات مؤقتة أكثر من اتفاقات نهائية.
وجاء الانفراج المنتظر، بعد أشهر من المواجهة العسكرية والتجاذبات السياسية، والضغوط المتبادلة التي دفعت المنطقة إلى حافة مواجهة عسكرية أوسع من ذي قبل.
غير أن المؤشرات الصادرة من الطرفين –إلى جانب التحركات المكثفة للوسطاء الإقليميين– توحي بأن الجانبين نجحا –على ما يبدو– في تجاوز معظم العُقد التي عطلت المفاوضات طوال الفترة الماضية، وهو تطور قد يشكل –وفق مراقبين– نقطة تحول في واحدة من أكثر الأزمات تعقيداً في الشرق الأوسط.
وبينما أسهب ترامب في الحديث عن اتفاق «شبه مكتمل» مع إيران، مقابل حديث طهران عن تقدم غير مسبوق في المفاوضات، ساد الصمت والذهول في إسرائيل. ولولا بيان موجز وعام صدر عن مكتب رئيس حكومة الاحتلال، بنيامين نتنياهو، حول اتصال ترامب به، لبدا أن أحداً في تل أبيب لم يقرأ تصريحات الرئيس الأميركي، فضلاً عن أن يكون قد اطّلع مسبقاً على احتمال إعلان التوصل إلى اتفاق. إذ كانت إسرائيل، خلال اليومَين السابقين، مزهوّة بعودة الاشتباك المحدود بين إيران والولايات المتحدة، وتحاول، بكلّ ما أوتيت من حيلة وقدرة، توسيعه ليطاولها، فتدخل الحرب مجدداً، وتعيد تدشين عملية «زئير الأسد»، والتي يرى المسؤولون الأمنيون في تل أبيب أنها بُترت قبل أن تكتمل أهدافها.
وقبل إعلان ترامب بساعات قليلة، كان قادة المؤسسة الأمنية في إسرائيل يتحدثون عن رفع الجاهزية للعودة إلى الحرب، وعن انتظار «ضوء أخضر» من الولايات المتحدة لإطلاق الهجمات الجديدة على إيران.
وفي تعليقه على الاختراق الدبلوماسي غير المرغوب به إسرائيلياً، أعلن نتنياهو في بيان أن «إسرائيل ليست طرفاً في التفاهم»، معرباً في الوقت نفسه عن تقديره «لالتزام ترامب بأن يشمل الاتفاق إزالة المواد المخصّبة وتفكيك البرنامج النووي والحد من إنتاج الصواريخ ووقف دعم إيران وكلائها في المنطقة».
وبدا واضحاً من لغة البيان الإسرائيلي، أن نتنياهو أراد توضيح موقفه السلبي من مذكرة التفاهم دون أن يضع نفسه في مواجهة مع ترامب، وذلك عبر استعراض شروط إسرائيل، التي يعلم تماماً أنها غير مضمونة في الاتفاق المنتظر إعلانه.
شمول لبنان
بحسب المصادر الإعلامية، فإن الاختراق في المفاوضات الأميركية الإيرانية تم بعد ظهر الخميس المنصرم، عبر اتصالات جرت في العاصمة القطرية الدوحة، بإدارة رئيس الوزراء القطري، محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، ومشاركة مسؤول إيراني رفيع المستوى حضر إلى قطر، وكذلك موفد رفيع المستوى للرئيس ترامب.
وبحسب المعطيات، فإن الاتفاق يقضي بإطلاق الإجراءات لإنهاء حال الحرب في الخليج وكل المنطقة بما فيها لبنان. وقد وافقت الولايات المتحدة على عملية إنهاء حال الحرب وليس على وقف لإطلاق النار. ووفّرت قطر حلاً ناسب الجانبين الأميركي والإيراني بشأن الأموال المجمدة عبر صيغة لا تتسبّب بإحراج للرئيس الأميركي وتحقق لإيران غايتها بالحصول على أموالها.
أما في ما يخص لبنان، فقد فقد أكدت المصادر أن إيران حصلت على جواب نهائي من الولايات المتحدة بأن لبنان مشمول بالاتفاق، وأن الرئيس ترامب تحدث ثلاث مرات مع نتنياهو، بشأن ملف لبنان، خصوصاً وأن إقرار إنهاء الحرب لا يقتصر على وقف لإطلاق النار، بل على وقف تام لكل العمليات العسكرية وجدولة الانسحاب الإسرائيلي السريع من لبنان، مع ضمان وقف كل أعمال التهديم والتجريف، وإطلاق سراح الأسرى.
