محمد العزير
قوبل نشر نص وثيقة التفاهم بين الولايات المتحدة وبين الجمهورية الإسلامية، والتي وقّعها الرئيس الأميركي دونالد ترامب شخصياً في قصر «فرساي»، وفي حضور الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الذي أولم على شرفه رسمياً بعد انتهاء أعمال قمة الدول السبع، التي انعقدت في منتجع إيفيان في جبال الألب، باستغراب بلغ حد الدهشة في الأوساط السياسية والإعلامية في أميركا، وأدى إلى خلق حالة غير مسبوقة من الاعتراض العابر للاصطفاف السياسي والذي تجلى في انتقاد الليبراليين وشريحة وازنة من المحافظين الذين تراوحت آراؤهم بين قائل بفشل ترامب وعدم كفاءته في حماية المصالح الأميركية، وبين ملمّح إلى أن الرئيس خُدع من أعضاء في إدارته.
أثار نص الوثيقة الذي أذاعه مسؤولون في البيت الأبيض في مكالمة موسعة مع المراسلين الأربعاء الماضي، انتفاضة علنية في الأوساط الإعلامية اليمينية المؤيدة تقليدياً لترامب، فعنونت صحيفة «وول ستريت جورنال» تعليقها بعبارة «ترامب يتراجع أمام إيران»، فيما قالت مطبوعة ترامب المفضلة «نيويورك بوست» أن التفاهم يعطي إيران مكاسب فورية كبيرة ولا يعطي أميركا شيئاً، فيما قلّل المعلق النافذ شون هانيتي من شأن الوثيقة معتبرة إياها مجرد أوراق لا قيمة لها. أما زملاؤه في شبكة «فوكس نيوز» فاجتهدوا للذود عن ترامب من خلال تحميل المسؤولية لنائبه جاي دي فانس، بينما هبّ الفريق الموالي لإسرائيل بقيادة بن شابيرو لتفنيد بنودها ووصفوها بأنها «كارثة».
كذلك، لاحظت وسائل الإعلام المستقلة أن مضمون الوثيقة لا يلبي أيّاً من المطالب الأميركية المعلنة ويؤجّل البتّ في الموضوع الأهم، وهو الملف النووي، إلى مستقبل غير محدد وهذا ما ذهبت إليه شبكة «سي أن أن» وصحيفة «نيويورك تايمز»، فيما ركّزت المنصات والمواقع الإخبارية الليبرالية على أن هذا التفاهم يعطي إيران ما لم يسمح لها به الرئيس الأسبق باراك حسين أوباما، في الاتفاق الذي أبرمه معها عام 2015، وعلى عدم وجود سياسة خارجية واضحة أو ذات معنى في ظل إدارة ترامب ومزاجيته، وجاءت ردود الفعل السياسية على المنوال الإعلامي، بين شخصيات محافظة رفضت التفاهم باعتباره تنازلات مجانية، كما قال نائب الرئيس الأسبق مايك بنس، ومندوبة أميركا إلى الأمم المتحدة السابقة نيكي هايلي، وأعرب أعضاء جمهوريون في مجلس الشيوخ بينهم السناتوران توم تيليس وبيل كاسيدي عن رفضهم لبند إنشاء صندوق إعادة إعمار إيران، لكن السياسيين الديمقراطيين انقسموا في اعتراضهم حسب الموقف من إسرائيل، فالليبراليون أشاروا إلى أن الحرب كانت بلا جدوى وأن التفاهم الناجم عنها لم يحقق أياً من الأهداف الأميركية، فيما شدد مؤيدو إسرائيل على ضرورة أخذ مصالح تب أبيب وموقفها بالاعتبار، وهو ما لم يفعله ترامب.
بعيداً عن ردود الفعل الأميركية التي لا تخلو من مزاودات حزبية، من الممكن ببساطة ملاحظة سبب المفاجأة من التفاهم، ومن النص نفسه، فالوثيقة المؤلفة من 1022 كلمة موزعة على 14 بنداً، تبدو أكثر توكيداً للمواقف الإيرانية المعلنة دون أن تلحظ أياً من الأهداف الأميركية، لا بل تعطي لطهران مبدئياً امتيازات لم تكن لديها قبل الهجوم الأميركي–الإسرائيلي المشترك والمفاجئ، في الثامن والعشرين من شباط (فبراير) الماضي، عندما ألقى ترامب خطابه الاحتفالي الشهير من البيت الأبيض وضمنّه أهدافه من الحرب المفتوحة التي جاءت وسط جولة مفاوضات واعدة.
