محمد العزير
تحتل معظم الدول العربية على الدوام، المراتب الأدنى في تقرير مدركات الفساد الذي تعدّه دورياً منظمة الشفافية الدولية Transparency International، وجاء في آخر مؤشر نشرته المنظمة في شباط (فبراير) الماضي، أن دولة الإمارات كانت الأفضل عربياً وحلت في المرتبة 21 عالمياً، تلتها قطر في المرتبة 41، السعودية 45، عُمان 54، البحرين والأردن 56، الكويت 65، تونس والمغرب 91، الجزائر 109، جيبوتي 124، مصر وموريتانيا 130، العراق 136، لبنان 153، جزر القمر 158، السودان 170، سوريا 172، اليمن وليبيا 177، والصومال 181، وذلك من أصل 182 دولة، (لم يلحظ المؤشر فلسطين نظراً للأوضاع). وتجدر الإشارة إلى أن الدانمارك حلت في المرتبة الأولى فيما تقاسمت جنوب السودان المرتبة الأخيرة مع الصومال.
تستقي المنظمة معلوماتها من مصادر متعددة أبرزها البنك الدولي والمنتدى الاقتصادي العالمي ومؤسسة «فريدوم هاوس»، وجهات أكاديمية وإعلامية متخصصة، وتركز في إعدادها للتقرير على القطاع العام بناء على المعطيات المتعلقة بالرشوة وصرف النفوذ، اختلاس الأموال العامة، المحسوبية والواسطة، سيطرة المصالح الشخصية والفئوية على القرار الحكومي والإداري، البيروقراطية وتعقيد المعاملات، وجود قوانين للشفافية والمساءلة، وأخيراً وجود قوانين تحمي من يبلّغ عن الفساد. تُجمع هذه البيانات وتُعالج وفق منهجية دقيقة تخضع لمراجعة الجودة من قبل خبراء إحصائيين مستقلين من جامعة كولومبيا وكلية لندن للاقتصاد LSE.
لا تشكو الدول العربية من نقص في النصوص التشريعية أو الآليات القانونية الموضوعة تحت عنوان مكافحة الفساد، لكن تلك النصوص تبقى حبراً على ورق ولا ترى طريقها إلى التنفيذ في ظل شيوع الفساد المستشري على كافة الصعد إلى درجة تجعل المواطن يقبله كأمر واقع ويصبح شريكاً فيه، فلا يعتبره عيباً أو انتهاكاً لحقوقه وخرقاً للقانون، لا بل يحاول تطبيعه وتجميله فيعتبر الرشوة ضرورة، والواسطة علامة نفوذ، والإثراء غير المشروع شطارة، والحال أن الفساد في معظم المجتمعات العربية هو القاعدة، والإستثناء هو النزاهة إلى درجة أنه يُنظر إلى الموظف الأمين كحالة شاذة أو كإنسان غبي، ففي لبنان على سبيل المثال هناك مثل شائع يقول «اللي بيشتغل بالسم بيلحوِس صابيعو»، أي أن على من يعمل في شيء أن ينال حصة منه.
أسباب الفساد في الدول العربية كثيرة وتحتاج إلى دراسات طويلة، أما أهم تلك الأسباب فتكمن في علاقة الإنسان بالدولة وغياب مفهوم الصالح العام، فمنذ جلاء الانتداب ومرحلة الاستقلال الوطني، وخصوصاً بعد موجة الإنقلابات العسكرية تبدد ما تيسر من علاقة سوية بين المواطن وبين الدولة، التي صارت في نظر النخب مصدراً للنفوذ الشخصي والثروة وتثبيت الولاءات، وفي نظر المواطن كياناً منفصلاً لا يمكن الوصول إليه إلا عبر قنوات شخصية تتصل بالنافذين، وكذلك النظر إلى القانون كعائق ينبغي التخلص منه أو في أفضل الحالات التحايل عليه، ويتجلّى ذلك على كل المستويات من التهرّب الضريبي إلى التعدّي على الأملاك العامة وصولاً إلى تسديد رسوم الخدمات الأساسية من كهرباء وماء وهاتف، وصولاً إلى الرسوم البلدية.
والسبب الثاني هو التكوين الاجتماعي والديني والإثني للدول العربية الذي يوفر أرضاً خصبة لإضعاف مفهوم المواطنة، فالتعريف الأول للإنسان يكون وحسب كل دولة طائفياً أو مذهبياً أو عرقياً، وليس وطنياً، وهذا يجعل المواطنة غير كاملة، فكل مكوّن ينظر إلى الآخر في الدولة على أساس الانتماء البدائي، وتكون العلاقة بينهما غالباً تنافرية وتنافسية ويصبح القطاع العام مسألة حصص تتسابق المكونات للحصول على أكبر قدر منها كحق مكتسب، وما يفاقم هذه الحالة «حرص» النخب الدينية والسياسية على الاستثمار في الاختلافات الموجودة لتحوّلها إلى خلافات دائمة تضعف مقومات المجتمع المدني، وتبقى الأحزاب والمبادرات غير الدينية وغير الفئوية (في الدول التي تسمح بوجودها) على هامش الحياة العامة، ليصبح التنوّع نقمة ومصدراً ثابتاً للتعبئة والتجييش.