ومن جانبه، أعلن أمير قطر أن «الرئيس الأميركي قال إن التفاهمات الأميركية–الإيرانية حظيت بموافقة كل الأطراف ودعم دول شقيقة وصديقة بينها قطر، وأكد استمرار جهود استكمال الإجراءات النهائية تمهيداً لإعلان الترتيبات الخاصة بتوقيع الاتفاق».
وكانت إسرائيل فوجئت بمنشور ترامب على منصة «تروث سوشال» والذي أعلن فيه أولاً عن الاتفاق، بحسب القناة «12» الإسرائيلية، في حين نقلت القناة «14» الموالية لنتنياهو، عن مسؤول سياسي إسرائيلي رفيع المستوى قوله إن «شمول لبنان ضمن التفاهمات بين واشنطن وطهران أمر سيئ… كنا ندرس تنفيذ هجمات بقوة ضد حزب الله، إلا أن جزءاً من تلك الخطط سيبقى على الرف».
وجاء منشور ترامب، بعد فشل ليلتي الضربات في إحداث أي تغيير في موقف طهران التي هدّدت بتوسيع الحرب في حال استمرار الضربات الأميركية، إذ وجّه مقر «خاتم الأنبياء» في بيان تحذيراً لواشنطن «من أنها إذا هاجمتنا مجدداً فستتّسع نيران الحرب وتصبح أكثر شمولاً»، قائلاً إنه «مع تهديد بنيتنا النفطية، نعلن أن تصدير النفط إما أن يكون للجميع أو ليس لأحد».
وكان أعلن ترامب في منشور سابق على «تروث سوشال»، أنه سينفّذ «هجمات شديدة للغاية»، مهدداً بأن «واشنطن ستفرض، في المستقبل القريب، سيطرتها على جزيرة خارك وجميع البنى التحتية الإيرانية المرتبطة بالنفط والغاز، وكذلك على أسواقها، على نحو شبيه بما فعلته الولايات المتحدة في فنزويلا». كما هدّد بقصف الجسور في أنحاء البلاد.
وبدا أن اعتماد ترامب «الدبلوماسية تحت القصف»، عبر رفع مستوى التوتر العسكري واستهداف بعض المواقع الإيرانية، فشل في الضغط على إيران ودفعها إلى قبول المطالب الأميركية. فطهران سعت، عبر ردودها العسكرية واستهداف القواعد الأميركية في المنطقة، إلى تجنّب الظهور بمظهر الطرف الضعيف، حتى لا تتكرّس المعادلة التي تسعى واشنطن إلى فرضها، والعمل في المقابل على رسم معادلة ردع جديدة.
لكن كان من الواضح أن مرور الوقت يفرض ضغوطاً على كلّ من إيران والولايات المتحدة؛ فإيران تسعى إلى إنهاء حال «اللا حرب واللا سلم» والخروج من تحت ضغط الحصار البحري الأميركي، فيما تسعى واشنطن إلى إعادة فتح مضيق هرمز، وتقليص التكاليف السياسية والاقتصادية الناجمة عن إطالة أمد الحرب، والتوصل إلى اتفاق يمكنها عبره رسم صورة لما تعتبره إنجازاتها في الحرب الأخيرة ضد طهران.
من جانبه، أكد المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي، في مقابلة مع التلفزيون الإيراني، أن ما يجرى تداوله بشأن التوصل إلى اتفاق ما زال في خانة «التكهنات»، مؤكداً أن «الأمر لم يُنجز بعد». وتابع أن كلاً من قطر وباكستان تقوم بدور الوساطة بشكل نشط، فيما تتأثر العملية الدبلوماسية بالهجمات الأميركية.
وقال بقائي إن مسار المفاوضات كان واضحاً لإيران منذ البداية، وإن «جزءاً كبيراً» من النص قد أُنجز، غير أن واشنطن كانت «تغيّر مواقفها». وأضاف أن إيران أثبتت عدم تقديم أي تنازلات في خطوطها الحمراء.
وفي السياق، ذكرت وكالة «فارس» الإيرانية، نقلاً عن مصادر مطلعة، أن مسودة مذكرة التفاهم بين فريقي التفاوض كانت قد شارفت على الاكتمال قبل نحو أسبوعين، ولم تكن تنتظر سوى المصادقة النهائية في طهران وواشنطن. وأوضحت أنه بعد ذلك، طالب ترامب مجدداً، خلافاً للتفاهم الذي توصل إليه الأميركيون بعدما وافقوا على المسودة الإيرانية، بإضافة تفاصيل جديدة. وأضافت «فارس» أن إيران ردّت بأنها لن تنظر في النص الجديد، ولم تقدم عملياً رداً على الموقف الأميركي.