ففي البند الأول من التفاهم والذي ينص على وقف الأعمال الحربية، لا يقتصر الأمر على الطرفين بل يشمل «الحلفاء» ويرد ذكر لبنان فيه ثلاث مرّات بما يعني منع إسرائيل من مواصلة عدوانها الإجرامي، وحرمانها من أية ذريعة للبقاء في الأرض التي احتلتها فيه، وإلزامها بقبول وقف إطلاق النار معه، وهذا يعني بكيفية ما، أن مستقبل الذراع الأهم لإيران، وهو «حزب الله»، لن يكون خاضعاً للتفاوض اللاحق، بل سيستفيد من التفاهم، ليستعيد ما خسره تحت وطأة العدوان الإسرائيلي المستمر منذ أكتوبر 2023، وما تبع ذلك من تغييرات حكومية وسياسية جعلت سلاحه ودوره موضع مساءلة بعدما كانا موضع إجماع لسنوات طويلة.
وفي البند الثاني، هناك تعهد أميركي باحترام سيادة إيران وسلامتها الإقليمية وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، وهذا يعني أن كل الحديث والتهويل عن حماية الشعب الإيراني من القمع، وعدم السماح بالإعدامات والتضييق على الحريات العامة والشخصية، خصوصاً من قبل ترامب ونتنياهو ومن لف لفهما، ذهبا أدراج الرياح، وهذا ما أكدته أنباء الإعدامات الواردة من طهران في اليومين الأخيرين، والتي طالت عشرات المتهمين بالتجسس والتخابر والتواطؤ.
وفي البند الخامس، ينص الاتفاق على أن مستقبل الرسوم على السفن التجارية التي تعبر مضيق هرمز، بعد ستين يوماً من سريان مفعول التفاهم، سيكون منوطاً بإيران وسلطنة عمان بالتشاور مع الدول الأخرى في «الخليج الفارسي»، وهذا يعني عدم الممانعة الأميركية في فرض الرسوم التي لم تكن مفروضة قبل الحرب لأن الممر المائي الاستراتيجي ليس ضمن المدى السيادي لإيران، بل تتشاطأه مع دول أخرى أبرزها عمان والإمارات العربية المتحدة، فضلاً عن أن المضيق كان مفتوحاً وبلا رسوم قبل الحرب.
وفي البند السادس، اتفاق على إنشاء صندوق استثماري بقيمة 300 مليار دولار لإعادة إعمار إيران، بينما لا يلحظ أي تعويض للدول العربية، وخصوصاً الخليجية، التي تعرضت للهجمات الإيرانية المدمرة خلال الحرب، بل يجاهر نائب ترامب بأن تلك الدول ستكون المموّل الأبرز للصندوق، أما البند الثامن فينص على أن إيران لن تسعى إلى الحصول على سلاح نووي، وهذا هو الموقف المعلن لإيران منذ عقود، وذلك مقابل رفع كل القيود والعقوبات عنها، والسماح لها باسترداد أموالها المجمدة، وفي البند التاسع الذي يسبق بنوداً تفصيلية أقل شأناً، تتعهد أميركا بعدم نشر قوات إضافية في المنطقة.
هذا كلام يعني في حده الأدنى أن أميركا تعادلت مع إيران في حربها التي شنتها بمعية إسرائيل، وفي حدّه الأقصى يعني أن إيران انتصرت، وهي منطقياً، تفرض شروطها، وهذا يتنافى تماماً مع ما أعلنه ترامب في خطاب الحرب على إيران، ومع ما نتج عن الحرب من تدمير فادح وخسائر بينة وانكشاف استراتيجي وضعف في إيران التي فقدت مرشدها الأعلى، وهي تنتظر سريان التفاهم لتتمكن من تشييعه، بينما دُفن العشرات من قيادات الصف الأول والثاني والثالث من قيادييها بصمت وتواضع. لذلك ينظر كثيرون من المتابعين والمعلقين إلى وثيقة التفاهم على أنها تعني شيئاً من اثنين، إما أن إدارة ترامب، ومعها الوسيط الباكستاني الذي لا يكن الكثير من الود للنظام الإيراني الذي تبادلت حكومته مع حرسه الثوري الصواريخ الفتاكة في كانون الثاني (يناير) 2024، توصلا إلى صيغة مع القيادات الإيرانية الناشئة على غرار ما حصل في كراكاس، وهذا ما ألمح اليه ترامب أكثر من مرة، وإما أن ترامب ومعه صديقه «الطيب» نتنياهو يشترون الوقت لإعادة بناء الترسانة الدفاعية المضادة للصواريخ والمسيّرات، التي استهلكت الحرب الروسية على أوكرانيا الكثير منها، قبل الشروع في حرب مفاجئة جديدة يستهلها دونالد ترامب بخطاب متفلز من البيت الأبيض، يعدّد فيه مساوئ الجمهورية الإسلامية، والخامنئي الأب الذي لا يستبعد المشاركة في تشييعه العاشورائي، أو الابن الذي لا ينفي نيته اللقاء معه.
من مبادئ العمل الصحفي الأولى الابتعاد عن التكهنات، لكن نص التفاهم بعد ما جرى منذ آخر يوم في فبراير الماضي، وقبله حرب الـ12 يوماً في حزيران من العام الماضي، يجعل الركون إلى مصداقية هذا التفاهم ضرباً من السذاجة، وكم هي السذاجة محببة في هذا الموضوع.






Leave a Reply