السبب الثالث للفساد مفارقة مزدوجة تنقسم بين عدم الاستقرار الأمني والسياسي وبين القمع الشديد، ففي الشقّ الأول تؤدي الحروب المتناسلة، خصوصاً الأهلية منها، إلى نسف الدولة نفسها كإطار جامع، ولذلك تحلّ الدول التي تشهدها في أدنى مراتب الفساد، مثل اليمن وليبيا والسودان والصومال حالياً، أو الدول التي شهدتها سابقاً مثل لبنان والعراق وسوريا، أما الاستبداد والقمع اللذان يمهّدان للحروب الأهلية أو ينتجان عنها فيقتلان أي سياق مدني وتصبح العلاقة بين الدولة والمواطن عبارة عن تسلط عمودي يختزل الشأن العام كلّه في الحاكم المستبد كفرد، ويجعل تسيير الأمور العامة رهن الحاشية المقربة من الرئيس الذي يضع جهاز المخابرات فوق كل الوزارات والإدارات، وقد تقاطعت حالتا الحرب والقمع في أكثر من دولة عربية إن لم يكن أكثرها.
هناك أسباب أخرى للفساد يمكن إيجازها في ترهّل القطاع العام الذي فقد أي كفاءة أو قدرة على الإنتاج، وهناك الرواتب الضئيلة للموظفين التي لا تكفيهم لتأمين معيشة عائلاتهم وتعليم أولادهم، ويزيد من هذه المعضلة تردّي خدمات الطبابة والتعليم الحكومية وغياب الرقابة الفعّالة على الأسعار، وهناك أيضاً ظاهرة، تختصر إلى حد ما كل ما سبق، وهي كيفية الحصول على وظيفة حكومية، ويؤدي غياب أو شلل آليات التوظيف على أساس الكفاءة، واحتكار «حصص» موظفي القطاع العام من رموز السلطة، إلى سعي الراغبين في الالتحاق بالوظيفة أو حتى الراغبين في الترشّح للانتخابات إلى دفع مبالغ مالية لـ«مفاتيح» النفوذ، ويشاع في لبنان مثلاً أن كلفة الانضمام إلى الأمن الداخلي تبلغ 10 آلاف دولار، والجمارك والأمن العام 20 ألفاً، فيما تصل كلفة الدخول إلى المدرسة الحربية 100 ألف. وفي العراق كشفت حملة مكافحة الفساد الأخيرة أن من النواب الذين ألقي القبض عليهم من دفع خمسة ملايين دولار ليدخل إلى البرلمان، وبطبيعة الحال من يدفع ليحصل على منصب سيعمل على استرداد الكلفة أولاً عبر سلوك درب الفساد.
ولا يقتصر الفساد على القطاع العام وحده، فالنافذون في السلطة غالباً ما يستخدمون مواقعهم للتربّح من القطاع الخاص، ويستخدمون الوزارات والإدارة العامة لعرقلة أي مشروع استثماري إذا لم يحصلوا على مبالغ معيّنة أو على حصّة وازنة من الملكية أو نسبة من الأرباح، ومقابل ذلك تتم مساعدة المستثمر في التهرّب من الضرائب ومستحقات الجمارك وعدم الالتزام بالأنظمة المرعية الإجراء لجهة سلامة العاملين وحماية البيئة ومعايير الجودة، ولذلك تتوالى فضائح التزوير في الأدوية والمأكولات تباعاً وتباع السلع المنتهية الصلاحية والماركات المزيفة على نطاق واسع، ويمتد وباء الفساد عبر التدخلات السياسية إلى النقابات وغرف التجارة والمؤسسات المهنية.
لا شك في أن الفساد من أكبر الآفات التي تنهش المجتمعات العربية وتبدد إمكاناتها، وتجعل اقتصاداتها أقرب إلى الريعية تدار بعقلية نفعية ضمن شبكات المحسوبيات والحمايات لا بعقلية الإنتاج وآليات السوق، كما تهدر مستقبل أجيال بكاملها، ويجد الشباب العربي في معظم الدول في الهجرة حلاً وحيداً، والأنكى أن الفاسدين لا يستثمرون أموالهم في بلدانهم بل يهرّبونها إلى ملاذات للاستثمارات الآمنة في أوروبا وأميركا اللتين تُعتبران الهدف الأول لهجرة الشباب بحثاً عن فرص عمل، كانت ممكنة في بلادهم لو بقيت أموالها فيها. لذلك فإن أي حديث عن تنمية أو تطور لا يمكن أن يصح دون إطاحة الفساد وتصحيح علاقة المواطن بدولته والعمل على سيادة القانون، ولعل ما يجري في العراق يبشّر بأن ذلك ممكن متى توفرت الإرادة السياسية.






Leave a Reply