وتابعت الوكالة الإيرانية أن التوترات في مضيق هرمز وجنوب إيران، فضلاً عن الهجوم على الضاحية، أدّت إلى تجميد مسار المفاوضات. وبحسب «فارس»، دخل الفريق القطري على خط الوساطة اعتباراً من الأربعاء الفائت، وأبلغ بتراجع الولايات المتحدة عن البنود الإضافية الجديدة، ما يعني العودة إلى النص الأول نفسه الذي كان لا يزال ينتظر المصادقة النهائية في إيران.
إيران تقصف الكيان
بعد تهديدات إسرائيلية باستهداف بيروت وضاحيتها الجنوبية أمام عجز قوات الاحتلال في التقدم بجنوب لبنان، لم تتأخر إيران عن فرض معادلة ردع جديدة بقوة النار عبر إطلاق صليات صاروخية استهدفت الكيان الذي تُرك هذه المرة وحيداً للدفاع عن نفسه، فيما سارع ترامب إلى الدعوة «للتوقف فوراً عن إطلاق النار»، في محاولة حثيثة لاحتواء التصعيد العسكري الذي كاد أن يتوسع في اليومين اللاحقين ليعيد توريط الولايات المتحدة بمواجهة واسعة مع إيران.
ووفقاً لموقع «أكسيوس» فقد جاءت دعوة ترامب بعد انهيار وقف إطلاق النار الذي التزمت به طهران منذ الثامن من نيسان (أبريل) المنصرم، حيث استؤنفت المواجهات عقب رفض نتنياهو طلباً أميركياً بالتراجع عن تنفيذ ضربات عسكرية جديدة على إيران.
ورغم ذلك، شنّت إسرائيل غارات جوية استهدفت مواقع في طهران ومدن إيرانية أخرى، ردّاً على إطلاق صواريخ إيرانية باتجاه الأراضي الإسرائيلية دفاعاً عن لبنان.
وكشفت مصادر إسرائيلية أن ترامب أجرى اتصالاً هاتفياً جديداً مع نتنياهو صباح الاثنين الماضي، طالب خلاله بوقف الضربات العسكرية ضد إيران. ووفق المصادر، أبلغ نتنياهو الرئيس الأميركي أنه مستعد لوقف العمليات إذا توقفت إيران عن شن هجمات جديدة ضد إسرائيل، وهو ما تم فعلاً.
لكن مصادر إسرائيلية أخرى أكدت أن الجيش الإسرائيلي يعتزم مواصلة استهداف مواقع عسكرية وأمنية داخل إيران، في وقت أعلنت فيه القوات المسلحة الإيرانية تعليق عملياتها العسكرية مؤقتاً، مع التهديد باتخاذ إجراءات «أكثر قسوة وتدميراً» إذا استمرت الهجمات الإسرائيلية.
وكانت إيران قد أطلقت وابلاً من الصواريخ باتجاه إسرائيل رداً على هجوم إسرائيلي استهدف مواقع في لبنان، اعتبرته طهران انتهاكاً لاتفاق وقف إطلاق النار.
وبعد ذلك طلب ترامب من نتنياهو الامتناع عن الرد العسكري حتى لا تتضرر المفاوضات التي تقودها واشنطن مع إيران، إلا أن إسرائيل نفذت لاحقاً غارات استهدفت عدة مواقع عسكرية داخل إيران، بينها أهداف في العاصمة طهران.
وردت إيران بإطلاق دفعات جديدة من الصواريخ نحو إسرائيل، بما في ذلك صواريخ استهدفت منطقة تل أبيب، فيما أعلن الجيش الإسرائيلي أنه يستعد لاحتمال استمرار القتال لعدة أيام.
بدوره، أكد مسؤولون عسكريون إيرانيون استعداد طهران لخوض مواجهة طويلة الأمد مع الكيان الإسرائيلي، محذّرين من أن المصالح الأميركية قد تكون ضمن دائرة الاستهداف في حال استمرار التصعيد. وقال مسؤول عسكري، لوكالة «تسنيم»، إن «إيران مستعدة لحرب طويلة الأمد مع الكيان الصهيوني ولضرب المصالح الأميركية»، مشيراً إلى أن الاستعدادات العسكرية واللوجستية اللازمة لهذا السيناريو أُنجزت بصورة كاملة.







Leave a Reply